GuidePedia


قراءة في كتاب عبد الغني بوكريزية.
بقلم: الجيلالي طهير
عَنْوَنَ الأستاذ عبد الغني بوكريزيه إصدارهُ الجديد ب" خفايا الحملة الانتخابية بالمغرب"، ويعني العنوانُ فيما يعنيه أن الانتخابات لها ظاهرٌ ولها باطنٌ، أي المنطوقُ والمسكوتُ عنه، المرئي الواضحُ من جهةٍ، والمخفيُ المطمورُ من جهةٍ أُخرى، مثلَ أي كائنٍ حيٍ يتحرك بازدواجيةِ الشخصية. لا ينتمي جنسُ الكِتاب لأي مدرسةٍ قانونية ، كما نستشفُ ذلك من خلالِ المنهجية والتحليلاتِ، بل تطغى عليه شخصية المؤلفِ بصفته أستاذاَ محاميا، يُظهرُالاشمئزاز من تجاربَ انتخابيةٍ سابقةٍ، ويُريدَ لها الزوال.
الكتابُ يشبهُ إلى حدٍ ما في هيكلته وتوجهاتهِ مرافعة قانونية لهيئة الدفاع أمام القضاء الجالس، المتهم فيها البيئة الحاضنة للحملة الانتخابية. يُستهَل بما يشبه الحيثيات الطويلة التي تتصدر الأحكام القضائية النوعية المنشورة في مجلة الأحكام القضائية الادارية الفرنسية. يَستعرضُ الجزء الأول القوانين والمؤسسات العمومية المؤطرة للعملية الانتخابية مع تخصيص فقرةٍ خاصةٍ للقانون المقارن في التقديم، وهي "فرنسا كنموذج"، من غير الإفصاح عن السبب. ربما يريد القول بأن القوانينَ لا تتمتعُ بنفس القيمةِ القانونية وبنفس العيار القانوني في جميع البلدان. ففي فرنسا، النموذج مثلا، يصفون القانون بالرجعي لأنه يعبر بشكلٍ متأخرٍ عن ممارسات فعليةٍ، سبقت استصدار القانون ، أي أن وجود الوقائع الجارية على الأرضي يسبق مرحلة التقنين التي تتم بالتراضي بين قوة محافظة وقوة حداثية تحت قبة البرلمان . ولذلك يقال عن القوانين الفرنسية أنها من نوع " العيار الثقيل "، تشبيها بالمعدن النفيس، لأنها وليدة بيئتها، ومبنية على ركيزة وأسس متينة. بخلاف بلد مثل المغرب، حيث القوانين تُمنَح من جهة عليا، وتوصف بالتقدمية، بمعنى أنها سابقة للممارسة الانتخابية الدخيلة على المجتمع المغربي. مثلا، الميثاق الجماعي لسنة 1976 لم يصوت علي البرلمان ولم يكن موجوداً، وإنما جاء عن طريق مرسوم للوزير الأول أحمد عصمان. ولذلك، فالقوانين المغربية تصنف من العيار الخفيف أو الضعيف، وهي ليست أكثر من طلاء براقٍ فوق معدنٍ مزيفٍ. ومن هنا يأتي الخلل بين القانون المستورد من مجتمع متقدم ومحاولة تطبيقه في مجتمع متخلف. يكتب عبد الغني بوكريزية في هذا الصدد: " عندما تسجلُ مخالفة ضد سائقٍ من أبناء القبيلة يُطلب منه التوجه إلى البرلماني قصد إعفائه". هنا يريد القول، أن القوانين في فرنسا تسري على الجميع بطريقة أفقية، والكل تحت سقف القانون. وأما في المغرب، فالتطبيق القانوني للنصوص يأتي عموديا، وكلما اقترب المرء من السلطة العليا كلما استفاد من الحقوق، وتملص من الواجبات. وأول من يخرق القانون هو البرلماني، المفترض أنه يصنع القانون ويسهر على مراقبة تطبيقه، صحبة الأجهزة التنفيذية المكلفة بتطبيق القانون.
يخصص الأستاذ عبد الغني بوكريزية الجزء الثاني من كتابه للمحيط الاجتماعي الذي يحتضن الحملات الانتحابية، تحت غطاء القانون ومراقبة المؤسسات، فيتعرض لدور الاعلام و" الضربة التي أخدها رشيد نيني على مؤخرته"، ويذكر قوى الضغط الظاهرة والخفية، وجميع المهن الحرة المعنية بالدعاية الانتخابية، ابتداء من الحمامات العمومية إلى السوق، مرورا بالوكلاء العقاريين، وتجار البيع بالجملة، والباعة المتجولون، وسيارات الأجرة، وصالونات الحلاقة، الخ.
يقول في معرض حديثه عن صالونات الحلاقة: " قد يكون من يقوم بالمهمة مناضلا حزبيا فيكون بارعا في القيام بمهمته"، فينتزع الابتسامة من القارئ الذي يعرف دور المناضل الحطاب الحجام في تنشيط الحملات الانتخابية ببرشيد.
ما يلفت الانتباه أن عبد الغني بوكريزية لم يشر إلى " جريدة الصباح" في جرده لوسائل الاعلام المكتوبة. ربما قرأ عن مديرها عبد المنعم دلمي قوله: " لست مستعدا أن أنفق أموالي في تأطير المجتمع" ، وهي جملة علق عليه الصحفي طلحة جبريل بالقول: " كان المطلوب صحيفة يفترض فيها أن تقتات من تشوهات المجتمع، تطفح صفحاتها بالدماء والجرائم، وتكون أخبارها على غرار قتلَ، دبحَ، اختلسَ، اغتصبَ. صحيفة مصدرها الأساسي محاضر الشرطة والدرك" '( صحافة تأكل أبناءها – طلحة جبريل).
لا يُصدِر الّأستاذ عبد الغني بوكريزية، المحامي الكاتب، أحكاما نهائية،وإنما يترك الحكم النهائي للقارئ، ولو أنه بحنكة المحامي المتخصص يكثر من اللمز والغمز هنا وهناك، في محاولة التأثير على القارئ – الحكم.
لو قرأ الكتاب أولئك الذين يملئون الدنيا ضجيجا، وهم يخبطون خبط عشواء، في ملعب مملوء بالألغام غير المرئية، لوجدوا ضالتهم على الأقل في هذين الفقرتين الأكثر جرأة وصلابة في فصول الكتاب:
1.نوايا التصويت يختص بها رجال الدولة العميقة من خلال تملكهم لجل آليات الحملات الانتخابية الظاهرة والخفية منها.
2. يجب إبقاء الجمعيات بعيدا عن الاستعمال الانتخابوي، بإعادة النظر في مسطرة تقديم الدعم للجمعيات من طرف المجالس المنتخبة، لينتقل إلى دعم مبني على تعاقد ودفاتر تحملات تطبقا تلك الجمعيات.
3. إن الاشكال ليس فيما يصرف من أموال طائلة أثناء الحملة الانتخابية وعجز السلطات المختصة في مراقبتها. وإنما في الوقوف على مصادر الحصول عليها خاصة وأن هذا المال الانتخابي تعددت تسمياته. كالمال الحرام والمال المتسخ.

Enregistrer un commentaire

 
Top