GuidePedia


برشيد، أَوهام التاريخ والسياسَة (الحلقة الثالثة).
بقلم: الجيلالي طهير
لماذا الحنين إلى القبيلة في تعامل الرجال مع الرجال ؟ يغني الفنانُ الصاعد أحمد شوقي: "الله يرْحمْ قيسِ وليلى، الحُبْ في زْماننا ضَرْبو لخْلا". ويُغني المطربُ الشعبي طهور: "لِله ياشيخِ لقبيلة، خليني نْشوفْ جميلة،هي اللي بْغيتْ أنا". ففي القبيلة كان الرجل هو الكلمة، ولا قيمة لمخلوق يعطي كلمته ويرجع فيها، وكانت الأمور في برشيد تجري على هذا النحو: يأتي الشيخ البكري من الدرب الجديد، وهو رجلٌ ضريرٌ يصورون له جمالَ المرأة فَيتخيلٌه، وينزلُ ضيفاً على السي عبد الله طهير، في دكانه بقيسارية الكتان، كعادة اليومية، ويجس نبضه، وهم إخوان على صينية شاي متقابلين: " ما تعطيوناشْ ديكْ فاطمة، وتاخدو ديكْ رشيدة؟". والآن تغير المجتمعُ بالكاملِ في السلوكِ وفي الخطابِ، في الحبِ وفي السياسة، وفي كُل شيء. الحاج محمد بن علي طربوز، بهالته وقامته، يريد جميلته "وردة"، التي تخلعت منه، لكن شيخَ القبيلة الجديد، ادريس لشكر، يقف له بالمرصاد. ثم بعد أيام معدوداتٍ، نشاهد في أحد الصور الفوتوغرافية، بشبكة التواصل الاجتماعي، السيد محمد فرابي، ولي أمرها، ممسكاً الميكروفون، وبجانبه عريسٌ جديدٌ، وأمامَهُما طاولةٌ مستطيلةٌ معروضٌ عليها أطباقٌ من الحلوى، مغلفة بورق البلاستيك الشفاف، يخطبُ وكيلَ اللائحةِ المختار للأُسرة الاتحادية الصغيرة. وفي صورةٍ أخرى مجاورة، مأخوذةٍ في دارة الصديق حسن بلبودالي، نشاهِدُ مجموعةً من الشبابِ الاتحاديين يزدردون ما لذ وطاب من البغرير والمسمن المعسل، واللوز والكركاع، فرحين مسرورين، حول مائدة مستديرة الشكل. المشهد العائلي حفلُ خطوبةٍ بامتياز، وعندما أشرقت الشمس بنورها، وراح كل إلى غايته، حل ما يشبه العار، وهم لا يسمعون: " وا الورضة، والمرضية، سيد الرجال ديتيه أنتيا". عندما يختلف الهدف الموضوعي عن الهدف الذاتي، ويصبح بعض رجال السياسة الذين يرغبون بشيء ما لهم، ويطالبون به باسم الحزب، أو المصلحة العليا للحزب، نصل إلى هذا التوصيف المشين:"السياسةُ الكلبة". وكذلك في قاموسِ الشتائمِ المغربي يسمون المرأَةُ الفاسدةُ ب"الكلبة". وفي علم الاجتماعي السياسي عندما يدرس الباحثون موضوع الفساد يستشهدون بهذه المقولة: "كل رجل سياسة إلا ويداه متسختان، والذي يديه غير ملطخة، فهو بدون يدين". هذه السياسة التي نتحدث عنها تقتصر على العمليات التمويهيه لإرادة التسلط، والأسرارُ التي تحبكُ في الكواليس، والتي تجعلُ المناضل العادي، أو حتى المسئول الحزبي المحلي، عاجزا عن رؤية الفاسدين الكبار، وهم يمارسونَ عادتهم السرية الخبيثة بداخل القاعاتِ المغلقة. يكتب الحاج محمد فرابي، على شبكة التواصل، معبراً عن وفائه للقادة التاريخيين، ويَلْعَنُ من باعَ، وخانَ، وتوسط للخيانة، وهو الرجل الهادئ الذي لا ينفعلُ هكذا إلا في الحالة القصوى للغضب: "عمرو بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد، كانوا وما يزالون حاضرين في عُقولنا، ومُستوطِنينَ قُلوبنا، فإنْ رَحلوا فَطَيْفُ ما تركوا يُلاحقُ باللعنةِ مَنْ باعوا... وخانوا... وما رَعوا ما وَرِثوا...فسحقاً لهم، ولمن ساندهم أين ما حلوا وارتحلوا...والعاقبةٌ عليهم، إنهم افتضحوا، ثم خسروا ...وللكلام بقية...!". ها قد أصبح الناس في زماننا "يقولون ما لا يفعلون" بعد أن تجذرت سلبيات الثقافة الفرنكفونية في الشعور واللاشعور. هذه الثقافة الخادعة، الصانعة للأوهامِ، الحانثة بالوعود، تختلف كلياً عن مثيلاتها الأَمريكية والبريطانية المعروفتين بالشفافية والبراكماتية. إنها في تاريخها وجوهرها تحتقر الدهماء، تمجد المستبد المستنير، وَتنشر المبادئ العامة والأفكار المجردة من غير التفكير في تطبيقها. والسبب؟ المفكرون الفرنسيون، ولأسباب تاريخية، كانوا الوحيدين الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة لممارسة الحكم مبكراً، وكل ما استطاعوا أَن يتطلعوا إليه بداخل صالوناتهم الباريسية، هو التفكير الجريء والخيالي الذي لا يقوم على اعتبارات عَمَلية. المثقفون السياسيون المغاربة، بعد الحصول على الاستقلال، مروا بنفس التجربة أو أرادوا المرور منها، عندما تخطوا الأُعراف القبلية التي تؤمن بصدقية الكلمة، وطالبوا بتـأسيس مجلس دستوري، على غرار الثورة الفرنسية، لولا أن الملك الراحل محمد الخامس تنبه لمكرهم، وأحبط محاولة الاحتيال وانتزاع الشرعية من المؤسسة الملكية (مذكرات الجابري). بعد إبعادهم من السلطة، بقي المثقفون خارج أبنيتها لمدة طويلة، قبل أن يغادر الاتحاد الاشتراكي المعارضة، ويقبل بممارسة الحكم في حكومة التناوب. وطوال تلك الفترة، ظل بعض اليساريين يرغبون في أن لا تخدعهم السلطة الحاكمة، لكنهم سقطوا في الشباك لكثرة الاحتياطات، حتى باتوا يخدعون أنفسهم، وبلغ البعض منهم الحضيض فباتوا يخدعون بعضهم البعض، ويمنحون الأبرياء في قواعدهم أسوأ الأوهام.
 ورث الاشتراكيون المغاربة فيما ورثوه عن نظرائهم الفرنسيين، وهم الذين تلقوا العلم في جامعاتهم، تقديم فكرة الاشتراكية على أنها عقيدة تعمل للخلاص، كآلهة الأقدمين المجردة، وبركة الأولياء الصالحين الخارقة، ناهيك عن ممارسة سياسة التعتيم، ونميمة الصالونات، وخداع الجماهير بالكلمات الفضفاضة. هناك وهناك، حَل مَحل عِبارة "حكمة القدماء" صيغةٌ جديدةٌ وهي " تقاليد الحزب"، وحَلتْ مَحل سلطة الخرافة والتعويذات والايقونات سلطةَ الأفكارِ المجردة والفضفاضة، مثل الديموقراطية والاشتراكية، الخ.
 لقد كان رجلُ السياسة في القرون الوسطى يُعبِر عن حاجته إلى الإصلاح باعتباراتٍ وتأملاتٍ دينيةٍ (ادريس الأول، عبدالله بن ياسين، المهدي بن تومرت، الخ). واليوم كان سيُعبِر عن الحاجةِ بالنظريات الديموقراطية، وشعارات ذات معانٍ متعددةٍ: " التصحيح، التغيير، المعقول، تجديد العهد" . في الزمن القديم، كان رجالُ الدين، والكتاب والنساخ، هم المثقفون في عصرهم، واليوم نجد قلةً من المثقفين فقط في الاتجاه المحافظ، لماذا؟ لأن المحافظين يتعلقون بالدين وبالتراث، يخلعون ثياب الفكر والعقل، فيغدون النزاعات المعادية للثقافة، ويتهمون المثقفين بتخريب المجتمع. في برشيد مثلا، الشأن الثقافي غير وارد ضمن أولويات المجلس السابق، لماذا؟ الرئيس محمد بن الشيب، وكيل لائحة الميزان حالياً، وهو محافظ مُقُنع، يقول عن نفسه، في برنامجه الانتخابي تعابير فقهية، يوظفها في السياسة: "اقتحامي المعترك السياسي واجبٌ وطنيٌ وشرعيٌ من بابِ منْ لا يهتمُ بشؤونِ المسلمينَ فليس منْهم. وكذلك من بابِ درْئِ المفسدةِ وجلب المصلحةِ. عِلماً بأن الحق والباطلَ في صراعٍ إلى يوم القيامة ". ما هي المصلحة، وما هي المفسدة؟ ألفاظ مغذية الأوهام، ذات معاني مختلفة، تذل على الشيء ونقيضه، وفق الاعتبارات الشخصية، في الحالات الفورية. مثلا: عندما يتحالف سياسي مع مفسد للوصول إلى الهدف فهو بالنسبة إليه من الصالحين، وعندما يأتيه معارض صالح ينتقده من داخل المجلس فهو بالنسبة إليه من الفاسدين.
 نحن لم نشاهد أبداً الرئيس السابق يُكرمُ أو يثني على عبد الفتاح حسان، أو أمينة اسمعلي، أو المصطفى الادريسي طالبي، أو عبد الغني بوكريزية الدين أغْنوا الخزانةَ المغربية بإصداراتٍ جديدة في السنة الماضيةِ. قيل أنه دعا بالرحمة على موتى المسلمين في آخر دورة يعقدها المجلس البلدي، ومن قبلُ شاهدناه يُكرم أحدَ رجالِ الفقه، ممن يدعون له بالجنة في المناسبات، في صورة منشورة في موقع الكتروني. ربما الرجل في هذه النقطة بالذات منطقيٌ مع نفسه، ليس فقط لأنه لا يتذوق الشعر، لا يحب المسرح، ولا يعرف ما يختزله شعار المدينة من رمزية ثقافية عند أبناء مدينته، بل لأنه رجل ماديٌ ويخاف الله، يرى الجنة البعيدة، ولا يرى عن قرب الدواوير المهمشة (أولاد بوفروج)، والحفر التي تملأ شوارع المدينة.
 لكن ما لا يُصدقُه الناس بالمطلق، هو ما جاء في الدعوة الإصلاحية لقائدِ الجرار، عندما أوهمهم بالقدرة على " إصلاح أساليب التعليم". أقصد، لا يصدقون ستصبح برشيد في السنوات الخمس المقبلة مدينةً مستقلةً عن وزارة التعليم، بمؤسساتها التعليمية، ومُدرسيها الدين "سيتبرعون مع رؤوسهم" بأعلى الرواتب.
 يتبع...

Enregistrer un commentaire

 
Top