GuidePedia


برشيد، أَوهام التاريخ والسياسَة (حلقة 1)
بقلم: الجيلالي طهير
كُتب علينا الانتماءُ بالدم إلى قَبيلةِ أَولاد حريز عن طريق آبائنا وأَسلافنا. لم يكُن لنا خيارٌ في ذلك، وكان وعداً مكتوباً. والآن نحن نمنحُ أبناءنا قدرَ الانتماءِ إلى تراب مدينة برشيد، نورثهم من حيث لا يعلمون غبارَ أَعيانها الصالحينَ وعمالتِها السعيدة، أًحزابها العتيدة وكلُ مجلسٍ بلدي لا يأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلْفِه.
برشيد مدينة بدونِ تاريخ مكتوبٍ، لكنها مكشوفة وقراءتها سهلة، بينما التاريخ القادمُ إلينا من قبيلة أَولاد حريز لا يتعدى شجرةَ الأنسابِ الخاصة بالأسرةِ القائدية الحاكمة. إن الروابط العميقة التي تصلنا بالمدينة تختلف جذرياً عن العلاقة التي تربط بينها وبين أبنائنا، لأننا كبرنا وإيَاها سوياً، نعرِف أَصْلها وفَصْلها، لا أحد يصدق أي شيء، وكل واحد يعرف كل شيء، ولذلك، يتعينُ على العائلاتِ المساهمةِ في بناءِ المدينةِ، واقتصادها وثقافتها وسياستها، أَن تتصالحَ مع الذاكرة، وتبحث عن اتصالها بالماضي إن هي أَرادت تخليدَ انجازاتها، وتنويرَ الطريقِ لأَجيالِ المستقبل.
النساء أولا، عندما كان يقال أن المرأة لا ترى النور إلا عن الذهاب إلى بيت زوجها وإلى المقبرة، كانت بعض النساء من السباقات للالتحاق بركب الحضارة الانسانية، وهن: الياقوت زوجة فراج، أول مناضلة نقابية في تاريخ برشيد؛ الشعيبية الرفالية، رئيسة الاتحاد النسوي، وهي والدة فاطمة الرفالية من أوائل الممرضات بالمملكة، وخديجة الرفالية أول أستاذة للتربية البدنية ببرشيد، والادريسية الرفالية أول مستشارة منتخبة ببرشيد؛ الحاجة فاطنة هلال، المدعوة السكويلية، أول فتاة دخلت المدرسة ببرشيد؛ الحاجة فاطنة أمان بنت علي، مولدة و صاحبة أول معمل للطرز والخياطة، ومرافقة للديار المقدسة؛ لالة فاطمة بوعود، أول قابلة مولدة وممرضة؛ ؛ فاطمة باحمان، وفطومة بنداود، والحاجة فاطمة زهير، وهلومي فاطمة، وفضيلة الحداد، أول ممرضات ببرشيد؛ عائشة مخلود ومدام الشتيوي مغنية أول المدرسات ببرشيد؛ الخ.
هُناك مشروعٌ يقترحهُ الأَخ الصديق بوشعيب بلمقدم من مدينة الجديدة، ومعروضٌ للنقاش على قُدماء "مدرسة الدرب الجديد"، يتعلق بإحياء يوم تاريخي يَنوي تَسمِيتهُ ب "يوم الوفاء"، يهدفُ إلى رد الاعتبارِ لحي الطفولة المشتركةِ، وتكريمِ أَسماءَ رفاقٍ مشتركين، سبق لهم الدفاع عن صوت الحي، وهم الآن في دار البقاء تغمدهم الله برحمته. هذا الحُلم يبدو تحقيقه من رابع المستحيلات، وإن يُبعَث الفينق من رماده، ستكون سابقة فريدة من نوعها في مدينة برشيد.
سبقَ وأن كتبتُ حلقاتٍ عن تاريخِ عائلة البكري، وهي من العائلاتِ المؤسسةِ لحي الدرْب الجديد، استناداً إلى روايةِ أحد أفرادها، فرد علي الإخ بنعيسى موجاهدي بأسطر كتبتها في موضوع " برشيد والتاريخ المنتظر ، وقال : " إن التاريخ الشفوي لا يعدُ تاريخاَ، والأحداث التي تدون بعد مرور الزمن لايمكن أن تكون أمينة،لأن الخيال الجماعي يضيف للتاريخ أشياءَ ليست منه (الجيلالي طهير)" . صحيحٌ أن جميع الأَحداثِ والوقائعِ التي تستخرجُ من وعاء الذاكرةِ يختلط فيها ما هو خيالي بما هو واقعي، وقد لا تكون قد وقعت مطلقاً والرواية من صنع الخيال. وصحيح إذن أننا نلقي على قراءتنا لماضي هذه العائلة تصوراتنا ومبادئنا المسبقة، ونحيطه بنسيج من العواطف والتخيلات، كي يترسخ الاقتناع بصحته. فلنسميه إذنْ ميكرو- تاريخ، أي عملٌ تفسيريٌ وتخيلي محلي، يقترب من النقد الأدبي، يمتزجُ فيه الواقِعُ المعاشُ بالروايةِ المَحْكِية. يقول المؤَرخ جينزبرغ، رائدُ مدرسة الميكرو- تاريخ Carol Gunsburg , le pionnier de la micro histoire حول إمكانية كتابة التاريخ استناداً على شاهد واحد: "التَاريخُ لا يشبهُ تلك العملية القانونيةِ التي تتطلَب وجودَ شاهديْنِ أو أَكثر، فأَحياناً لا توجد سوى شهادةٌ واحدةٌ، وعلى المؤَرخ إثباتَ صحةِ الرواية، وليس استبعادها من حيث أَنها جوهرياً غير مقبولة".
توجد ثلاثة أَشكالٍ من التاريخ: عندنا مدن ٌ وعائلاتٌ يملكون سجلاً رسمياً مهماً عن الماضي الخاص بهم. وعندنا مدنٌ وعائلاتٌ تلجأ إلى إحياء التاريخ عن طريق الحدس والتخمين، لربط أَحداث بعينها بعضها بالبعض. وعندنا مدنٌ بتاريخٍ ملفقٍ، وعائلاتٌ بأَنسابٍ مزيفةٍ، يكتبها أَشخاص نثق بهم، يستخدمون توازناتٍ محسوبةٍ بين ما هو حقيقي وما هو محضُ خيال، للتحايلِ على عقولِ الأَبرياء.
أَولاد حريز في التاريخ، قبيلة ربعية خاضعة لهيمنة المخزن، تتكون من خَليطٌ بشري مُضْطربٍ، عبارة عن بقايا قبائلَ ذات أصولٍ متنافرةٍ، تنقصهم القرابةُ الدمويةُ، كونهم من ضحايا كوارث الهجرات وضائعي الأَنساب. يتوَهمُ البعض من الحريزيين أَنهم شُرفاءٌ أَدارسةٌ، من سلالة النبي، وليس لهم أَيةُ صلة بالبدو المتأصلين من عرب بني هلال، رغم جادبية الأصل إلى النوم تحت الخيام، والسهر على نغمات الناي. وإذا كان كلُ هؤلاء شرفاء، فأين تبخرت الحيواناتُ المنويةُ لبني هلال الذين كانوا يفاخرون بكثرة النسل وقوة الباه؟
" إن الرجال الأقوياء، المالكين لوسائل تمويل ضخمة، حاولوا شراء ليس الشعر فحسب، وإنما رواة الأنساب أيضا، الدين يلعبون الدور الدي تقوم به بطاقات الهوية اليوم"، تكتب فاطمة المرنيسي في "الحريم السياسي"( ص: 61) . جاء في كتاب "الأَغاني" للأَصفهاني أَن الشاعر جرير تغنى بأَجود الشعر فخراً بوالدِه، وما كاد الناس يصدقون أشعاره، معتقدين أنه ذو نسبٍ رفيعٍ، حتى اصطحب معه أَحدهم إلى خيمةِ أبيه، ورفع الخباءَ عن رَجلٍ رث الثياب يرضع معزة، والحليب يتقاطر من شعر لحيته، وقال له وهو يشير إلى الرجل: " هذا أبي، يرضع المعزة من ضرعها لفمه، ولا يحلب في الإناء، حتَى لا يُدَوِقَ الجيران".
في مستهل القرن العشرين،انهارت القبيلةُ، وقامت الدولة المغربية منذ بدايتها باستبدال التقسيم الاداري القائم على المشيخات إلى عمالات وأقاليم خاضعة للسلطة المركزية، في شخص وزير الداخلية الاستقلالي ادريس المحمدي، بموازاة مع خلق النخبةُ السياسيةُ لصيغة الحزب، كشخصية قانونية بهدف الوصول إلى الحكم.
فعلى غرار تجربة التونسية مع نظام الحزب الوحيد، طرح المهدي بنبركة، المفكر الاستراتيجي لحزب الاستقلال، مشروعا يقضي بسن الانخراط في الحزب كشرط أساسي لتولي وظيفة عون السلطة. وعلى الفور، بادر الباشا الاستقلالي لحبابي بتعيين شيوخ ومقدمين بتراب أولاد حريز، بعد تداول الأسماء المرشحة للمناصب الشاغرة، من طرف الفرع المحلي لحزب الاستقلال، بناء على دورية من عامل إقليم الدار البيضاء عبد الحميد الزموري، المنتمي لرجال المقاومة. غير أن التجربة وئدت في المهد من طرف القصر، المشكك في النوايا التوسعية لحزب الاستقلال، حيث تعرض جميع الأعوان الذين تربطهم علاقة وطيدة بالحزب للإقصاء من مناصبهم. كما تم تعيين باشا جديد، من المقربين من القصر، وهو مولاي الطاهر العلوي، الذي غذى الانقسام في صفوف النخبة المحلية، ولغم الحزب المنشق عن حزب الاستقلال،وهو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعناصر طوع اليد، استخدمها ضد رفاق النضال الوطني. لا داعي لذكر الأسماء، والامتيازات الممنوحة للبعض، والتعسفات المسلطة ضد البعض الآخر. فهل يفهم من لا يريد أن يفهم، أم أفسر بأن مفهوم الحزب السياسي يبنيه المثقفون والسياسيون، ويُنَظِرون له، وانتشاره في المجتمع يحوله الى أيديولوجيا وهوية، وأضيف بأن التفكير التاريخي الايديولوجي تفكير انحيازي وانتفاعي، مطلوب انطلاقا من حاجات الحاضر، وفي سبيل خدمة أهداف سياسية، وليس مطلوبا من أجل معرفة الماضي لذاته وفي حد ذاته.
إن الأيديولوجيا نسق من التصورات، أي " الفكر السياسي للآخرين" (مانهايم)؛ وما الحزب من أساسه غير كيان تعويضي عن تلاشي القبيلة، يجمع بين أحضانه خليطاً من الناس، من ضحايا الهجرة القروية وتذويب الهوية، جائعون للسلطة وطامحون في وظائف دسمة، التأَموا في مدينة ما، وأصبحوا ينادون بعضهم البعض ب والأخ ، لأَجل تثبيت التلاحُم المصطنع. وينسى البعض أنه كائن حضاري يعيش بتراكم التجارب النضالية، ويأن "الحضارات لا تموت قتلا، وإنما تموت انتحارا" ( أرنولد توينبي(، وأن أبشع صورة لموت الحزب هو عندما تكون النهاية انتحارا.
يتبع ....

Enregistrer un commentaire

 
Top