GuidePedia



محاولة في إعادة سبك الهوية السوسيوسياسية
لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية
  بقلم التهامي الحبشي
ـــ كتبت هذه المقالة بعد محطة انتخابات 7 شتنبر 2007... ونعيد نشرها اليوم قصد أن تعم الفائدة المرجوة...ـــ
1ــ مقدمة للذاكرة والتاريخ..
   لا مراء في كون حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبة هو حزب الجماهير المنادية بالديمقراطية والإشتراكية والتوزيع العادل للثروات المادية والرمزية، حزب الجماهير الطامحة إلى العيش الكريم وجودة الحياة وتوسيع مناخ الحريات الفردية والجماعية..إن الإتحاديين والإتحاديات مغاربة عضويون بالمخاض والولادة، والنشأة والتطور؛ فالحركة الإتحادية وليدة مخاضات سياسية وإجتماعية وإيديولوجية عسيرة، تبلورت منذ سنة 1959، حين تم إعلان الإنفصال عن حزب الإستقلال، نتيجة رفض الإتحاديين لسياسة مصادرة المكاسب الوطنية لدولة الإستقلال على حساب الفئات الإجتماعية الشعبية سليلة حركة المقاومة، من عمال وتجار وحرفيين، وفلاحين ومعلمين وموظفين ومثقفين...إلخ. ومنذ تلك المرحلة الحاسمة في إختيارها النضالي، والحركة الإتحادية تشق طريقها بإصرار وقوة متحدية كل العراقيل والمثبطات، وكل ظروف وويلات سنوات الجمر والرصاص، وما شابها من إغتيالات وإعتقالات، خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وما تلاها من مضايقات وملاحقات خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؛ وصولا إلى مرحلة الإنفراج السياسي وإدخال الإصلاحات الدستورية، وتلبيتها لنداء إنقاذ الوطن من السكتة القلبية، مع حكومة التناوب التوافقي برئاسة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، لضمان إنتقال ديمقراطي سلس وهادئ من شأنه (( تليين المفاصل )) على حد تعبير هذا المناضل الفذ الذي آثر المصلحة العليا للوطن... ثم ما تلا هذه المرحلة، من إنتكاسة على إثر التراجع المفاجئ والصادم عن ((المنهجية الديمقراطية)) في تدبير شؤون الحكم بالبلاد، بكل إفرازاتها و تداعياتها، على مستوى كبح مسلسل الدمقرطة والتحديث في العديد من القطاعات المجتمعية.  
   لقد أتبثت الحركة الإتحادية، عبر مسارها الطويل وصراعها المرير مع خصومها من جيوب مقاومة التغيير، أنها كانت ولا تزال وستظل، الحركة السياسية الأقرب إلى نبضات المجتمع المغربي، والأوثق بالفئات الإجتماعية الوسطى والشعبية، لأنها مثلت، عضويا وفكريا وتاريخيا، هذه الفئات السوسيولوجية الصعبة التركيب والتنظيم والتحول، وذلك عبر تصديها المستميت والمستمر لكل حالات التأزم الوجودي والإيديولوجي للمجتمع المغربي، ولكل المشاكسات والمناورات السياسية ضد إرادة بناء الدولة الوطنية القائمة على ديمقراطية المؤسسات والضامنة للحقوق والحريات..وأمام هذه المعطيات التاريخية، ولما كان حزب القوات الشعبية سباقا دوما إلى تشخيص أزمة الدولة والمجتمع، عبر التركيز على مكامن الخلل المجتمعي، واستجلاء تناقضات العلاقات السوسيو سياسية ببلادنا، من أجل إستشراف مستقبل أفضل لمغرب الحرية والديمقراطية والمواطنة؛ فإن الإتحاد الإشتراكي، يجد نفسه اليوم في صلب إشكالية إعادة صياغة هويته السوسيولوجية/ النضالية والإيديولوجية، عبر محاولة تلمس أجوبة ممكنة ومقنعة لسؤال البحث عن الإمكانيات أو الميكانيزمات الكفيلة بإعادة ربط الحزب بمحيطه وعمقة المجتمعي، دون أي تفريط في تاريخه وتراثه وقيمه النضالية التي تأسس عليها ومن أجلها، وذلك في علاقته وتجذره داخل الفئات الإجتماعية الوسطى والشعبية، التي خضعت لعدة تحولات سوسيولوجية، على مستوى أنماط العيش والتفكير والإستهلاك والسلوك عامة.
2ــ الإتحاد.. في صلب سؤال الهوية والسياسة:
    من هذا المنطلق، وفي إطار مساهمتنا في صياغة تصور هوياتي متجدد، يصب في أفق إحداث تحول نوعي في مسيرة الحزب، وبلورة أو تخصيب مشروعنا المجتمعي الديمقراطي والحداثي، بما يفي بغرض تليين مفاصل الدولة واليسار معا، عبر التركيز على نضال القرب الإجتماعي والثقافي ببلادنا ـ الذي لم تلتفت إليه طبقتنا السياسية بحكم إنشغالها، شبه الأحادي، بالصراع الفوقي مع حكم تسلطي، انتهى به، هوالآخر، المطاف إلى الإنصاف، والمصالحة والإعتراف بجدوى معانقة المشروع المجتمعي الحداثي..ـ يكون لزاما علينا كحركة إتحادية، تجديد أنماط تفكيرنا وأساليب إشتغالنا ومسلكيات ممارستنا السياسية، لتخصيب الفعل اليساري في المجتمع، بما يضمن تحريك سيرورة الدمقرطة والتحديث ونجاعة الثمن الإجتماعي للتنمية البشرية، لإنجاح مشروعنا المجتمعي المنتج للخيرات، والمنسجم سياسيا ومؤساساتيا وثقافيا مع خصوصيتنا التاريخية والحضارية المبنية على أساس العروبة والإسلام، ومع كونيتنا كمغاربة نبحث جميعا عن تموقع أفضل، دولة ومجتمعا، داخل العالم المعاصر والنظام العالمي الجديد، بكل رهاناته الإقتصادية والسياسية، وتمثلاته وتأثيراته العلمية والمعرفية والتكنولوجية والإعلامية.  
    إن سؤال الهوية والسياسة بمجتمعنا المغربي المركب، حسب تعبير فقيد السوسيولوجيا المغربية بول باسكون،هو سؤال معقد. ومع ذلك فإنه يتطلب منا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إجابة مجتمعية واضحة وحاسمة، لأنه وكما قال حكيم يوناني قديم: لا توجد رياح لسفينة لا تعرف أين تتجه. إنه سؤال ضبط البوصلة للتحكم في المستقبل وفي مصيرنا كدولة وكمجتمع؛ وهو ما يفرض علينا مأسسة هويتنا المتعددة والمركبة كمغاربـة،عرب ومسلمين، وأمازيغ وما قبل إسلاميين، وأفارقة ومتوسطيين وأوروبيين...على حد تعبير المفكر الراحل عبد الكبير الخطيبي، فنحن كل هذا التعدد والتنوع، ولا وجود لهوية مغلقة كجوهر ثابت، بل إن هويتنا بطبيعتها الجغرافية والتاريخية، متغيرة و متفاعلة مع محيطها الإقليمي والجهوي والدولي؛ وبالتالي فلا هوية قبلية أوجهوية، أودينية أوعرقية، أو عقدية أوإيديولوجية، ينبغي لها أن تطغى فوق هويتنا الوطنية المشتركة،التي تسمو فوق الجميع، والتي هي، بكل بساطة، إنتماؤنا المشترك، الآن هنا، إلى هذا الوطن:المغرب، كدولة ومجتمع، نناضل من أجل يكون له موقع أحسن ومآل أفضل، على سلم الكونية والعولمة.
     تلك مقدمة نظرية عامة وهامة، أردنا من خلالها التأكيد على أن الوطن للجميع هو غايتنا، كإتحاديات وإتحاديين، وإن كانت الديمقراطية هي وسيلتنا وغايتنا في نفس الآن، فنحن بالحرية والعقل، وبالوطن والكونية، وبالدمقرطة والتحديث، نحب الحياة، نريد العيش ونسعى إلى تحسينه، بالناس ومع الناس ومن أجل الناس، ولذلك، فنحن لا نتوقف عن إشراك وتعبئة وتوعية أكبر عدد من المغاربة، لكي يتقاسموا معنا هذا المسعى النبيل والدائم، من أجل التآخي والتضامن والتضحية والنضال في سبيل قيم إنسانية سامية، تظل دوما مأمولة ومنشودة، كالحرية، والمواطنة، والمساواة، والعدالة الإجتماعية، والتسامح، والسلم، ونبذ العنف والحقد والإرهاب والكراهية والعنصرية. هاته هي قيمنا التي نتوحد حولها ومن أجلها، وهي التي تشكل ضميرنا الجماعي الإتحادي، الذي ندعو اليوم إلى تخصيبه وتجديده، عبر إعادة الإعلان عنه وبسطه وتوضيحه للفئات العريضة من الطبقات الوسطى والشعبية للمجتمع المغربي، تلك الفئات التي تجد غالبيتها نفسها أقرب إلى الإنخراط والإنصهار في صلب الحركة الإتحادية، كبوتقة سياسية وإجتماعية تتعايش داخلها أحاسيس الإنتماء الجماعي المشترك إلى هذا الوطن. وحتى وإن تقلص إشعاع جذوة الروح النضالية الحزبية، ودورها المركزي في الإستقطاب والتعبئة والتأطير والفعل والتأثير، فإن إحدى الميزات الأساسية لحزب القوات الشعبية، كحركة سياسية قوية ومطواعة، هي خلق وإبداع صلات مستمرة للتماهي والتوحد بين القمة والقاعدة، بين القيادة والجماهير المنحدرة من الطبقات الوسطى والشعبية، التي تبقى ميزتها الأساسية هي خلق ضمير جماعي، يتمظهر من خلال ذلك الشعور المعبر عنه من طرف فئاتها المتنوعة، بالإنتماء إلى طبقات وسيطية، لا تشبه نفسها لا بالطبقات الدنيا ولا بالطبقات البورجوازية العليا في المجتمع، بل تلك الطبقات الأكثر عرضة للتأزم والقلق الوجودي والإجتماعي، لأنها تشترك في وقوع غالبية أفرادها ضحية الضغط الضريبي، وتدني القدرة الشرائية، والإقصاء الإجتماعي والمجالي، والإستبعاد الثقافي والمعرفي، أي تلك الطبقات غير المقترنة بمجموعة إجتماعية مندمجة، والتي توحي بوضع بيني متأرجح بين موقعين أو وضعيتين، بين الطبقات العليا والطبقات السفلى، بين النخب ومالكي الثروة والسلطة والجاه والحظوة والإعتبار، والأوساط الدنيا المحرومة من كل شيء؛ إنها تلك الطبقات المنتمية إلى مواقع وسيطية على مستوى سلم التراتبية الإجتماعية والإقتصادية وسلاليم الموارد والأموال والمهن، والديبلومات والشواهد والكفاءات والمهارات والوظائف والمسؤوليات ( سيرج بوسك؛ الطبقات المتوسطة: إلتباس المعنى وإشكالية الإنتماء الطبقي، تعريب محمد خير الدين، الإتحاد الإشتراكي، العدد8763، ليوم09/01/2008، ص.10.).

3ــ في التركيبة السوسيوسياسية للإتحاد..
   إن حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، كما يدل على ذلك إسمه، ليس هو حزب الأعيان أوالأرستقراطية المحافظة، التي تخشى المواجهة المباشرة مع السلطة، وبالتالي تحرص أشد الحرص على التوافقات الملفقة، وتقبل بلا توازن السلط وبالإصلاحات التدريجية البطيئة، ولا هو حزب البورجوازية الثرية أو المنتفعين من الليبرالية المتوحشة، من ذوي الإمتيازات والصفقات المالية والعقارية المشبوهة، والتي تتجنب المساءلة والمحاسبة، ولا هو حزب الملتحين المختفين وراء هوية دينية منغلقة، أحادية وتحييدية أو إستئصالية، تحاكم الناس على عقولهم واختياراتهم، وتكفر الآخرين أو تطعن في سلوكهم، باسم المحافظة على الهوية والأصالة، مع أن مشروعها لا يحمل أي تصور عميق أو جواب منطقي مركب عن أزمة الهوية، بقدر ماهو مشغول  بالوصول إلى السلطة من أجل التحكم في سلوكات الناس وحرياتهم.( حوار مع عبد الله الحمودي حول إنتخابات 7 شتنبر بجريدة المساء، العدد306 في12/09/2007،ص.6.) ...بعيدا عن كل هذه الأصناف أو الكتل الحزبية، يبقى حزب الشهيدين المهدي وعمر والفقيد عبد الرحيم بوعبيد رائد الحركة الإتحادية، والأستاذ الغاضب عبد الرحمان اليوسفي..، هو حزب هذه الكتلة الجماهيرية الثالثة، التي توجد بين الطبقة أو النخبة القيادية العليا والطبقات الدنيا أو السفلى. أي تلك الكتلة الجماهيرية التي تبدو مشتتة ومنشطرة إلى عدة فئات وشرائح إجتماعية، تتقاسم عدة سمات ووضعيات وجودية، أبرزها القلق السيكوسوسيولوجي أو الخوف من التدني الإجتماعي ومن إنحسار مسارات أو مدارج الإرتقاء الإجتماعي، ومن تردي الأجور وجمود المداخيل، ومن تزايد ثقل المطرقة الضريبية، والتدني المهني لأفواج متزايدة من حملة الشواهد والدبلومات من خريجي المعاهد والجامعات، وخاصة أولئك المنحدرين من الأوساط الشعبية، والمتطلعين إلى أن يكونوا من أفراد الطبقة المتوسطة، علاوة على الشعور بتدني القيمة الإجتماعية لبعض الوظائف، كالتعليم والصحة، والإدارة العمومية والجماعات المحلية...وبعض المهن الحرة والوسيطية المتواضعة، وبعض الحرف التجارية والخدماتية الصغرى، والأشغال الفلاحية والصناعية التقليدية...إلخ.
   وهكذا، إذا كان كنه الحركة الإتحادية، يكمن في صلب هذه الفئات الإجتماعية القلقة والمتذبذبة، أوبالأحرى، المتأرجحة بين الأعلى والأسفل، فإنه من المنطقي، ومن الأجدى، أن تقيم هذه الحركة السياسية المرنة والفطنة، مسافة نقدية وإرادية تجاه تلك الكتل أو التنظيمات الحزبية المرتبطة بفئة البورجوازية الليبرالية الفاسدة والمتعفنة من لوبيات إقتصاد الريع، ومن يدور في فلكها من الأتباع والحاشية، وفئة الأعيان والوجهاء ووسطاء المحسوبية والمحزوبية والزبونية السياسية، كنخب متميزة ومتعالية عن الطبقات الوسطى والشعبية، بوضعها الإجتماعي المريح ونمط عيشها الباذخ وثقافتها الأرستقراطية. وكل ذلك حتى تؤكد الحركة الإتحادية كحركة متميزة انحيازها الإجتماعي والسياسي، أو بالأحرى، إرتباطها العضوي والتزامها النضالي المستمر بقضايا وهموم واهتمامات الجماهير أو القوات الشعبية، ذات الفئات والشرائح الإجتماعية الحركية المتعددة، من أصحاب المهن الصغرى والحرة المتواضعة، والوسيطية، والمستخدمين، والأجراء غير اليدويين كالأطر والموظفين، والتجارالصغاروالحرفيين، والصناع التقليديين والمزارعين والفلاحين الصغار والمتوسطين، والمعلمين والأساتذة والأطباء والممرضين، والصيادلة والمهندسين والمحامين...ولعله الإلتزام الذي ينبغي له اليوم أن يولد الإهتمام بالتشخيص الميكروسوسيولوجي المجالي والتشاركي، الذي يقف على الدينامية الخاصة   بكل فئة من هذه الفئات على حدة، وإعادة سبك هذه التشتتات أو التباينات المائزة البادية على مستوى تركيبات أو مكونات الطبقات المتوسطة والشعبية، التي لا هي بورجوازية ولا هي بروليتارية صرفة، أي أنها لا تكون طبقة إجتماعية منسجمة ومندمجة بالمعنى الماركسي للكلمة، لأنها لا تنطوي على أي إنسجام أو تضامن أفقي على مستوى علاقات الإنتاج داخلها، فهي فئات تحتوي على أجراء (أطر، موظفون ومستخدمون)، وعلى أرباب عمل(صناعيون وتجار)، وعلى مستقلين من أصحاب المهن والأعمال الحرة، كما أنها ليست فئات مستضعفة أمام الحياة، مقارنة مع الفئات ما تحت البروليتاريا، بقدر ما هي فئات تتميز بتوفرها على ملكية( دكان، متجر، مقاولة، مكتب، رخصة مهنة، ضيعة، دبلوم أوكفاءة...)، مما يجعلها تمتلك مقومات وقدرات العيش والنظر إلى المستقبل بنوع من الثقة والفاعلية.(أنظر، مقالة سيرج بوسك المشار إليه أعلاه). إن ما تحتاجه هذه الفئات العريضة والمشتتة بالذات، هو دينامو الحركة والتعبئة السياسية والإجتماعية والتضامنية بين مكوناتها، بالشكل الذي يتيح لها صهر قضاياها المتنوعة ومطالبها الأساسية، وصياغتها في شكل أجندات وملفات مطلبية، تستدعي التساند والإلتفاف، والتنسيق والتحرك من أجل الإحتجاج لإبراز حق أوللتخفيف من معاناة إجتماعية، أوإقتصادية، أوثقافية. ذلك أن النضال اليوم، معناه أساسا الإلتزام، هنا والآن، من أجل الدفاع عن قضية معينة. إنه ليس مجرد تجمع خطابي حماسي داخل تنظيم حزبي مهيكل حول توجهات مسطرية رسمية، بقدر ما هو السعي الحثيث نحو القيام بعمل ملموس بفعالية ونجاعة، وبالتالي فليس الإنخراط إلى حد ما هو الذي يحدد المناضل، بل جاهزيته للعمل من أجل قضية ما.( المشاركة السياسية: أزمة تحول؟ تعريب محمد خير الدين، الإتحادالإشتراكي، العدد8787 في06/02/2008، ص.10.).
  من هذا المنطلق، إذا كان أهم ما يميز الفئات المتوسطة والشعبية هو((ضمير الإنتماء إلى وضعية قلقة))، المقترن بفكرة التطلع إلى الأحسن أوالإرتقاء المشروع، والتي يحركها الوعي الحاد بهشاشة الوضعية السوسيوإقتصادية والثقافية القائمة؛ فإن الحركة الإتحادية معنية، بحكم النشأة والتاريخ والتطور، بتحريك وإثارة وشحذ هذا الوعي الحاد، بشكل نقدي، هادئ وهادف، قصد إستقطاب وجلب المزيد من القادمين الجدد، لركوب قطار الإتحاد، للنضال من أجل قيم إنسانية تظل في غالبيتها مفقودة أو مهددة، كالحرية والكرامة والمساواة والعدالة الإجتماعية.. ولعل ذلك يقتضي منا المزيد من الوضوح المذهبي والتوضيح الإيديولوجي، عبر إمتلاك وتعميم نظرية متكاملة، في الإقتصاد والثقافة والسياسة، نظرية شاملة تبلور بالتحليل الملموس، وعلى أرض الواقع الملموس، ملامح ومسالك تيسير سبل الولوج إلى الحياة، والترقي المشروع في مدارج الإرتقاء الإجتماعي بكل سهولة ومرونة، ذلك لأن التطلع الإجتماعي، يبقى سمة ملازمة ومميزة لدى الغالبية العظمى من أفراد الطبقات المتوسطة والشعبية، التي يحدوها الوصول العادل إلى الثروات المادية والرمزية، الإقتصادية منها والإجتماعية والثقافية والسياسية.
     ومن جهة أخرى، ينبها الباحث الأنثروبولوجي المغربي عبد الله الحمودي، إلى ضرورة الإنتباه إلى خطورة الفئات الإجتماعية الصغرى والمتوسطة غير المؤطرة، لأن من هذه الفئات يخرج الخير وربما منها يخرج الشر..وبالتالي فلا بد من إعادة تصنيف توجهات هذه الفئات، نظرا للتغيرات الهائلة والخطيرة التي طرأت عليها، والتي يجملها الحمودي في ثلاثة عناصر أساسية، هي أولا: آثار الأزمة الإقتصادية على هذه الفئات، مما يهدد بإسقاط عناصر مهمة منها من سلم إجتماعي متوسط إلى آخر فقير، وثانيا: تذبذب إختياراتها الإيديولوجية والسياسية، بين البحث عن التقدمية والميول نحو المحافظة وحتى الأصولية،  وهو التأرجح الذي يفسر بالأساس الثقافي الهش لهذه الفئات، ثم ثالثا، السلوك المتناقض لهذه الفئات في نمط العيش والإقتصاد والإستهلاك، مما يطرح البحث عن أجوبة حاسمة لأزمة الهوية التي يشعر بها غالبية أفرادها.( أنظر حوار جريدة المساء مع عبد الله الحمودي المشار إليه أعلاه).
   وعلى هذا الأساس، ينبغي إعادة توجيه الإهتمام، من خلال الحزب وداخل الحزب وخارجه، إلى ما كنا قد توقفنا عليه وأهملناه منذ سنة 1984، أقصد وثيقة أزمة المجتمع والبناء الديمقراطي، وذلك لنقد وتفكيك تصورنا التقليداني والجوهراني الثابت لمكونات المجتمع المغربي، التي غالبا ما نظرنا إليها، إما بنظارات أو لبوسات سلفية دينية، أو قومية شعبوية أو ماركسية طبقية فجة؛ الشيء الذي ضيع علينا فرصة القرب من واقعنا المجتمعي المركب، وفهم وتفهم حقائق شبكاته وتركيباته السوسيو ثقافية، المتداخلة والمعقدة. مما يتطلب منا صياغة إستراتيجية نضالية ديمقراطية طويلة الأمد، تجيد جدلية الذهاب والإياب بين النظرية والممارسة، بين المفاهيم والميادين، بين التصنيفات الفكرية والإيديولوجية والتباينات المجالية والسوسيولوجية، على صعيد الجهات والمدن والبوادي والجماعات... إستراتيجية نظرية وعملية، ملموسة على أرض الواقع، قادرة على إجادة الإنصات لهموم واهتمامات ومطالب العديد من الفئات الإجتماعية الصغرى والمتوسطة، واحتضان أفواج متزايدة من هؤلاء الذين ينتمون يوما عن يوم للهامش وللأدنى في المجتمع، من أمثال: شباب البوادي والضواحي والأحياء الشعبية، والعاطلين والمياومين والباعة الجائلين، والنساء الأرامل والمرضى والمهاجرين الجدد أوالوافدين...ومن جميع هؤلاء الذين يعلنون إنتماءهم بالفعل إلى طبقة أل((بدون))/Les Sans، هؤلاء اللامعتبرين الذين يجب أخذهم بعين الإعتبار، حسب تعبير جاك رانسيير.( في مؤلفه: على حواشي السياسة/Aux bords du politique، باريس، سنة1998) . فبدون شك أن هذه الفئات تطرح اليوم قضايا لم تكن للدائرة السياسية عادة معالجتها إلا قليلا، الشيء الذي يعني أن السياسي/Le Politique نفسه يوجد على المحك، وبالتالي، فبدل التشكي والتباكي من تفكك الإرتباط التقليدي بين موجة المناضلين الجدد والسياسيين القدامى، ينبغي التفاؤل بظهور تعبيرات خصوصية جديدة لفئات عريضة من الساكنة التي ظلت حتى الآن مهمشة، على مستوى السياسات العمومية والبرامج الحزبية والأجندات المطلبية..، وبالجملة ظلت مستبعدة ومقصية من مجال/ فضاء الدائرة السياسية التقليدية التي تهيمن عليها طبقة سياسية منغلقة على نفسها ومصالحها، هي طبقة ((محترفي السياسة)) بلغة ماكس فيبر، هؤلاء المحترفين القدامى الطاعنين في السن وفي السياسة، الذين يعيشون بالسياسة ومن أجل السياسة ومن السياسة، أي هؤلاء الذين يكرسون حياتهم للسياسة التي يحصلون بواسطتها على أسباب العيش والإرتقاء الإجتماعي، ومنهم العدد الكبير من أعضاء الحكومة والبرلمانيين والمنتخبين في الجهات والأقاليم والجماعات... وضدا على هذا الواقع، ينبغي على الحزب أن يبادر ويبدع في إطار المجالات أو الفضاءات الواسعة لسياسة القرب؛ فالحزب، اليوم وغدا، ينبغي أن يكون هو القرب، والإلتفاف والإنصات عن كثب، لنبضات وهمهمات المجتمع. وبالتالي، فكلما تحلى مناضلونا وقياديونا بقيم التطوع والتضحية والتضامن، ونكران الذات والصدقية، إلى جانب تسلحهم بالعقل والحرية والعلم والإعلام والمعرفة، كلما أضافوا لبنات تلو اللبنات لقيم المواطنة الصادقة، التي هي أساس الإنخراط في سيرورة الدمقرطة والتحديث والتنمية، التي تشكل الجواب الكافي والدواء الشافي لإستئصال المرجعيات الأصولية المتطرفة والمسلكيات الليبرالية المتوحشة. إن وضوح اختيارنا الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، ينبغي ترسيخه وتجسيده على مستوى الخطاب والسلوك أيضا، وذلك بحرص قياديينا ومناضلينا ومجموع طبقتنا السياسية، على عدم الإرتماء في أحضان التبرجز الباذخ والإرتقاء الإجتماعي غير المشروع على حساب المال العام، وامتيازات إقتصاد الريع، وكل المضاربات والصفقات الليبرالية المتوحشة والمشبوهة؛ ذلك أنه كلما تشبعنا بثقافة الإكتفاء الذاتي والإلتزام المبدئي العضوي والعطاء النضالي المخلص..، كلما قلصنا من شبكات الإعتماد على المحسوبية والزبونية والرشوة والتبعية، وأعدنا الإعتبار للعمل السياسي النبيل، وأتبثنا ميزة هويتنا السوسيولوجية والإيديولوجية النضالية، وجدارة عمقنا وتجذرنا في أوساط الفئات الوسطى والجماهير الشعبية. فكلما حل مناضلونا المخلصون وساستنا المحنكون محل الأعيان والوجهاء والوسطاء الوصوليين والإنتهازيين، كلما تقلص الفارق السيكولوجي والسوسيولوجي بين نخب الحاكمين وقاعدة المحكومين. وقد بينت تحليلات روبرتو ميشال أن الأحزاب الجماهيرية، هي التي تتميز بالتفكير في تقليص المسافة بين رجال الجهاز السياسي والمواطنين العاديين، على عكس تلك الهوة الساحقة التي تفصل نخبة الأعيان عن باقي السكان. وهو مايعني أنه كلما كانت المسافة الفعلية بين نمط عيش وثقافة المسؤولين عن الحزب، ونمط عيش وثقافة الفئات المنخرطة فيه والمصوتة عليه مسافة صغيرة، كلما تمكن الحزب الجماهيري من خلق صلات للتماهي والتوحد بين القاعدة والقمة. وعلى ضوء، هذا المعطى، ألا يحق لنا أن نتساءل عن هذه المسافة داخل حزبنا بين القيادة والقاعدة، بين نخبتنا السياسية وجماهيرنا الشعبية من المناضلين والناخبين، في وقت نبحث فيه عن أسباب إنتكاستنا، وتقلص إشعاع نضالنا الحزبي ودوره في التأثير والفعل المجتمعي، وفي وقت أصبحت فيه فضاءات النضال المجتمعي تتمدد أكثر فأكثر، لتشمل منظمات غير حكومية، وجمعيات حقوقية، وتجمعات إجتماعية، ومنابر إعلامية جديدة..؟؟؟. لقد آن الأوان كي نقتنع جميعا، بأن تلك الترابطات العمودية، التي أمكنها لوقت طويل أن تنظم علاقتنا الحزبية بامتداداتنا الإجتماعية، النقابية منها والجمعوية، والإعلامية والثقافية، لم تعد تشتغل كما ينبغي، تاركة المجال لتعبئات جماعية وحركات إجتماعية جديدة، لا شك أنها بدأت تحرمنا من دفعات أو أفواج عديدة من المناضلين الذين تكونوا داخل دائرة المجتمع المدني، من خلال التفافهم حول بعض المطالب الموضوعية والفئوية، والتئامهم في العديد من الوقفات الإحتجاجية، والإضرابات والإعتصامات، والتنديدات بالجرائد الوطنية، ورفع الشعارات حول حقوق الشغل والكرامة والعدالة وغلاء المعيشة..ضد الحكومات والمجالس الممنتخبة والمصالح الخارجية المعنية. (حسب معطيات لوزارة الداخلية نشرتها جريدة العلم في عددها ليوم 05/12/2007، فقد وصل عدد الوقفات الإحتجاجية بالرباط طيلة سنة 2007 ما مجموعه 945 وقفة، منها 550 وقفة إحتجاجية لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، و106 وقفة خاصة بالعاملين في قطاع التعليم، والباقي بقطاعات مختلفة كالصحة والعدل والجماعات المحلية...). وهذه الظاهرة الجديدة ينبغي أن تستفز تفكيرنا وأنماط سلوكنا، كي ننكب على معالجة مكامن الخلل الوظيفي والتواصلي في ذواتنا وأدواتنا وعلاقاتنا مع مكونات تركيبتنا السوسيوسياسية المعقدة.

4ــ في سوسيولوجيا لحظتنا الإنتخابية الأخيرة:
   بدون شك أن مشاهد اللحظة الإنتخابية الأخيرة، قدمت لنا، قبل الإعلان عن نتائجها المفاجئة والصادمة، عينات ومؤشرات دالة على عدم فهمنا وتفهمنا لثقافة مجتمعنا، وقصور تصورنا وتواصلنا مع مجموعة من التعبيرات والرغبات والسلوكات، والمطالب والإنتظارات والحاجيات، التي كانت تبلورها العديد من فئات الطبقات المتوسطة والشعبية بالخصوص، في المداشر والدوايير وأحياء وضواحي المدن، وهي تعبيرات وإتجاهات وسلوكات لا يمكن الحكم عليها بعدم الوعي أو النضج السياسي، بقدر ما هي تعبيرات ومسلكيات كشفت بالملموس، عن قدرة وذكاء هذه الفئات، بحكم مواقعها الإجتماعية والإقتصادية ومستوياتها التعليمية والثقافية، في بلورة آراء سلبية تجاه لعبة سياسية/إنتخابية مغشوشة ما فتئت تفقد بريقها ومعناها؛ مثلما كشفت عن تحولا ت دخول مد على الخط للرأي العام، بتعبيراته الجمعوية والإعلامية، في معمعة نقد و تقييم أنشطة الأحزاب السياسية وممارسات مرشحيها ومناضليها، وهو النقد والتقييم الذي لا يخلو من بروز خطاب سلبي عن المجتمع، خطاب سياسوي أو انتخابوي ضيق الأفق و مرحلي، إن لم نقل عابر، يسوق إلى نوع من العدمية المجتمعية. ومن جهة أخرى، فقد بينت ممهدات وسياقات، ونتائج وإفرازات وتداعيات، محطة إنتخابات7 شتنبر 2007، أن الحركة الإتحادية والقوى اليسارية ببلادنا، قد تركت الحبل على الغارب، كما يقال، حين أبقت على الفئات المتوسطة والصغرى، متروكة لحالها وتشتتها وحيرتها وتذبذبها بين الميولات والتجاذبات التقدمية والعدمية والمحافظة والأصولية، لقد سمحت لنا هذه المحطة الإنتخابية المهمة،إضافة إلى ملاحظة إتساع دائرة الممتنعين عن التصويت ــ(63% من المسجلين مقابل 49% منهم عقب إنتخابات 2002) ــ أن نلاحظ أيضا، كيف أن شرائح عريضة من هذه الفئات الإجتماعية، كانت تؤسس انخراطها الإنتخابي على مبدأ المنفعة الذاتية الصرفة، المرتبطة بالقرب العائلي أوالقبلي أو الجهوي أو الديني، وكل ذلك على حساب المنافع المجردة كالرؤى السياسية والإيديولوجية والبرامج العملية، وبالتالي وجدنا أن أفرادا كثيرين من هذه الشرائح والفئات يطلبون الملموس والمحسوس والعملي، بالشكل الذي جعلنا نقف على اشتغال واضح للمحسوبية والزبونية الإنتخابية، وبأشكال وأساليب وأدوات جديدة للوساطة والفساد المالي. مما يكشف على أن مجتمعنا المغربي، كما لاحظ ذلك الأستاذ محمد جسوس، يعاني من أزمة شبه فراغ بنيوي على مستوى سيادة المؤسسات ذات الإمتدادات الأفقية والطبقية، لصالح طغيان وهيمنة العلاقات الزبونية والعمودية، التي لا زالت تتسم بصدارتها وطغيانها على مستوى الوعي والسلوك والمعاملات، بالشكل الذي أصبحت فيه هذه الأخيرة، بمثابة ظاهرة طبيعية وضرورة حياتية، لا يمكن تحقيق أي شيء منها بدونها، وهو ما يحد من دور وامتداد تلك الهياكل أو المؤسسات المضادة، التي تقوم بوظائف المجابهة والمقاومة، والتعبئة والمطالبة، لتحقيق حاجيات الأفراد والجماعات، كالأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والحركات الإجتماعية، التي تبقى مقلصة ومراقبة، إن لم نقل محاصرة، من حيث مجالات تأثيرها وفعاليتها، مما يحول دون تجذرها داخل النسق المجتمعي بشكل عميق وفعال. وبالتالي فكلما تقلصت وسائل التعبير والعمل الجماعي المنظم والمعقلن، كلما ظهرت الزبونية، وبحث الناس عن بديل هو في المجتمع المغربي: البديل الزبوني، الذي يطغى وينتشر ويصبح بمثابة البديل الوظيفي لتفكك المؤسسات والقيم والمعايير التضامنية التقليدية ولتشتت وتعارض الفعاليات الإدارية والسياسية والثقافية، على مختلف المستويات والقطاعات المحلية والجهوية والوطنية.( محمد جسوس؛  جدلية العام والخاص في العلاقات الزبونية والطبقية والسياسية، مقالة منشورة بأحد أعداد مجلة الوحدة، سنة 1986. ).    
     وفي خضم البديل الزبوني، أصبح الشباب والنساء، أي المهيمن عليهم إجتماعيا، كما لاحظت ذلك الباحثة مونية بناني الشرايبي، هم الزبناء الأساسيون والفاعلون المركزيون في الحملة الإنتخابية؛ ثم أن الأكثر تهميشا تمكنوا من التفاوض أو المساومة من أجل إبراز مصالحهم الذاتية والفورية، لقد لا حظنا أنهم يطلبون خدمات صغيرة(عمل، تطبيب، أدوية، ضمانة بنكية للحصول على تأشيرة...)، أو يطالبون ببنيات تحتية أو تسوية مشاكل جماعية (عوينة مائية، كهربة قروية، مستوصف صحي، إزالة مضار مقلع أحجار...) لقد كانوا ينتظرون من المرشح أو المنتخب أن يلعب دور الوساطة والحماية، بصرف النظر عما إذا كانت صفقة تمثيلية محلية أو وطنية. وهكذا يمكن القول، إن التاريخ النضالي والخطاب الحزبي، لم يعودا يشكلان تلك ((الوصفة الساحرة)) للحصول على أصوات انتخابية بالنسبة لجيل جديد، غالبا ما يلتف ناخبوه حول أناس منتخبين محليين من ذوي المال والأعمال والسلطة والنفوذ (رؤساء بلديات أو جماعات قروية أو أقاليم  أو جهات)، ممن ينتجون ميكانيزمات تحريك العلاقات الزبونية وخلق الأتباع لصنع التصويت. ولعل نتائج إنتخابات 7 شتنبر تؤكد بالواضح هذه الملاحظة، بحيث أنها عرفت اكتساحا ملموسا للمنتخب المحلي لمجلس النواب، إذ وصل عدد النواب المنتمين للمجالس الجماعية الذين تم إنتخابهم في الإنتخابات التشريعية ل7 شتنبر 2007 إلى208 نائب من بين 325 مقعد، أي بنسبة64%. ويفصح العدد208 عن معطيين أساسيين ينبغي أن نأخذهما بعين الإعتبار: أولهما أن نصف هذا العدد تقريبا(101 نائب) يتشكل من رؤساء مجالس منتخبة محلية، وهو ما يمثل ثلث أعضاء مجلس النواب حاليا(31,08%). أما المعطى الثاني، فهو أن نسبة إعادة الإنتخاب داخل فئة النواب البرلمانيين المحليين ــ إن صح التعبير ــ تظل مرتفعة للغاية، بحيث أن 92 من أصل 208 برلماني تمت إعادة إنتخابهم، وهو ما يناهز ثلث مجموع أعضاء المجلس (بنسبة28,30%). ( إبراهيم زياني؛ الإنتخابات التشريعية ل7شتنبر2007 بين العزوف والإكتساح: دراسة تحليلية، الإتحاد الإشتراكي، العدد8729، في 25 نونبر2007، ص.10.). ومع ذلك تضيف مونية بناني، من الخطأ الحديث عن لا تسيس المغاربة، حتى ولو كانت الحلبة الإنتخابية أشبه بسوق للأصوات، حيث ترتفع المطالب المحلية والمصالح الذاتية والمنفعية المباشرة...ومهما بلغت شفافية الإقتراع، فإن التشرذم والضعف و((البوعوات)) تعوق السعي نحو فصل السلطات، وتحول، لحد الساعة، دون الممارسة الفعلية للإقتراع العام، معززة بذلك مسلسل تحديث لا زال سلطويا. إن إمتناع جماهير المهمشين عن التصويت هو الذي استفحل بين سنتي 2002 و2007، وفي المدن طبعا أكثر مما في البوادي،( نسبة المشاركة في الأولى%30 وفي الثانية43%)؛ فالناس لم يعودوا يخشون السلطات المحلية، وقل خوفهم من الممارسات الإنتقامية في حالة عدم التصويت، كما أن البيع والشراء في الأصوات أصبح مكلفا جدا مع إقرار ورقة التصويت الفريدة، بحيث ينبغي التوفر على إمكانيات كبيرة لإقتناء ما يكفي من الهواتف المحمولة المزودة بآلة تصوير، حتى يتاح للمصوت أن يثبت بأنه وفي بما التزم به في الصفقة!، فمن الصعب جدا مقايضة((الفقراء)) بالمال. ومن الآن فصاعدا، ليس هناك من شيء يربحونه أو يخسرونه في مثل هذه((البيعة وشرية)). لتخلص هذه الباحثة النبيهة، إلى أنه ونتيجة لكل ذلك، خرجت الزبونية الإنتخابية والبعد المالي للإقتراع  ( ومؤداه أنه ينبغي أن يكون المرء ثريا لخوض الحملة الإنتخابية بهمة وقوة) منتعشين من الجمع بين الإنفتاح النسبي وخيبة الأمل السياسية. ( مونية بناني الشرايبي؛ أزمة التمثيل السياسي في المغرب، جريدة المساء، العدد315، في22/23 شتنبر 2007، ص.6.).

5ــ المهام الخمس الكبرى المطروحة على حزب الإتحاد...:
   وانطلاقا من هذه الملاحظات السوسيولوجية والأنثروبوجية حول الظاهرة الإنتخابية ببلادنا، كلحظة مهمة لقياس درجة تبلور الفعل السياسي والممارسة الحزبية على أرض الواقع وتغلغلهما داخل المجتمع، سيكون على الجيل الجديد داخل صفوف حزب الفقيد عبد الرحيم بوعبيد، تطارح خمس قضايا كبرى، أساسية ومصيرية بالنسبة للهوية الحركة الإتحادية الملتحمة بهموم وإهتمامات الطبقات الإجتماعية المتوسطة منها والشعبية. وهي القضايا المتداخلة التي لا تقبل أولوية إحداها عن الأخرى، والتي يمكن أن نجملها في ما يلي:
1ــ إعادة النظر في التركيبة التنظيمية لحزب القوات الشعبية التي لا زالت غارقة في مركزيتها المنغلقة على مستوى التقرير والتأطير والتوجيه، والتفكير في خلق تنظيمات القرب التي من شأنها أن تضخ دفعات جديدة في مسيرة الحزب،عبر إعطاء الجهات والأقاليم والجماعات والمقاطعات دورا فاعلا ووازنا  في إعادة الدينامية الحزبية الملتحمة بقضايا المواطنين والمتابعة لشؤونهم عن كثب.
2ــ توسيع وتعميق جبهات إستراتيجية نضالنا الديمقراطي الحداثي، وذلك بالمزيد من بث القدرة وضخ دماء جديدة داخل صفوفنا لتعبئة الجماهير على مدى طويل، على ضرورة الإنخراط والتصدي لكل أشكال وأساليب التيئيس والتضليل وتبخيس العمل السياسي الحزبي، التي تريد أن تضع الأحزاب السياسية في سلة واحدة، مع أن أولاد عبد الواحد ليسوا كلهم واحد. وبالتالي ينبغي النضال المجتمعي من أجل تفكيك شبكات الوساطة والزبونية الإنتخابية وتجريدها من أهليتها الشعبية، وذلك بتـأطير وهيكلة مجموعات متضامنة وملتفة حول مصالحها الجماعية في إطار إجراءات معقلنة للتفاوض العمومي ولتوزيع الموارد الدولتية، مجموعات قادرة على فرض نماذج بديلة لشرعنة العمل السياسي وعصرنة العمل الحزبي، وفق مبادئ المراقبة والمحاسبة، أي الحكامة السياسية والبيروقراطية العقلانية التي تبطل مفعول كل الميكانيزمات والتنظيمات التقليدانية الكارزمية المبنية على التبعية والشخصنة والمحسوبية والزبونية، وهي كلها عوامل كابحة ومعيقة في طريق مأسسة السلطة وأمام الشرعنة المستدامة للمؤسسات الديمقراطية.
   3ــ إذا كانت الزبونية السياسية تتعارض مع الحداثة السياسية، بحيث قد يصبح دوام الأولى عائقا مبطلا للثانية ( السياسة الزبونية، عن كتاب الزبونية السياسية في المجتمعات المعاصرة، تعريب: محمد خير الدين، الإتحاد الإشتراكي، عدد:8769 في16/01/2007)؛ فإن إحدى المداخل الأساسية لعقلنة المشهد السياسي والسلوك الإنتخابي ببلادنا، هو تشكيل تحالفات سياسية منظمة لتعبئة  جماهير الطبقات الوسطى والشعبية، في إطار برنامج عملي لوحدة اليسار، كخطوة أولى وضرورية للخروج من اللامعقول السياسي الذي صار يسم الحياة السياسية المغربية، في ظل تلفيق أغلبيات هجينة متنافرة ومتناقضة تعيش على النفاق السياسي، أكثر ما تتأسس على القناعات الإيديولوجية والقواسم البرامجية المشتركة.(عبد الرحمن العمراني؛ الإتحاد الإشتراكي: ماذا بعد المخاض السياسي الحالي، الإتحاد الإشتراكي، عدد يومي03/04 نونبر2007).
4ــ الحرص على المزيد من الوضوح المذهبي والتوضيح النظري والعملي لإختيارنا السوسيال ديمقراط، وخاصة على مستوى برنامجنا الإقتصادي والإجتماعي، وتبيان ما يميزه عن إقتصاديات السوق الليبرالية المتوحشة، وقيمته المضافة بالنسبة للإقتصاد المغربي، في ظل المنظومة العالمية الجديدة الواقعة تحت قوة ضغط وتأثير الشركات المتعددة الجنسيات والرساميل العابرة للقارات؛ وذلك بما يضمن فرادتنا الإشتراكية الديمقراطية ويساهم في قوة تأثيرنا داخل فئات عريضة من المجتمع.
5ــ فتح نقاش سياسي عمومي مسؤول، حول أجندة الإصلاحات الدستورية التي تم إرجاؤها منذ تخلي الفاعل السياسي المركزي ببلادنا عن المنهجية الديمقراطية عقب نتائج الإنتخابات التشريعية لسنة 2002، والتي أعطت الصدارة لحزبنا كي يقود ما شرعت فيه حكومة عبد الرحمان اليوسفي، لولا تدخل جيوب مقاومة التغيير ببلادنا. وبالتالي، فلا بد من إعادة طرح إشكالية مأسسة إختصاصات وصلاحيات الوزير الأول والعمال والولاة، علاوة على مأسسة مسألة فصل الدين عن السياسة، بدل فصله عن الدولة، التي يبقى من إختصاصاتها تنظيم وضبط الحقل الديني، في إطار ما يعرف بمؤسسة إمارة المؤمنين؛ ذلك أنه من حسن حظنا كمغاربة، أن الملكية هي جزء من المؤسسات، على حد تعبير الباحث الفرنسي ريمي لوفو، في أحد حواراته بعد رحيل الحسن الثاني  وإستيلام الملك محمد السادس لمقاليد الحكم. ولكن مع ذلك، لا بد لنا، الآن هنا، من المزيد من الدمقرطة والمأسسة، لمواجهة نوايا أطراف عديدة تتحين الفرصة لإختراق حقلنا السياسي والإنقضاض على دولة المؤسسات بالإعتماد على الدين والمال والجاه... وفي ذلك مقام آخر لمزيد من القول والتحليل ولفت الانتباه.
                                                (×) إطار باحث في السوسيولوجيا والتواصل.
        

                                                                                                                                                 

Enregistrer un commentaire

 
Top