GuidePedia


 الياقوت: ما قبلها وما بعدها.

 الياقوت: ما قبلها وما بعدها.
بقلم: الجيلالي طهير
نستعيد اسم الأم الياقوت في ذكراها، بعد رحيلها بنحو ثمانية وعشرين سنة (1908-1987)، فندرك أن هذه المرأة القوية والمتفتحة سبقت عصرها، وهي الآن ترقد مع  الصمت صحبة الأسماء المنسية في قوائم المنسيين بالمدينة الناسية.  لو  قدر لها العيش في لوس أنجلوس لأصبحت امرأة أخرى، وربما كان حديث أخر. قال الصحفي السوداني الأستاذ طلحة جبريل، عن نفسه معلقا على إقامته الطويلة بالمغرب:" لو كنت بأمريكا لكان لدي الحق بالترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية". فما بالكم بالمغربية السوداء  التي شهد فيها الزعيم علال الفاسي، وهو العالم الديني والمرجعية الأولى للحركة الوطنية، و حين قال عنها أنها بقيمة مائة رجل.
  السيدة الياقوت هي نموذج المرأة العاملة الواعية، استقلالية بالقلب والروح، كانت تفيض عزة نفس وإيثارا وعنفوانا إنسانيا. ولذلك يعتبرها البعض من الرموز التاريخية لحزب علال الفاسي، سيما وأنها آمنت مبكرا الإيمان الساذج  بقيمة المساواة  والعدالة الاجتماعية، وتقدمت  صفوف الرجال الأمامية  للحركة النقابية بداخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، المنبثق عن حزب البورجوازية الوطنية، خلال لحظة تأسيسه  سنة 1959.
1- كيف كان حال المرأة في زمن الياقوت؟
 في سنة 1959، تزامن تأسيس نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مع انطلاق موكب الحجاج من مدينة برشيد إلى بيت الله الحرام، ولأول مرة على متن الطائرة، بعد أن كان السفر جاريا من قبل بواسطة الباخرة. وقتها كانت الحركة النسوية منعدمة، والنقاش بين رجال الدين يدور حول السماح  للمرأة بالذهاب للحمام العمومي من عدمه. كانت إحدى النظريات الفقهية  تقول أن الرجل معفى من تحمل نفقة الحمام لزوجته لأنه ليس من الضروريات مثل اللباس والأكل والسكن (ابن الحاج)، ونظرية أخرى تقول أن عليه  تحمل تلك النفقة  في المدينة حيث الحمام يعتبر عرفا، لأن نظافة المرأة مثل نفقة المنزل على ذمة المكتري (الماوردي).
كم كان عدد الحريزيات المسموح لهن بولوج الحمام العام، وكم كان عدد الحمامات العمومية المبنية ببرشيد سنة 1959؟ أولم يكن الحريزيون يقومون بتنظيم السهرات القصيرة بينهم، يشربون الشاي وينثرون النكت، ومتى عادوا إلى بيوتهم يتجادل البعض منهم مع نسائهم المحبوسات بين أربع حيطان، ويضربوهم من غير إزعاج لقبضات أيديهم القوية؟ فلماذا يحلو للبعض في عصرنا أن يطلق عليه اسم  الزمن الجميل، مع أن أصحاب الزمان كانوا يملكون النساء مثلما يملكون النياق؟ الجواب:  العرب يخشون التحول، وإذا  ما خرجوا لسطح البحر، وتقدموا قليلا، يعودون من جديد لنقطة الصفر، يحتمون  بأصداف الماضي الفارغة.
2- من هي السيدة الياقوت؟
أبصرت أمي الياقوت النور سنة 1908 بأولوز، بناحية تارودانت، وعاشت بدايات قاسية قادتها نحو برشيد في عهد الحماية للبحث عن العمل، في وقت كانت المدينة الصغيرة مطوقة بالحقول الخضراء من الجهات الأربع، لكنها كأي مدينة مغربية كانت  كذلك مطوقة بحزام الصفيح لاستقبال الهجرة القروية. استقرت السيدة الياقوت  بكاريان "كابريان"،  الذي سمي لاحقا بدوار لشهب، وهناك  عاشت مشاهد من النضال ضد الاستعمار ومن أجل الحرية، وكانت تقوم بربط التواصل بين  الوطنيين  في الخلايا السرية الأولى لحزب الاستقلال. كانت المرأة أشمخ قامة وأشد استقامة، ولما تسنى لها الاشتغال بمستشفى الأمراض العصبية، أصبحت واحدة من العناصر الوطنية النشيطة التي صبت في مجرى النضال السياسي بالمؤسسة. ثم بعد تأسيس نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بقيادة عبد القادر البكري، كانت السيدة الياقوت من السباقين للالتحاق بهذه النقابة، وأصبحت  واحدة من  كوادرها  الأساسية.
 خارج نطاق العمل والنضال التحرري، كانت السيدة الياقوت ربة بيت وأم طيبة وحنونة،  فخورة بابنها الذي كرست حياتها لتربيته. هذا الفتى الأسمر، أحمد الواصيف اسمه، اشتهر بممارسته كرة السلة في أول فريق من هذا النوع بثانوية برشيد، يؤطره الأستاذ الأمريكي كلايمن، سيصبح من رجال الدرك الملكي، وسيحتضنها عند بلوغها سن التقاعد، ويقدم  لها المعونات الضرورية، حيث  اصطحبها معه حيثما حل وارتحل طوال مشواره المهني . عندما يسافر المرء بعيدا عن المدينة التي يحبها أكثر من غيرها، يشعر أنه يترك وراءه شيئا غاليا، لا يستحضره إلا لتوديعه للمرة الأخيرة. اختارت السيدة الياقوت العودة لتوديع برشيد  حيث توفيت بها  سنة 1987،عن عمر يناهز الثمانين سنة، وروي جثمانها بمقبرة سيدي الجيلالي العميري ... وذلك  قبل  نحو 22 سنة على إحداث المندوبية الإقليمية  للشغل بمدينة برشيد سنة 2010، على عهد رئيسها  السابق أحمد مقداد.
3- أين نحن الآن؟
أتساءل، هل يوجد عندنا الآن في ما نسميه المجتمع المدني، أو المجلس البلدي، امرأة ثانية تساوي مائة رجل؟ أو خمسين رجلا؟ أو عشرة رجال؟  لو كانت السيدة الياقوت لا تزال على قيد الحياة، كيف ستنظر إلى ما يحدث في حزب الاستقلال اليوم، وفي النقابات العمالية التي تسعى للقضاء على بعضها أكثر مما تدافع عن الطبقة الكادحة؟
أطرح أسئلتي وأنظر فقط الى برشيد المؤمنة بالعطاء، دون الوقوف عند الألوان والإيديولوجيات والزعامات الفارغة. فبالنسبة لي برشيد هي برشيد وكفى، منها ينبع رأيي، ورضاي وسخطي، ذكرياتي ونوايا الحسنة. لا تحاجوني في الأحزاب والنقابات ولا يضيق صدركم إن لم يعجبكم اسم أحمد مقداد، المندوب الإقليمي السابق للشغل. هذا الرجل  سيظل اسمه محفورا أبد الدهر في جغرافية المكان الذي عمره مند سنة 1999، مثل جميع الأوائل الدين مروا من هنا، من  المعمر الميكانيكي سافيدا إلى عامل الإقليم فانيدا.أنتم  لكم أن تسموا  نقاباتكم كيفما شئتم،  ولكم ما تشاءون من  الأسماء على رأس المندوبية الإقليمية للشغل، فأنا أقول كلمتي كعادتي، وأنتم وشأنكم فيما تفكرون ولأي جهة تتبعون.
  نقرأ في كتاب "معجم عجائب اللغة" لشوقي حمادة أن حرف "الدال" عندما يأتي ثاني الكلمة يدل على التفريق، مثال صدع الجدار، ودع الأهل، بدد المال. نعلم أن العمال في عهد الاستعماركانوا يدا واحدة وصوتا واحدا، يوحدهم الكفاح ضد الاحتلال. لكن ما أن رحل المستعمر حتى حل الانقسام والأنانية والحقد وألوهية المال والكذب. ارموني بالاستفزاز إن شئتم أو "لعياقة" إن أعجبكم اللفظ، لأني أرى  حرف " الدال"  يتموقع ثاني الكلمة في تسمية كدش وفدش. النقابة الأولى انشقت عن الاتحاد المغربي للشغل، بينما الثانية  افترقت عن الكنفدرالية الديمقراطية للشغل. في الحالة الأولى كان مطلوب رأس بن الصديق، وفي الحالة الثانية رأس الأموي، وليس الرأسمال المستغل عرق العمال.

Enregistrer un commentaire

 
Top