GuidePedia


ثلاث لله وست لما في الصدور »
تلكم هي العبارة الخبيثة والشهيرة ( بثلاثيتها وسداسيتها)التي كشفت عن الحقد الدفين الذي عبر عنه" عدو الله" قاتل ذي النورين صاحب رسول الله ؛المبشر بالجنة الرجل الذي استحيا منه رسول الله لحياء الملائكة منه،والذي شهد له النبي بالجنة في حياته غير ما مرة، وما ضره ما فعل بعد عطائه وتفانيه....
_ لماذا هذه العبارة وغيرها
لأنها وببساطة جزء من وعي تاريخي يمثل ثقافة امة معينة،ويعبر عن منهج ومسلك (طبعا دون تعميم)في حل العديد من قضايا الخلاف والاشتباك في دائرة ما يسمى بالسياسة أو السياسة الشرعية...تنبي العبارة  سابقها ولاحقها سياقها ومساقها، عن خلل كبير وشرخ ينحو بالفعل السياسي من دائرة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، إلى الاغتيال المعنوي عبر" التخوين والتشهير والتشكيك"..وانتهاء "بالاغتيال المادي" الذي يجد أصله في حظ النفس والرغبة في الانتصار لها ولو على حساب مبدأي" العدل والعلم" في تناول الأحداث أو اتخاذ المواقف، هذا المسلك لا زال يطل على التجارب الإسلامية ولو من طرف خفي،ويتمدد كثقافة تاريخية فعلت وتفعل في المجال السياسي عموما، هذا ما انتبه اليه قديما شيخ الإسلام فقرره  قائلا " وذلك الشجار بالألسنة والأيدي (بين الصحابة)أصل لما جرى بعده بين الأمة بعد ذلك فليعتبر العاقل بذلك" (الفتاوى 35/51).
_ بين يدي تجربة الإسلام السياسي اليوم " في نقد وتثمين الأسس المنهجية والعلمية في الاختيار"
ثلاث لله
_ بقدر ما أبانت تجربة الإصلاح من داخل المؤسسات ،التي سلكها حزب" العدالة والتنمية" بالمغرب عن بعد نظر غاية في الذكاء والدهاء السياسي،و الذي اشرأبت إلى السير على منواله العديد من تجارب الإصلاح في العالم الإسلامي ودعت إلى تدريسه واستيراده،استلهاما لهذا النهج المبني على التوسط والاعتدال ،المقرون بالتدرج،والحكمة والتأني مع الجرأة في الطرح واتخاذ القرار ..أقول ذلك بقدر ما أبانت بعض تفاصيله وتفريعاته عن نتوءات غاية في القتامة والجاهلية، طبعا في بعض تفاصيله مما يرتبط بالأشخاص أكثر ما يلتصق بالمشروع،فيا له من مشروع لو كان كل رجاله رجال".
_ في اختيار الهيئة الناخبة (اللائحة ولجنة الترشيح)
ينبني اختيار الهيئة الناخبة على "ثلاثة اعتبارات شرعية" لها أصل في تراثنا وديننا الحنيف تمثلت في التالي:
_ الأمانة والقوة: معيار التفاضل وأساس الاختيار الأول،وقلما يجتمعان في رجل واحد،فقد تجد القوي لكنه في الأمانة  مستور الحال،أو أمين لكنه في القرارات والمواقف ضعيف وهكذا... لذلك لم يكن غريبا ان يرجح ويختار النبي خالدا ويوليه وينهى ابى ذر(وهو من هو في جانب التقوى بالنظر إلى خالد) ويبعده،فقد جاء عنه، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَىَ مَنْكِبِي. ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرَ إنّكَ ضَعِيفٌ وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. رواه مسلم
 على أن المقصود بالضعف هنا هو ما يصطلح عليه ضعف التدبير أو الحنكة السياسية أو الولاية،...، ولأن أمور الشرع تنبني على ما غلب فقد رجح النبي جانب القوة في الولاية على الجانب الأخر،رغم ما صدر من خالد من أخطاء وصلت إلى حد ان تبرأ النبي من بعضها...و من ثم فمن الأخطاء العلمية والمنهجية في الاختيار اليوم ؛الاختيار على أساس التقوى فقط ،عندما سئل الإمام أحمد بن حنبل: نقاتل مع القوي الفاجر أم المؤمن الضعيف...قال: القوي الفاجر فجوره على نفسه وقوته لنا أم المؤمن الضعيف فإيمانه لنفسه وضعفه علينا "..ولذلك كان النبي يولي عمرو بن العاص وهو من ادهي دهاة العرب، جيشا  يضم ابى بكر وعمر ..وكان عمر يستشيط غضبا من فعاله،ويرده أبو بكر بقوله " لو علم رسول الله انك أفضل منه ما ولاه عليك"وحفظ عمر وصية من هو اعلم بالرجال منه؛ فكان يولي عمرو في خلافته قائلا "والله لا ينبغي لعمرو أن يسير إلا أميرا" ولما وجهه إلى فتح القدس" واخبر عن دهاء أرطبون" قال ضربنا بارطبون الروم ارطبون العرب" فهل من مذكر وهل من معتبر.
_ الصدق والاخلاص: الصدق عاصم من الوقوع في الزلل،صفة المؤمن الخالصة ،وهو مفتاح قلوب الناس من الناخبين، إذ لا شك أن الناس اليوم لا يريدون مرشحا" سوبر مان" خارقا يحل كل مشاكلهم وعقدهم لان هذا ضرب من الخيال ،لكنهم يريدون مرشحا يصدقهم ويخبرهم الحقيقة ولا يزايد عليهم،وان كانت الحقيقة غير ما يرغبون فيه،فمع الصدق أسهمه عندهم تزيد...أما الإخلاص فهو إحدى تجليات الصدق وثمرة من ثماره؛ إخلاص لله ولرسوله ولكتابه، ولمن وضع ثقته فيك بان لا تدير وجهك عنه فور وصولك إلى مبتغاك،وإخلاص لمشروعك وحرص على إنجاحه، وان يؤتى من جهتك...،والصدق والإخلاص ابتران مالم يحليا بقوة في الحق والعلم، وذلك لأن الصواب لا يتعدد وان أوجدنا له الأعذار_  ففي معركة الجمل كان الزبير وعائشة  وطلحة صادقون مخلصون لكن الصواب كان في جهة علي والله اعلم كما ذهب الى ذلك كثير من المحققين،" لما سار طلحة والزبير وعائشة الى البصرة بعث علي عمارا والحسن بن علي فقدما الكوفة فصعد المنبر أعلاه وقام عمار أسفل الحسن،فاجتمعنا إليه _عبد الله بن زياد الاسدي_فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي" (البخاري 6/2600)وفي رواية إن أمنا قد سارت الى البصرة"(فتح الباري 13/53).وعلى عادة أهل الورع فكان ماكان" ...ولما جاءها عمار شهدت له بالحق والصواب قائلة "والله انك ما علمت لقوال بالحق"، فقال الحمد لله الذي قضى لي على لسانك"(الفتح 13/501) ،ما أريد قوله أن الإخلاص يدخل الجنة لكنه لا يصيب الصواب دائما مالم يشفع بالحجة والعلم ،ولوكان غير ذلك لكان الخوارج  سادتنا في الجنة على أن يكونوا كلابا للنار،لما تمتعوا به من العبادة والقيام والصيام والذكر،ولذلك قال علماؤنا انه لا بد من موافقة القصد والعمل  للصواب  وإلا كان عاريا عن الصحة ،يفسد أكثر ما يصلح.
_ الفطنة و التجربة:  هي وضع الأمور في نصابها وتقديرها بمقاديرها برؤية مستبصرة ثاقبة،تقوم على الموازنة بين حجم المصالح المستجلبة والمفاسد سواء العارضة أو المتوقعة،وهما صفتان راجحتان مرجحتان وإن كنا نعتقد أن ما يغيب عن جل التجارب الإسلامية عموما والمغربية على وجه الخصوص هو أمران اثنان: الأول قصر التجربة،طبعا بالمقارنة بباقي المشاريع السياسية الأخرى،والثاني: القصور في إدراك حجم التحديات وغياب الرؤية المتكاملة للمشاكل،وهما قاصمتان خطيرتان ،اذ عدم حصول تراكم كبير في التجربة السياسية وما يغذيه من عدم مشاطرة التجارب الناجحة في العالم الإسلامي؛ يجعل من التجارب الإسلامية معزولة وغير ذات نفع كبير،أما ضعف الرؤية المستبصرة والمتكاملة فظاهر لا تخطئه عين ،لا من حيث تصور حجم الفساد،ولا من حيث إبداع الحلول الخاصة به. تلكم إذا ثلاثة اعتبارات ايجابية تحكمت في الاختيار من داخل التجربة الإسلامية الإصلاحية بالمغرب.
أما فيما يخص الست لما في الصدر
فقد أبانت قواعد الاشتباك السياسي من داخل الصف الإسلامي عن نتوءات _محدودة_ خلقت سجالا عريضا وتساؤلات إشكالية كبيرة عن صفة الرشد التي ينبغي أن تتميز بها التجربة ،وتصير بها مخالفة لغيرها،من هذه الست وكلها متعلقة بالنفوس والصدور لا علاقة لها بمنهج الله ولا بشرعه،ما يلي:
_ الكبريائية : هو حظ من حظوظ النفس يدفع صاحبه الى القيام بمقارنة بينه وبين غيره تقوم على الترجيح بناء على الانحياز للذات بدلا من الآخر، ولو كان هذا الآخر أكثر دهاء ودكاء،وفطنة وهو منطق لأسف فيه شئ من  "الإبليسية" نسبة إلى إبليس الذي قال اعتراضا على الحق" قال ما منعك إلا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه" الاعراف 12،وهي قاسمة خطيرة مهلكة.
_ الأنانية : من الأمور التي بدأت تطبع وتكتسح التجربة الإسلامية الحديثة،ظهور نوع من التأويل القائم،على مبدأ "انأ لها"،حيث أصبح العضو لا يتورع أن يضع اسمه في ورقة الترشيح وهو وينتدب المرشحين، ومرجعه في ذلك " قول الله تعالى على لسانه نبيه يوسف" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم." (يوسف 55 )اقل ما يقال عنه انه تأويل "قافز ومجتزأ" وله سياق خاص من الناحية الشرعية ،لأسباب؛ أن هذا النص يفتقد إلى نصوص أخرى تعضده وليس من القوة ما يرجح أن يكون دليلا قطعيا في المسألة،ومن جهة أخرى هو دليل خاص بنبي الله يوسف وهو المسدد بالوحي ،وهو من شرع من قبلنا والخلاف فيه معتبر،وثالثا هو معارض بفعل النبي الكريم"انا لا نولي هذا من سأله ولا من حرس عليه."مسلم
_ الاهوائية  :  قسم الحق سبحانه الأشياء في قرانه إلى أمرين لا ثالث لهما: إما شرع وإما هوى...،والهوى اختيار على أساس التلذذ والتشهي لا أساس الكفاءة والخبرة...وهو يهوي بصاحبه وبكل أمر ذي بال ،وقديما قال الشاطبي"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا" وهو مناف لقوله تعالى "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم او الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما"( النساء 135).وامور السياسة لا دخل للتشهي فيها.
_ العدائية والشحنائية : مما يفتقده الكثير من دعاة الإسلام السياسي اليوم هو ذلك الضيق بالمخالف، فاختلاف الأفكار مثلا سبب كاف  للقطيعة ، وانهاء هذا الخلاف قد يكون عبر الحسم الحركي برفع الصوت والأيادي..،وأحيانا اللمز والهمز وتحذير ألآخرين من المخالف عبر شن هجمة كيدية تقوم على الإقصاء والتشكيك..،وهو مشكل متشعب وحاضر بقوة في تصفية الخصوم خصوصا عند من يظن نفسه وصيا على المشروع  ممن يصدق فيهم وصف" سدنة المعبد" كل ذلك ينسيه أن يقول في حق خصمه قولة حق،ويغيب عنه ما قال ابن تيمية قديما" ومن سلك طريق الاعتدال أعظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه،وأعطى الحق حقه،فيعظم الحق ،ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات ويحمد أصله ويذم،ويثاب ويعاقب،ويحب من وجه ويبغض من وجه"(منهاج السنة 4/544 )
_ المصلحية  :صحيح أن الساسة الشرعية قائمة على حفظ المصالح وتكثيرها وتقليل المفاسد وتحجيمها...لكن السؤال هو أي المصالح جاء الشرع لإبرازها؟هي ولا شك المصالح العامة والمحققة والقطعية،لا الموهومة ولا المظنونة،لا مصلحة الشخص على حساب الآخرين،بل إن العاقل ليوقف مصالحه ورعا خدمة لمصالح الغير،كي لا يختلط حظ النفس بما هو لله، لأن من دخل غمار السياسة انتدب أمره لخدمة مصالح الناس لا مصالحه هو،وهو أمر ظاهر مشاهد للعيان جعل بعض المنتدبين لبعض الأعمال النقابية أو السياسية يعضون على مناصبهم بالنواجد لربما حتى يدركهم الموت.
_ الغنائمية : وجدت الغنيمة منذ وجدت السياسة،والغنيمة تتخذ أشكالا وتتعدد صورا ومظاهرا...شكلت أساسا لقيام دولة الإسلام الأولى،وليست الأساس فيه إلى _جانب القبيلة_ " بل كانت العقيدة هي المحرك والأساس ، لكن هل كانت حاضرة في المخيال السياسي ؟نعم وبقوة ولا ينكر ذلك إلا من  حظه في الجهالة أوفر من "باقل" وفي الشقاوة والعناد فاق "أحيمر ثمود"، ومعركة احد خير دليل على ذلك،اذ لما رأى الصحابة الغنائم والسبي نزلوا من على الجبل وخالفوا أمر الرسول فوقعت الواقعة،ونزل الخطاب القراني تقريعا" منكم من يريد الدنيا"(ال عمران 152)وقوله"تريدون عرض الدنيا" (الانفال 67)، حتى قال الصحابة ما كنا نظن أن منا من يريد الدنيا ،إذن المحصلة أن هذا الرعيل الأول و_الرسول بينهم_ تسربت إلى نفوسهم حضوض الدنيا ،فما بالك اليوم؟إن مغريات الكرسي وما يوفره من امتيازات وينسجه من علاقات،ويتيحه من إمكانات، هو ما يجعل بعض ضعيفي النفوس اليوم يحرسون على الترشح،والواقع المشاهد شاهد...ولا تغيب مشاهدته إلا عن  أعمى او من تعامى ...قلت ذلك لأحدهم يوما فثار في وجهي ،عنادا وكبرا وها هو اليوم يعيشه بشكل أو أخر،لكنه والأكيد لا يملك جرأة أهل الحق كما فعل الزبير ابن العوام وقد ذكر بقول الله تعالى" واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ."( الأنفال 25) فقال " لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت" رواه احمد 1/165.
_ إن تغليب قدسية المبادئ على التوظيف السياسي للنصوص والأفكار،لهو الكفيل بإنجاح التجربة الإسلامية ودوام عطائها،وان الخلل التربوي التي نمت عليه التجربة الحالية وهي لا زالت في بداياتها،يستحث القائمين على هذا المشروع معالجتها بالطرق السليمة والحكيمة وتقوية جانب التخلق من داخل التوجه،وهو فوق ذلك لا يعبر عن الصورة الكاملة للتجربة إذ تعطي التجربة الحالية صورا في الممارسة اقل ما يقال عنها أنها تستقي من ينابيع الرعيل الأول ،وذلك من قبيل رفض الترشح والتهيب منه،وتقديم الأقدر والتنازل له،وبها وبغيرها يمكن للتجربة أن تسير وتثمر كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء،وإلا فالنذر المذكورة وغيرها ستغزو المنهج والتجربة وآنذاك يصعب تقديم العلاج والحل.
محمد صابير
أستاذ باحث في "الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة"

Emasabir@gmail.com

Enregistrer un commentaire

 
Top