GuidePedia


بقلم: التهامي حبشي(*).
2ـ في نقد وهم امتلاك معلومة الوهم: وإذا كان الصحفي في بعض أعماله ـ نقصد جنس التحقيق الصحفي النادر طبعا في صحافتنا الوطنية ـ قد يسقط ـ عن عمد أو بغير قصد ـ في مهمة البوليس المحقق في خيوط وتشابكات قضية أو جريمة ما، فإن المؤرخ في الكثير من الأحيان نجده شبيها برجال المباحث البوليسية الذين يعيدون تركيب حوادث الإجرام من آثار متفرقة مختلفة (مسرح الجريمة) لا تبدو للإنسان العادي أية رابطة تربطها...مما قد يسقطه في الكثير من الاتهامات الباطلة والمجانية المجانبة للصواب والحقيقة التاريخية. بل الأنكى من ذلك أن تجد هذا الصنف من الصحفي/المؤرخ المصاب بالكسل الميداني في البحث عن المعلومة الطازجة والجيدة، يعمد إلى استراق ـ بدل استقصاء ـ المعلومة الرثة المدفونة في مخافر الشرطة ومكاتب أرشيف الاستعلامات والشؤون العامة...لا لفائدة معرفية أو تاريخية ترجى، إلا من باب التشفي والسخرية والنكاية..ليس إلا. إذ ما الفائدة مثلا من إخراج وسرد أرقام نتائج انتخابات جماعية وبرلمانية يعلم الجميع أنها كانت مزورة وباطلة.. جرت في سنوات الستينيات أو السبعينيات أو الثمانينيات من القرن الماضي..ما جدوى تقديم نتائج تصويت عقابي مارسته السلطة المخزنية ضدا على الإرادة الشعبية والأحزاب الوطنية الديمقراطية؟ ما الجدوى من ذلك دون أدنى جرأة سياسية أو شجاعة أدبية على تقديم أي تشكيك منهجي أو نقد موضوعي في صدقية ودقة هذه النتائج والأرقام المفبركة في محاضر ومطابخ السلطة المخزنية؟..من قبيل الاعتراف مثلا بأن بعض المرشحين الحزبيين وجدوا نتائج التصويت لفائدتهم قد انقلبت رأسا على عقب في محاضر السلطة المركزية، وآلت بقدرة قادر إلى خصومهم من مرشحي الأحزاب الإدارية المخزنية...وهناك شهادات حية على ذلك التزوير، من مناضلين سياسيين وموظفين إداريين، وحقوقيين...فأين غابت منهجية الاعتماد على الذاكرة الفردية/ والجماعية لإنتاج الرواية الشفوية القمينة بنقد معطيات وبيانات ومعلومات الوثيقة الإدارية المخزنية الرسمية الكاذبة والباطلة؟؟؟. أوليس إن من إحدى مهام المؤرخ هي مقارعة أو مقارنة الحجة بالحجة، أي نقد الوثيقة أو الشهادة المكتوبة والشفاهية، للتأكد من مصدرها وصحتها ووجاهتها في الحجية التاريخية..وليس الاكتفاء بالنقل الحرفي أو الرقمي (كوبي/كولي كما يقال في لغة تقنية المعلوميات) للبيانات والمعطيات المصطنعة وعرضها على القارئ بخلفية مبطنة وتأويل مغرض، لا يخدم المعلومة الحقيقية، ولا الأمانة العلمية، ولا الحقيقة التاريخية والسياسية للمغرب الحديث أو المعاصر، التي ينبغي أن نقدمها، بنسبية ابستمولوجية، للأجيال الجديدة من المغاربة، الذي من حقهم معرفة ماضيهم..كما يعرفون حاضرهم، ويتطلعون إلى التحكم في مستقبلهم...ذلك أنه " ليس من المحظور على أي إنسان يقبل ما في المحاولة من مخاطر، أن يسائل الماضي لكي يتخيل صورة مستقبل ممكن...مادام المغاربة وماضيهم هم الغاية التي يجب أن ترجح في كل لحظة" ـ عبد الله العروي، تاريخ المغرب، محاولة في التركيب، ترجمة د. ذوقان قرطوط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط.1، 1977،ص.8ـ9 ـ.
 تعلمنا أدبيات البحث التاريخي الرصين، وضع المعلومة موضع شك منهجي إيجابي من أجل اليقين التاريخي والسياسي، أي التأني في عرض المعلومة حتى تكون قائمة على مرتكز تاريخي رزين، يطرح الفكرة بالحجة، والتأويل بالاستدلال، والمقاربة بالمقارنة...وليس التساهل او الاستسهال في طرح البضاعة الرثة (بضاعتنا ردت إلينا) أو الخردة الإخبارية..لأنها إن لم تقم على النقد والشك والحجية، سيكون مآلها، ولا شك، هو قمامة أو مزبلة التاريخ. إن مختبر التاريخ أو الكتابة التاريخية التفسيرية والتأويلية الجادة والرصينة، الهادئة والهادفة، أكبر وأسمى من معلومات مطبخ السلطة المخزنية، أو أحكام القيمة المسبقة المبثوثة في ثنايا الكتابة المتساهلة التسطيحية والمغرضة. وإن قيمة المعلومة تكمن في عرضها على محك النقد والمقارنة، ومقابلة الحجة بالحجة في إعادة بناء الحقيقة التاريخية..بدل ترك الحبل على الغارب واختلاق القبة من الحبة كما يقول العامة...أي النزوع إلى التعتيم الإعلامي أو التشويش السياسي أو الثقافي، الذي يبلغ مداه عندما يقوم الصحفي بالتعسف على التاريخ، فيتعامل مع الخبر والحدث والواقعة والوثيقة (مادية أو شفوية أو مكتوبة) بنفس المنطق الذي يوجه عمله الصحفي اليومي (السريع)، فيقوم تحت ضغط السرعة و الرغبة الذاتية في تحقيق (السبق الصحفي) بإسقاطات تاريخية فجة وممجوجة على الوقائع والمعطيات السياسية اليومية والظرفية، يكون فيها الوعي بالمسافات الزمنية ـ (المدد الزمنية بتعبير مؤرخ الحوليات الفرنسي فردناند بروديل) ـ ضئيلا وأحيانا منعدما، مثلما يكون فيها الإحساس بالقيمة التاريخية للخبر ومصادره معزولا عما يسميه المؤرخون بالسياق التاريخي أو الظرفية التاريخية، وما يسميه موريس هالبواش بالأطر الإجتماعية للذاكرة (الفردية منها والجماعية)، و التي يتداخل فيها نقد الخبر مع نقد مصادره، ويتم فيها التمييز بين الواقعة والحدث، وبين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، وبين ما هو فردي وما هو جماعي، وبين الواقعي والمتخيل أو الوهمي، وبين ما هو ظرفي وما هو بنيوي، وبين ما هو محلي أو جهوي وما هو وطني..
 في مختبر الكتابة التاريخية الحديثة (التاريخ الجديد أو ما بات يعرف بتاريخ الحوليات أو التاريخ الاجتماعي أو تاريخ الذهنيات) يكون لزاما على المؤرخ للوقائع والأحداث والتمثلات والسلوكات والعقليات..أن يجنح إلى توخي الحيطة والحذر في عرض وسرد الحدث أو القضية..وذلك باعتماد عملية صقل المعلومة أو الخبر سواء أكان كتابيا أو شفاهيا، وجلوه أو تنقيته من شوائب الوهم البيوغرافي قبل طرحه في معترك الخطاب الإسطوغرافي أو التاريخي. لقد احتاجت كتب المناقب والنوازل وكنانيش الحسبة بالمغرب، وحتى بعض المصادر التاريخية التقليدية ككتاب الاستقصا.. للناصري وتاريخ الدولة السعيدة للضعيف الرباطي...إلى جيل جديد من الباحثين المغاربة في حقول التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا..، من أمثال : أحمد التوفيق، ومحمد أعفيف، وعبد الرحمان المودن، وعلي المحمدي، ورحمة بورقية، ومحمد قبلي..وغيرهم من الباحثين الذين أماطوا اللثام عن الكثير من المغالطات الواردة في متونها، وكشفوا الكثير من الألغام المزروعة بين سطورها، إما سهوا أو عمدا. فأعادوا بذلك كتابة جزء غير يسير من تاريخ المغرب الوسيط والحديث، كتابة تعيد مساءلة الماضي القريب على ضوء المقارنة بين معطيات الوثيقة (المخزنية) المكتوبة والرواية الشفوية..كتابة تنتمي إلى مدرسة تاريخية جديدة أصبحت تحرك شيئا فشيئا من إيقاع البحث التاريخي في المغرب...ذلك أننا في حاجة ماسة، اليوم وغدا، إلى أبحاث ودراسات تاريخية وسوسيولوجية في أصول ونشآت وهويات وأدبيات وتقارير ومسارات ومآلات الأحزاب السياسية المغربية. فلا مراء في كون الظاهرة الحزبية المغربية ظاهرة حديثة النشأة والتطور، فأعرق الأحزاب السياسية بالمغرب لا يزيد عمرها عن ثمانين حولا من العمر السوسيولوجي والسياسي...وهي مدة زمنية يسيرة، مقارنة مع نظيراتها من الأحزاب الأوروبية أو الأمريكية أو حتى الآسيوية، لا تتيح لنا بما يكفي من العمق التاريخي لملامسة ومقاربة مسارات وتحولات ومنعرجات ومآلات تنظيماتها وسيرات زعمائها ومناضليها الأموات منهم والأحياء الذين لم تسعفهم بعد الظروف الشخصية ولا السياسية ولا الثقافية، في إنتاج أو كتابة مذكراتهم أو أوراقهم السياسية...باستثناءات قليلة معدودة على رؤوس الأصابع...فاحزابنا السياسية لا نعرف تاريخها إلا من خلال بعض أدبياتها ووثائق مؤتمراتها، وحتى اليوم، لا نلمس اهتماما اكاديميا جديا بتاريخ الأحزاب المغربية، حتى وإن كان بعضها يتوفر على مؤسسات علمية وفكرية من المفروض فيها الانفتاح على المؤرخين والصحفيين والطلبة الباحثين الجامعيين وتشجيعهم على على معانقة هذا النوع من الأبحاث والدراسات الاستقصائية والتاريخية، ذات البعد الأكاديمي الرصين والبعيد عن الوصاية، أو الرؤية السياسية الضيقة، ووجهات النظر الشوفينية المغلقة...لماذا لا تبادر الأحزاب السياسية الوطنية نفسها إلى المساهمة في تكوين مؤرخين متخصصين في تاريخها، وتفتح أبواب مقراتها وخزاناتها ومؤسساتها أمام الباحثين عن المعلومة من المؤرخين والصحفيين...كما هو الحال في معظم الأحزاب العريقة بأوروبا وأمريكا وآسيا؟؟؟.
 أمام هذا الشح المعرفي والندرة والوثائقية والمعلوماتية، من جهة، وهذه النزعة الاحتكارية للتراث الحزبي والسياسي في أحزابنا المغربية، يجد الباحث الصحفي والمؤرخ نفسه مضطرا إلى طرق أبواب الناس العاديين ممن يجعلون ذاكراتهم في متناول استجوابات ومقابلات وأسئلة الصحفيين والباحثين. وبدون شك، فإن الرواية الشفوية، تشكل مادة خصبة للكتابة التاريخية الاجتماعية، فهي مادة لا تقل أهمية عن الوثيقة التاريخية المكتوبة. فحتى ولو نظرنا إلى التاريخ كعلم واحد بصيغة المفرد، فإنه يتضمن جنسين لامتكافئين من الكتابة التاريخية، بعضهما يكمل الآخر، وهما الكتابة التاريخية المستندة إلى الوثيقة المكتوبة،كالمصادر التاريخية التقليدية، وكتب الحسبة والنوازل الفقهية..وكل ما يتعلق بالمخطوطات القديمة، وهي الكتابة النمطية القوية الحضور على مستوى الأبحاث والدراسات والمؤلفات والكتب المربدة بالخزانات الوطنية، ثم الكتابة التاريخية المعتمدة على الوثيقة الشفوية، أو بالأحرى الرواية الشفوية، وهي كتابة خجولة الحضور على مستوى الممارسة البحثية التاريخية، والتي تتعلق بالجانب الشفاهي من المجتمع، الذي ظل مهمشا ومقصيا من دائرة البحث التاريخي الأكاديمي ومسكوتا عنه في الخطاب التاريخي المنتج حول التاريخ الاجتماعي لمغرب القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. 
يتبع...

Enregistrer un commentaire

 
Top