GuidePedia


عقدة الحمام وتحقير الأنثى
بقلم: الجيلاني طهير
تعلمنا الحياة عدة أشياء، وتعلمنا على الخصوص طي الصفحة، لكن بعض الصفحات من لون السراب لا يستطيع أن يطويها النسيان. كلما حاولنا ملامستها لأجل تجاوزها، لا نفعل سوى أن نحرك الأحلام التي تشبه الأوهام. طبعا، إن لكل مخلوق مذكر معاناته مع الذاكرة التي لا تتذكر. إن الكثير من الرجال يعرفون كانت لهم جنة في الطفولة، تركوها مطرودين بسبب ارتكابهم الخطيئة الأولى. لكن معظمهم لا يحبون النبش في الأشياء التي يعتبرونها تهين رجولتهم، وكلما حاول أحدهم أن يتذكر شيئا من الصور المحكية من طرف الغير، لا يمسك غير البخار المتطاير في الفضاء. نحن هنا نتحدث عن طرد الأطفال من جنة الحمام العمومي، من مملكة الأمهات، التي تحيلنا مجازا على طرد آدم من جنة عدن، وعلى طرد العرب من جنة الأندلس، وطرد الإخوان المسلمين من جنة النيل. فمن رابع المستحيلات العودة إلى الجنة مهما تعاظم حلم العودة. "فبعزتك لاغويهن أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين".
لقد كان الفتى العربي في الحواضر العربية الاسلامية يرافق أمه إلى الحمام العام من أجل الاستحمام وهو صبي صغير. ومع توالي الأيام، أخد يكبر شيئا فشيئا، لكن الأم بقيت تصطحبه معها لرؤية الأجساد النسوية التي تراقص البخار. فالولد مهما بلغ من العمر يظل في أعين أمه طفلا صغيرا، خصوصا وأن الأب يتملص من مسؤولية التنشئة، ويعتبر اصطحاب الابن إلى الحمام عبئا ثقيلا ينضاف إلى أعبائه اليومية. فالحمام إذن يلعب دورا مهما في تعلق الطفل بالأم التي تصب جل عاطفتها تجاهه، للتعويض عن وضعها البائس وحرمانها الطويل في المجتمع العربي. إن بعض الأمهات تعبرن عن التمسك بالولد بالقول: "مالي ولدتو ولحتو". وفي المقابل، لا يتردد الزوج في تهديد ابنه بالقول: " ضرق عليا زلافتك واعطيني التيساع". الأمر هنا يذل على أن السلطة الأبوية التحكمية تنتقص من قيمة الطفولة تماما مثل انتقاصها من قدرة الأنوثة.
يعني الحمام في المفهوم الشعبي الفعل الجنسي، كونه يشكل حلقة الوصل بين الطهارة والنجاسة، إذ يذهب إليه الرجل للاغتسال قبل الجماع وبعد الجماع. لكنه بالنسبة للنساء فضاء حميميا لتحقيق الذات، يمنحهن الفرصة النادرة لممارسة حريتهن، بعيدا عن الرقابة التي يمارسها عليهن النصف الآخر من المجتمع. كان يسمح للأطفال بدخول حمام النساء حتى بلوغ السن السابعة ، وعندما تشعر النسوة باستفزاز الأعين التي تتجسس على أجسادهن، والآذان التي تتلصص على أسرارهن، يبدأن بالغمز واللمز، فتقول إحداهن:" الوليد الله يصلحو بدا يفيق"، وتجيب أخرى:" عينو زايغة عا بوه "، وتكمل أخرى: " غادا نعطيه بنتي". إلى أن تأتي الرسالة الواضحة من جهة الكلاسة أو الطيابة، التي تقول لأم الولد: " لواه لاواه ، ولدك خاصو عا مرا"، ولا يجب اصطحابه للحمام في المرة القادمة. فتكون العلامة الفارقة الأولى لالتحاق الطفل بعالم الذكور كي يبدأ بدوره في تحقير النساء وكراهيتهم. إن طرد الطفل من مملكة الأمهات يحدث لديه صدمة (عقدة الحمام) تتحول إلى لعنة معادية للجسد المختفي أو المتخيل، تحركها عملية الزنا بالعين والسمع، مع ترديد الكلام الفاحش كانتقام ، أو ملاذ، للتعويض عن الفردوس المفقود .
قِيلَ للإمام أحمد رحمه الله: مَتَى تُغَطِّي الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا مِنْ الْغُلَامِ؟ قَالَ: " إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ" (علموهم على سبع واضربوهم على عشر). ومن جهته يعتبر الفقيه الحنبلي ابن قيم الجوزية العين دليلا إلى "الزنا"، والقلب والسمع شريكين لها في البلاء، وبالتالي لا بد من مراقبتهم خشية السقوط في المحظور.( "إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"). لكن الفقيه الحنبلي يبرئ الأعضاء الأخرى من الجسد الذكوري، فلا يتحدث مثلا عن القدم التي تحرك الجسد إلى مكان المعشوق، ولا عن اليد التي تتلذذ بلمسه، ولا الأنف الذي يشم عطره، والفم الذي يغامر بتقبيله، والعضو الجنسي الذي تنتهي عنده كل علاقة جنسية . بخلاف الزبعلي، فقيه حنفي، الذي يقول أن "العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكدبة" .
لقد كان النبي صلى الله وعليه وسلم متحفظا إلى حد كبير بالنسبة للحمامات العامة. ويوجد حديث بسند ضعيف يمنع المرأة من دخول الحمام مطلقا. عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال:" إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلاَ يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلاَّ بِالأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلاَّ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ".
أتبث الحمام وجوده في الحاضرة المغربية منذ العصر المريني، مع تأثيرات الحضارة الأندلسية، بالتأقلم مع المذهب المالكي. والرؤية الاسلامية للمسألة الجنسية في الحواضر ليست هي نفس النظرة في الوسط البدوي. إذ يتميز المفهوم البدوي للمسألة بالتعلق الشديد للرجل بالمرأة الواحدة، والتزامه لها بالأمانة والوفاء، كما يشهد عليه شعر الغزل العربي الذي تجاهل الجسد وترك المجال لحديث الروح. بينما يميل المفهوم الحضري إلى الإباحية وتحقيق الذات عبر خوض الرجل لتجارب عديدة ومتنوعة، بحسب ما يسمح له الثراء. بمجرد الانتقال من المفهوم البدوي إلى المفهوم الحضري، يحصل الارتباك والزيف في المجتمع، حيث يحضر الدفاع عن العفة والروح بالأقوال، بينما الأفعال تسعى وراء العري والتحرش بالأنثى. ولذلك أكثر الناس تشدقا بالدفاع عن العفة أكثرهم فاحشة.


[1] Si le hammam m’était conté…Par Mouna Lahrech
[2] Ahmed Sefrioui. La boite à merveille. " « Je me demandais ce que pouvaient bien faire toutes ces femmes qui tournoyaient partout, couraient dans tous les sens, traînant de grands seaux de bois débordants d'eau bouillante qui m'éclaboussait au passage. Ne venaient-elles donc pas se laver ? ».
[3] ولأن ولوج عالم الذكور ليس بالأمر الهين بالنسبة للطفولة، فإن ثورة الأبناء ضد الآباء،  غالبا ما تأخذ سمة الانغماس في الفسق.

[4]الجسد والمقدس : قراءة في الخطاب الفقهي لابن قيّم الجوزية لجيلالي،  المستاري
[5].  ينصح الزيعلي بعدم السباحة عاريا لأن الماء له عيون، (ويقصد الجن)   عبد الوهاب بوحديبة: "الجنس في الاسلام"

Enregistrer un commentaire

 
Top