GuidePedia



زمن الاقطاع بأولاد حريز، في الرواية والمسرح .
بقلم: الجيلاني طهير
قرأت مؤخرا للشاعرة الرقيقة ولية خليف، قصيدة زجلية بعنوان "برشيد ولادة". وكنت انتهيت من قراءة "زمن الشاوية" لبوشعيب خليفي، فوجدت فيها كثرة الكلام عن مزاب وأولاد بوزيري، ولم أعثر لأولاد حريز على أثر. فمن نحن، من؟ " قالوا: الشاوية أرض وإقليم، أجاب للتو: أنا أرض وكل الأقاليم. هكذا يكتب أحمد المديني في "وردة للوقت المغربي"، ويتابع: " إن عاصمتي وما سميته ذات يوم مركز العالم هي مدشر أولاد آمحمد التي تتبع لها برشيد بأكملها. كان سوق الاثنين الذي ينعقد في هذا اليوم من كل اسبوع مأواهم الاجتماعي والاقتصادي. إنهم يبيعون ويشترون، وأحيانا كانوا يباعون ويشترون، ولم يكونوا يدركون الفرق بين الحالتين. يبتاعون أشياءهم ثم ينصرفون وهم من الحامدين الشاكرين... لم تكن هي الكارثة الوحيدة، كانت الشاوية تخرج من عينيه سهلا وسيبة، غابة وعرسا، مجازر وحفلات لا تنتهي للشيخات، يبيع فيها الواحد حتى جلده إذا ملكه. يهتز في الجذبة تلو الجذبة وهو لا يعرف لماذا يجرع أنهارا من الخمر الذي جاء به الاستعمار....".
" كنت في خدمة السيد الكبير، كما هم جميع من يمشي على هذه الأرض. أؤدي له فروض الطاعة والولاء والإنحناء، ولا أبدأ كلاما أو عملا أو أنهيه إلا مسبحا باسمه، راجيا بركاته، داعيا له بدوام العز والسؤدد... كنا نخرج إلى الاقطاعات الواسعة حاملين على ظهورنا أدوات الزرع والحرث،ونمكث ليالي طوال نعمل في الأرض، وننام ونخرأ في الأرض، ويأتي علينا وقت الحصاد ولا يعود منا إلا عشرة وقد كنا أزيد من الألف في " أولاد آمحمد"، ولا شفاعة في من مات، كما لا جزاء لمن فاز بالبقاء... وبالفعل، فإن أمر "أولاد آمحمد" عجيب، فكلما نكل بهم مرغت أعراضهم، ونهبت أرزاقهم، ازدادوا مرحا وامتثالا وتضاعف شكرهم للسميع العليم، وهم لا يعرفون الشكوى والتذمر، ومن خصالهم الفريدة تلذذهم بالجلد...
" أمهلونا تاريخا، وإلا لن يعود لنا رشد وننكفئ نحن أولادحريز على صدور –بطون- بناتنا وزوجاتنا الحلال علينا وغير الحلال ونفقس في رحم الأرض جبلتنا المطارة. ولا ننسى أن نخبركم أنه هو وارث سرنا، هو السر والعلن هو الظهور والخفاء، هو الوجود وهو العدم، أما نحن فمن نحن من؟... يقول وارث سر هذه ألأرض، أنا صحاب هذه ألأرض حين وجود العالم وجدت هنا. ولولا وجودي لما كان لأولاد آمحمد ذكر ولا صيت. يسمونني السيد الكبير وهم يكبرون بي، وبسداد رأيي يمشون. هذه الحشرات وهذه الأنعام، ماذا كانت تفعل لو تخلفت عنها يوما، ولم تكن لي عين ساهرة عليها صباح مساء. إني أمتلك السر الأعظم، وما الجيلالي ولد خيره إلا دعي ومارق وستنهشه كلابي لوقت معلوم".
لم تطأ قدماي في يوم من الأيام مدارج كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ولا أدعي امتلاك مناهج النقد وأدوات التحليل الأدبي. ومما لا شك فيه، أن فن الرواية يتضمن بعض الحقائق التاريخية، و لسيت الرواية أبدا وثيقة تاريخية شاملة. فيغيب عن " وردة للوقت المغربي" تمرد أولاد آمحمد ورفضهم الانخراط في التويزة، والتحاقهم بالنقابة الشيوعية، وسجنهم وتعذيبهم، في زمن من الأزمنة (Voir Abdellah Saaf, Histoire d’Anh Ma).
إن الخنوع و الروح الانهزامية عند أولاد حريز ، في تعاملهم مع السيد الكبير، كما يرسمه أحمد المديني، في تصويره لماضي المجتمع الحريزي، يتحولان إلى انتفاضة في مسرحية " بوغابة" لمحد قاوتي"، وهي مسرحية حريزية الموضوع، حريزية الأحداث، وحريزية اللغة. فعند أحمد المديني، نجد الرواية تفتقد الثورة في كامنها، ولا تحمل في طيها أي نزعة إلى التغيير، بحيث نرى الشاهد/ الراوي هو الهارب الوحيد الذي شق عصا الطاعة عن السيد الكبير، وهذا الأخير لا يزال يتوعد الإمساك به لأجل إعادته للحظيرة. بينما الرحيل والخلاص عند محمد قاوتي يأتيان في شكل جماعي تضامني، ليبقى الاقطاعي في النهاية وحده في عزلة، يجوب مصيره المحتوم، بعد ثورة الجميع عليه. لا يقتصر محمد قاوتي على تسليط الأضواء على الفساد السائد في تاريخ أولاد حريز، ولكنه يستغله كمثقف اشتراكي ملتزم لتنمية وتثقيف الوعي الشعبي المغربي. فبخلاف رواية" "وردة للوقت المغربي" التي لم تبرح الماضي وتتجاوزه نحو الحاضر، تشق مسرحية " بوغابة" الطريق وتمهدها للحياة المستقبلية. هذه المسرحية مستنبتة من رواية " السيد بونتيلا وتابعه ماتي" لبريخت، أبدع محمد قاوتي في نقلها من سياقها الأصلي ليجعلها تحيا متجذرة في الفضاء الذهني واللغوي والثقافي لمنطقة أولاد حريز. وشخصياتها هم: بوطربوش السكوري، وهو ثري من أثرياء أولاد حريز ورب ضيعة، ثم الحبشي النادل بالحانة، إضافة إلى بوشعيب ولد الخمار السائق، وراضية بنت السيد بوطربوش، و الحمري العامل بالضيعة، وبوحاجة القاضي المبعد عن المنصب الرسمي، وعزيز الشاب الوارث لأرض جوار ضيعة بوطربوش، وسطا عليها هذا الأخير. الخ.
يظهر بوطربوش في فصول المسرحية محاطا بهالة من العظمة الأسطورية كأحد كبار الإقطاعيين بأولاد حريز. يتوفر على ازدواجية الشخصية التي تظهر بين سكره وصحوته، عندما يشرب ويسكر، تظهر انسانيته ويكتشف فداحة جرائمه، وعندما يستفيق ويصحو من سكرته، ينقلب وحشاً له مخالب الطبقة المستغلة وأنيابها، ناسيا كل ما تعهد به وهو في حالة السكر، وكأن شيئا لم يكن. يصف مصطفى طالبي، صاحب " وشم جديد"، وهو الأدرى بطغيان الاقطاع بأولاد حريز، هذه الحالة في قالب سرجلي فيقول: " قال وقال وهو نائم، استفاق وقال وقال وقال، ويقول أنه ربما سيقول قولا غير القول" .
إن بوطربوش هو الكلمة ولا كلمة فوق كلمته: " كلامي حكمة، أللي عجبو الحال يكيل، واللي ما عجبو حال يشمع ودنيه ولا يبدل لقلبيلة كاع". "علا عاجاو وقالوا بنلي الكلمة هي بنادم، وبالخصوص إلى كان عاطيها شي حريزي. حيث تلث جنوس، الى عطاوك الكلمة ما يرجعو فيها أبدا، ولو يتقلب سفاها على علاها: الانكليز، والبرطقيز وأولاد حريز" . وكذلك أذن بوطربوش، فهي ترفض سماع ما لا يحب سماعه، فمثلا عندما يقول له الشيخ المريخ أن الحمري " مخالط شي شيوعيين، باغين يتركو الملة والدين، ويديرو نقابة لسائرالمكاريين". لا يأخد برأيه، ويشغله عنده في ضيعته، ويقول: " واش غادية تكون هاد النقابة في ملك الله... يقرا الجورنال ولا يقرا حتى الدمياطي، الحمري دغري، وفي الخدمة مانع كاطع. في حالة سكره، يوزع بوطربوش الوعود، يتودد لسائقه بوشعيب ويحدثه عن خطاياه فى حق أهل الضيعة، ويطلب منه الزواج بابنته راضية المرضية كي يخلفان له زينة ديال الطريبشات، كما يحثه على الانتقال للدار والسكن بالقبة بدل الكوري، ويقول أنه سيهب له الضيعة، وسيخرج جميع أمواله من البنوك ويضعها في صندوق كبير يسميه " صندوق الخير.. و اللي بغا شي من وسخ الدنيا المندوس، غادي يبد ايجي للصندوق ويدير يديه، وياخد اللي يدزيه".و في سكره أيضا، يتعرض بوطربوش لتأنيب الضمير تجاه ما يفعله بالنساء اللواتي يعدهن بالزواج ثم يطردهن شر طردة، ويقول: " مالي منلي نكون مقيوس، تنكون ملبوس بهديك لاكريز بنت لكلبة، نبدا ننقص من لعيلات؟ مالي مالي كنظلمهم، أهاه أهاه مالي ياربي، مالي كنكرفسهم، مالي كنسخهم، مالي كنجرتلهم... لمرا حتى هي بحقها في الله" . في حالة السكر، يعد بوطربوش الشاب عزيز بتزويجه بنته راضية، وعندما يصحو من سكره، يسطو على أملاكه ويطرده وأمه من ضيعته، الخ.
في الفصل الأخير من المسرحية، ينتفض جميع أهل الضيعة ضد بوطربوش، فتسقط كلمته إلى الحضيض. يبتدئ مسلسل الرفض عندما يحاول السائق بوشعيب ولد الخمار، الذي لم يعد يتحمل الهوان، مغادرة الضيعة. فيمسك به بوطربوش ويحاول أن يلفق له تهمة باطلة، قائلا للقاضي بوحاجة: " كلمة بوطربوش تدوز في الدية، عساك في تقياد موجب شرع في بحال ولد الخمار الغدار. ادخل دور التلفون آبو حاجة، وقل لهم يجي الشاف برجليه ويجيب الحمية اللي تكفيه، المونتيف كبير وفي يديا". يحاول القاضي بوحاجة النصيحة فيطرده بوطربوش بدوره من الضيعة، قائلا له: " حتى أنت تحل لك الفم وعدت تشد معايا أغنان، وتضرب المعاني عل المخزن... السلوقي اللي كان مقطر ليل من عيني، نهار عصاني في الصيدة كبيت في باباه عمارة. وما نسخى شي بقراب جراب بحالك؟". ثم ينادي بوطربوش على الحمري ويطلب منه أن يجمع حوايج بوحاجة ويخرجها إليه، لكن الحمري يرفض تنفيذ الأمر، ويجيبه: " مبدئيا ونقابيا ما نخدم غير في خدمتي. الشي الآخر إلى بغيتيه شوف من يديرو". حينئذ يطرد بوطربوش الحمري ويأمره بترك العزيب، متهما إياه بالاشتراكية، قائلا : " كل واحد كيتخلق من صلب والديه والطابع فيه... طابع أحمر مكتوب عليه اشتناكي (اشتراكي).. العام وما طال وأنت تشوش عل الخدامة في الفيرمات كافة أجمعين. باغي تردهم اشتناكيين، يكفرو بالله والنبي والفقرا، لا صلاة لا صوم لا زكاة لا للالة مكة. ..راه عندهم عليك واحد الضوسي على من اعتاه، ما فيه ما يتشاف ما يتلبق". لكن الحمري يصر على الحصول على مستحقاته وشهادة العمل قبل مغادرة الضيعة، ويجيبه مدافعا عن نفسه ومتوعدا: " واش داير زعما في ملك الله؟ خاري على فول القائد؟... ما خاوي شي العزيب تا نشوف السوق. أنا مبري منك، تلحك للعزيب في غيبتي ولا تحط يدك على أولادي، تطيح الروح. علاين لطناش هادي وبيناتنا الجوج، ها نا طالع للدار البيضا، نوكف هاد الشي علا رجليه ونشوف هاد التبوريدة علينا بلا موجب شرع، واش عندك بارودها ولا غير الزريقة بنت لوقيد؟". وعندما يطلب بوطربوش من الخادمة خديجة أن تحضر حوايج بوحاجة من القبة، ترفض هذه الأخيرة وتصرخ في وجهه بحنق: " اعقل تزيزن، اسكت، زمو طمو، قمو، لا تزيد حتى كلمة، تا وحدا. ما غادياش نتكتف ليك بين يديك ونزاوك فيك، رزقي في يدي، ما شي في يدك. وفي ما مشا الواحد يخبز. كون ما لالة راضية تبخ على كياتك، كون بكري مشيت في حالي... حربش لا تحط يدك، والله ، والثانية يسمعها الله حتى نطيح الروح عليك". وأخيرا، يأتي الدور على السائق بوشعيب ولد الخمار، الذي لا يفارقه عقله البارد ومحاولته الظهور بمظهر الذكى المتزن، فينفجر هو أيضا ويقول لبوطربوش: "" خرجنا خرجنا للعار، ومابقا ما نتحايل معاك، أنا غادي في حالي، وإلى حطيتي يدك علي نحسب لك ضراسك، كدام بنتك تشهد عليك". هنا، يطلب بوطربوش من بنته راضية أن تأتي له بالخماسية، وعوض أن تفعل تجمع أمتعتها وتعزم مثل الجميع على الرحيل، قائلة لأبيها: " الوالدين إلى كانو وعواوعية الله يسامح في جنتهم بسببابها... بعد لهيه ولا نردك ضحكة للقبيلة... لفضيحة بريتي عليها ولقيتيها في الضحك اللي درتي فيا أنا وعزيز باش تماطا ليه على أرضو، وفي التنخشيل اللي داير للناس، للخدامة، لبوشعيب والحمري وبوحاجة... ".
من خلال هذا العمل المسرحي المتميز، يوضح الأستاذ محمد قاوتي، المتشبع بالأفكار الاشتراكية، بأن السلطة والمال تيبح للطبقة المستغلة فعل كل شيء و أي شيء، دون اعتبار للدين والأخلاق والقانون (شرب الخمر). كما يوضح لنا إلى أي حد يمكن للطبقة الكادحة أن تتحمل القهر وتتنازل عن حريتها وكرامتها من أجل الحاجة الاقتصادية، قبل أن تصحو وتنفجر.
بعد أن رحل الجميع، أسدل الستار عن بوطربوش، وحيدا ينظر إلى الفراغ حوله ويقيس حجمه. وهنا نستطيع أن نخلص إلى النتيجة التي نريدها. ها هو الإقطاع عنا قد رحل، وبقيت الأرض و النسل: نحن نعلم أنهم لا يكترثون، ونجد أنفسنا نهتم لأجلهم، فالطريق المسدود قد يفتح أبوابا جديدة، يكتب مصطفى طالبي. وأكيد، "برشيد ولادة"، تكتب امرأة، هي ولية.

Enregistrer un commentaire

 
Top