GuidePedia


برشيد، أوهام التاريخ والسياسة (الحلقة 5)
برشيد نيوز: بقلم الجيلالي طهير
يقول الملك الراحل الحسن الثاني، في كتابه ذاكرة ملك: "التاريخُ ليسَ كتِلكَ السيدةِ التي تَحتاجُ إلى تجميلٍ لتبدُوَ أكثرَ جمالاً. فالتاريخ يبقى دوماً هو التاريخ، وهو يظهرُ كما يجِب متى يجِب وأين يجبُ. أَكيدٌ أن التاريخَ ليس من العلومِ الدقيقةِ، وأن الاستدلالَ بالمُقارنةِ ليس باستدلالٍ عِلمي. غير أنهُ هناك أمثِلة يجبُ العبرةُ بها". وفي سياقِ الحديثِ عن القبيلة يقول: "كلمة القبيلة هنا لا أستعملها باستخفافٍ، بل بالعكس. وذلك أن البلدانَ العريقةَ تتكونُ غالباً من مجموعاتٍ من القبائل. والدولُ العريقة ستَظلُ دائماً عُظمى، وتَسترجِعُ هِمتها حتى ولو تعرضَت إلى نَكباتٍ" (ص: 164و 82).
استلهمتُ الخطوطَ العريضة لِحلقاتِ هذه السلسلة من قراءتي لهذا القائد الاستراتيجي الكبير، الذي اعتاد على التفكير على المدى البعيد، فقارنتُ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالقبيلة، ثم ارتقيتُ في التشبيه إلى مستوى الدولة العريقة، فأسميتُه الحزبَ العريق، وقلتُ بأن "الحضاراتَ لا تموتُ قتلاً، وإنما تموتُ انتحاراً" (آرنولد توينبي). وفي موضوعٍ سابقٍ، قسمتُ مسيرةَ حزب الاتحاد الاشتراكي إلى ثلاثِ محطاتٍ، وهي: مرحلة النضال والدعاية، ومرحلة الوصول للسلطة وقطف العنب، ومرحلة الموتِ الصغيرِ، وقد يتبعهُ الموتُ الكبير الذي ما بعدهُ رجعة.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سليلُ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المنشقِ عن حزب الاستقلال سنة 1959و " الشبابُ والأطرُ التي تكونت في الخارجِ لم يكونوا بحاجةٍ إلى هذا النزاعِ الذي أثر على نُضجِهم وحِسهم بالمسؤولياتِ. ولقد كان الأمرُ أكثرَ من محضِ انفصالٍ في حزبٍ أو جماعةٍ، لأَن هذا الشرخَ العميقَ امتد إلى الأُسرِ المغربيةِ، ويستحيلُ تماماً لمَ شتاتِ حزبٍ وقعَ فيه انشقاقٌ. فالمرءُ يجدُ نفسهُ أمامَ حزازاتٍ أشد قُسوةٍ من "الفانديتا" الانتقامية التي عرفتها كورسيكا في القرن الماضي. الديماغوجية جزءٌ مما يمكنُ أن نسميه بِتوابلِ السياسة اليوميةِ، ولذلك، فاغفالها أو منْعها ضربٌ من الخيالِ" (ذاكرة ملك. ص:33 و34 ).
"يُمكنُ تَرتيبُ أصحابِ الأفكَارِ السياسيةِ في ثَلاثِ فِئاتٍ: " هُناكَ الهائجونَ، فالمهيجونَ، ثم رجالَ الدولةِ. المهيجونَ يثيرون ضججاً صاخباُ، في حين يظلُ بُروزُ رجالِ الدولةِ في حاجةٍ إلى الوقت. وبِكل صراحةٍ، أضعُ بوعبيد في فئةِ رجالِ الدولة. الهائجونَ همُ البدائيون الذين بحوزتهم مطالبٌ في مستوى إدراكهم للأشياءِ، ولذيهم ميلٌ لإضفاءِ أبعادٍ ضخمةٍ على الجزئيات، فيهتمونَ بما هو ثانوي على حسابِ ما هو جوهري" (ذاكرة ملك. ص: 25 و 43) .
يَكتبُ سمير بوفروج بِخصوص الهائجينَ الذين خيبوا آماله في الانتخاباتِ الأخيرة: " الحلُ يا إخوة، نحنُ نحتاجُ الى قائدٍ يَلمُ الشملَ يجمع حوله جميع الاتحاديين، ولِم لا جميعَ الأسرةِ اليساريةِ ليحصلَ حولهُ إجماعٌ . يجب علينا أن نبتعد عن مهاجمةِ الأحزاب الأخرى، لمجرد اختلاف مرجعيتها مع تصوراتنا واديولوجيتنا، لأن ذلك يضُرنا ويستفيدُ منه الآخرون". لكن هشام السعيدي له رأيٌ آخر، ويرى في العملِ الجمعوي الحل المناسب. وأنا كمواطنٌ يؤمنُ أكثر بما يقعُ على الأرض، أرى خديجة المنصوري، طالبة بكلية الحقوق، ورئيسة المنظمة المغربية للرائدات، في موقعها على رأس اللائحة الثانية لحزب العدالة والتنمية درسٌ يُدَرس، ٌومثلٌ يُحتدى به.
إن مُعافاةَ الاتحاد الاشتراكي من سَقمهِ لا يمكن أن تأتي من أَعلى بقُوةِ ساحرٍ. وفي الجانب السياسي، من المفيد لفتَ الانتباه هنا، أن هذا الحزبَ ابنُ الأَرضِ التي أَنجبتهُ وأَطعتمهُ حلالا، حتى انتصبَ واقفا، ومشى حتى خط الوصول. فهو لم يهبط من المريخ، ولا هو غريبٌ عن بيئته الشعبية المحلية. وهو نجح، لاسبابٍ كثيرةٍ، في استقطاب شباب متعلمٍ، ومنتجٍ، ومثابرٍ، ومنفتحٍ على الآخرين، وجعلهم في لحظةٍ جنوداً في خدمة فكرةٍ اقتنعوا بصوابيتها، وعملو على اقناع الاخرين بها. أما سقوطهُ، فنتيجة لتصرفاتٍ سلطوية، لكن أصلَ المشكلةِ باقٍ. "إن الأحزابَ السياسيةِ تشكلُ الأدواتَ اللازمةَ للديموقراطية. لكن ديكتاتوريةَ التسييرِ فيها لا تُضاهيها دكتاتورية. فالسلطة كما تعلمونَ شبيهة بالرحى، فإِن لامسها المرءُ بلُطفٍ صَقلتهُ، وإنْ هُو، على العكسِ، ضغطَ عليها بقوةٍ مَزقتُه إِرباً إِرباً " ( ذاكرة ملك، ص: 125 - 33). وها أنا أقدم ُ لكم السيدة التي تحتاجُ إلى تجميلٍ بالأرقام، من البدايةِ إلى ما قبل النهاية، من الحزبِ المقموعِ إلى الزعيمِ المخلوعِ:
لمْ تلتزمِ السلطاتُ المحلية المُشرفَةُ على تنظيمِ الانتخابات الجماعية في نونبر 1976 بالحياد، وظهرت كطرفٍ يصنعُ المرشحينَ الأَحرار ويُناصرهم ضد مرشحي الأَحزابِ التي كانت في المعارضة منذ 1963. فجاءت النسبُ المائوية للنتائجِ، على المستوى الوطني، طبقاً للخريطةِ السياسيةِ المرسومة، كالتالي: المرشحون الأَحرار: 43،64°/° ؛ حزب الاستقلال: 34،16°/° ؛ الاتحاد الاشتراكي: 6 ,54 °/° فقط.
محلياً، كسر شبابُ برشيد حاجزَ الخوف، وكان لهم وعيٌ بذاتهم كجماعةٍ ضاغطةٍ، فقاموا بمساندةِ مرشحي حزب الاتحاد الاشتراكي، من دون الالتفاتِ لمن كانوا يلعبونَ على الحبلين. فحصل الحزب على النتيجة المؤهلة لرئاسة المجلس البلدي، لكن كان للخريطة السياسية سلطة تحميها. فقد تقدم للمنافسة 51 مرشحا بصفة "الأحرار"، لمبارزَة مرشحي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، في 23 دائرة انتخابية، منها 8 دوائر بداخل جُزرِ الصفيح. وحصل الاتحاد الاشتراكي على 1262 صوتا، تمثل 28,83 °/° من 4376 صوتا المعبر عنها ، أعطته 12 مقعدا، المطلوبة لرئاسة المجلس البلدي، حرم منها مرشح الحزب، محمد بدري، باعوه بثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ.
أَسئلة بيزنطية: من يصنعُ شعبيةُ من؟ الشخصُ أم الحزب؟ ومن يجب تقديم الخدمة للآخر؟ الحزب أم الجماهير؟ الكاتب العام مؤسس الحزب محمد بوعبيد تجاوزهُ منافسهُ " الحر" بنصف الأصوات المعبر عنها؛ والمكي خالد، عضوُ مكتبِ الفرع، ومؤسس الحزب، حصل على أسوأ نتيجة بدائرته؛ ومحمد طربوز، الذي سيتسلم لاحقاٌ مسؤولية الحزب، من ثُقبِ النقابة الوطنية لرجال التعليم، التي يموت الحزب بين يديها الآن، حصل على 28 صوت فقط.
وسَيفعلُها الشبابُ مرةً ثانيةً أثناء مساندتهم المرشح الاتحادي، في الانتخابات التشريعية لسنة 1977، حيث ُحصلَ هذا الأخيرُ على 2.956 صوت ببرشيد- المركز ( 4،47°/°)، وحصل مرشح السلطة المحلية على 2168 صوت (81،43°/°). كان يعتقد أن الاتحاد الاشتراكي سيكتفي بجميع أصواته في برشيد المركز. لكن النتائج المحصل عليها بالجماعات القروية المجاورة كذبت التكهنات، ووضعت السلطة الساهرة على تطبيق الخريطة السياسية في مأزقٍ لا يحسد عليه. فقد حصل مرشح الاتحاد الاشتراكي على 1364 صوت بجماعة جاقمة ، و964 بجماعة الساحل أولاد حريز، و835 صوت بجماعة سيدي المكي، و960 بجماعة السوالم. لكن في نهاية الأمر، ذهب المقعدُ النيابي لمرشح السلطة المحلية، وقد قطع الشريط ب" السرعة النهائية"، بما مجموعه 11.309 صوتا في مقابل 8.233 صوتا، بفضل الكم من الأصوات لصالح المرشح الحر، التي خرجت من صندوق السوالم: 2191 صوت، و سيدي العائدي: 2441 صوت، والساحل أولاد حريز: 1831 صوت.
تابعتُ شخصياً انتخابات سنة 1976 كممثلٍ لمرشح الاتحاد الاشتراكي، في مكتب التصويت، بتكليف من حمو بلمقدم، العضو المؤسس، ونائب كاتب الفرع المحلي. وفي سنة 1977، سأعتدرُ عن القيام بالمهمة، وسيتكلفُ بها الصديق عبد الله الحنفي، وكنت توليتُ فيما بعد، النيابة عنه في مكتب التصويت، أثناء ترشحه للانتخابات الجماعية سنة 1983، بعد إلحاحٍ منه، لأني كنتُ أرى فيها، في وقتها، فقط تسويقاً للأَوهام.
يتبع...

Enregistrer un commentaire

 
Top