GuidePedia


باقة من تاريخ مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد (1)
الدكتور روبير بواترو، الزويهري، الحاج محمد قائدي بن اسماعيل، عبد القادر بلمدني.
بقلم: الجيلالي طهير
كلما أَضأْنا على تاريخ مستشفى الأمراض العصبية ببرشيد، كأَننا أَضأْءنا على تاريخ كلّ برشيد لكلّ برشيد من أَجل كلّ برشيد. لقد تحولت هذه المدينة في مرحلة التأسيس باحتضانها لأكبر مستشفى للأمراض العقلية على المستوىين الوطني والقاري إلى مدينة غير عادية، حتى أصبحت دلالتها الاسمية تحمل في مضمونها شيئا من الجنون. فعلا، ارتباط المدينة في سمعتها وفي تطورها الاقتصادي والاجتماعي بمستشفى الأمراض النفسية والعصبية جعل الكثيرين يعتقدون أن "برشيد" اسم مستشفى وليس اسم مدينة. ولقد شبت هذه الحالة في دوائر النفوس وكبرت فاستحسنها أبناء برشيد وصاروا معروفين عند غيرهم بأبناء المجانين، تماما مثل الفرنسيين أبناء مدينة شارنتون التي تأوي أكبر مستشفى للطب العقلي بفرنسا.
حقيقة الأمر، للمستشفى كيانه وتاريخه الخاص المستقل عن المدينة، يتداخل فيه ما هو طبي بما هو عسكري. فبعد احتلال قصبة برشيد سنة 1908 من طرف القوات الفرنسية، تم تهيئتها لتلعب دور القاعدة الخلفية للقوات الاستعمارية. وهكدا شملت البنايات الجديدة المبنية على أنقاض القصبة حوالي 4500 متر مربع، بينما لم تتجاوز مساحات المباني القديمة التي تم ترميمها حوالي 1500 متر مربع فقط. وعندما طرحت مسألة الاستشفاء على الجيش الفرنسي، تم إحداث مستشفى قروي مرتجل بعين المكان، لمعالجة المصابين والمرضى من الجنود والضباط، في انتظار نقلهم للعلاج بمستشفيات فرنسا.
وبعد مرور سنتين، أي خلال سنة 1910، كلفت الحكومة الفرنسية طبيبين مختصين في الطب العقلي، وهما لوروف وسيرو، بزيارة ميدانية لأهم المدن المغربية وسجونها لأعداد تقرير عن المجانين بالمغرب، فتأكد لهما بأن خدمة المرضى وعلاجهم بالمعنى الطبعقلي منعدمين تماما بالمغرب. وقد عاين الطبيبان خلال البحث وجود ثلاثة أنواع من المجانين، هم كالتالي: الحمقى المهادنين الذين يعيشون على التسول في الهواء الطلق، ويعتبرهم العامة أولياء صالحين؛ الحمقى المزعجون المحروسون في المنازل والمهددون عادة بالاغتيال من طرف محيطهم؛ والحمقى الخطيرون المحتجزون في المارستانات والسجون.
في سنة 1926، أصبحت برشيد بسكانها البالغ عددهم 718 نسمة، منهم 343 اوروبي، 171 يهودي و 98 مسلم، تضم أول بناية عصرية لإيواء المستشفى الوحيد من نوعه المتخصص في علاج الأمراض النفسية والعصبية بالقارة الإفريقية، يغطي حوالي 43 هكتار بينما المدار الحضري للمدينة لا يتجاوز في مجموعه 48 هكتار تقريبا. ومند البداية، عهد بإدارة المستشفى لرائد الطب العقلي بالمغرب الدكتور دي مازل، واقتصرت الخدمات الاستشفائية على مداواة المرضى الأوروبيين دون سواهم. كانت النواة الأولى للمستشفى تتكون من خمس عنابر وغرفة عمليات قبل إحداث جناح خاص بالنساء الأوروبيات، ثم شيدت دور سكنية لفائدة الطبيب رئيس المستشفى، والمدير المقتصد، والممرضين والممرضات الأوروبيات. وفي سنة 1931، أصبح المستشفى يتمتع بصفة المؤسسة العمومية ذات الشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويتوفر على ميزانية ملحقة بلغت مداخيلها سنة 1952 حوالي 130 مليون فرنك فرنسي. وفي تلك الفترة، شيدت عنابر جديدة مكنت من رفع القدرة الاستيعابية للمستشفى إلى 1000 سرير، قبل أن تصبح 2000 سرير، الشيء الذي مكن من توفير الخدمات الاستشفائية للمرضى الأوروبيين والمغاربة دون تمييز.
كانت أغلب الحالات المرضية المعالجة في المستشفى تتعلق بالإدمان على المخدرات، حيث بلغت 7323 حالة مسجلة خلال الفترة الممتدة من 1936 إلى 1956. تم التصدي لها بواسطة طاقم طبي على مستوى عال من الكفاءة والخبرة، مكن المستشفى من نيل شهرة عالمية وجعل منه فضاء حقيقيا للراحة والاستجمام والتداوي. على رأس هؤلاء الأطباء المختصين دوناديو أندري، بيرسون أنتوان، روبير بواترو، لاندري روني، برناردي جاكلين، اسكندر سعد راغب، سلطان آلان، مولان جون بول، راينو ادموند، الخ. وفي هذا الصدد يقول الأديب المغربي أحمد المديني: "حين ألتقي مع أصدقاء عرب، أفاخر بأن برشيد في فترة من الفترات كانت تضم أهم مستشفى للأمراض العقلية بالقارة الإفريقية، مما يعني أننا نتوفر على عبقرية من نوع خاص".
استقطب المستشفى مجانينه ومستخدميه من كافة جهات المغرب، ومن بين العائلات البرشيدية التي ارتبط اسمها بوجود المستشفى، وهي تستحق منا التحية: عائلات ماجي الطاهر وفويرس كمال من الأقاليم الصحراوية، كبيش الحسن وحنيمين سعيد وحنيمين إيجا وأكزاز أحمد من أكادير، الخلفاوي حمادة ومحاميد أحمد وازناكات فاطمة وبازين الطاهر وآيت منصور محمد من مراكش، حدو العربي وحدو عبد الغني والمصلوحي محمد من تازة، عاطف محمد وناجح موسى "البوكسور" ولخيار ادريس من الجديدة ، بعكوب عبدالله من سيدي بنور، حنان أحمد والزكيري الحسين وبوطيب حدو من تيفلت، البحري السعدية والسيني مبارك من وادي زم، حنان أحمد وبدران سعيد عاقيري الحسين، اليماني المدني من الرباط ، فضلي بنعياد من الخميسات ، كحيل زهرة من آسفي، زياد أمينة من فاس، مراغ محمد من خريبكة، زعري محمد من مكناس، عفيف سعيد من تيفلت، الخ.
وعلى صعيد آخر، نالت بعض العائلات شهرة خاصة بفضل المجانين الدين كانوا يؤدون لها خدمات منزلية، مثل عنتر بالنسبة لعائلة الريحاني، ادريس البركادي وعلي الجيكي عند الاخوة بوكريزية، مولاي ادريس عند الحطاب ولد السطاتية، خدوج عند ادريس زهير، بزيز الوجدي عند الجيلالي العثماني، لوبيز عند حميدو لمطاعي، عبد الرحمان عند المصطفى الزوراري، الخ. ناهيك عن المجانين المتجولين صباح مساء بفضاء القيسارية، والدين كانوا أصدقاء الجميع، مثل قونوفو، البهجة، حميدة حلال العقادي، رحال، حسن الكمانجة، الرحيميني، مكتوب، المعيطيطي، علي الشيكي، بنداود وهو رجل مثقف كان من رواد مقهى بلفقيه، الخ.
ولا يخلو السجل التاريخي لمجانيين برشيد من الخطورة وأحيانا من الطرافة التي تشبه النبوءة. ففي مطلع الستينات قام مجنون طليق بطعن الجزار عبد السلام بن صالح الحبشي، بداخل متجره بالقيسارية وأصابه بجروح خطيرة. وفي منتصف الستينات، أعطت طبيبة يهودية، صاحبة سيارة صغيرة نوع ضوفين، عبد الرحمان صاحب المصطفى الزوراري علبة سجائر أمريكية، وهو الذي اعتاد على تدخين أعقاب السجائر المرمية في الشوارع، فرفع يديه إلى السماء وقال لها شاكرا: " سي ري يامدام الله يجعل راية اليهود فوق من راية المسلمين"". ثم حل شهر يونيو 1967، وسميناها النكسة.
في مستهل الثمانينات وعلى هامش حكم الحزب الوطني الديموقراطي بالمجلس البلدي، احتضن المستشفى تظاهرة ثقافية فريدة من نوعها قامت بها الجمعية المغربية للفنون التشكيلية، التابعة ثقافيا لحزب الاتحاد الاشتراكي في المعارضة، وذلك بالتنسيق مع الدكتور عبد الله زوزيو، شملت أنواعا ثقافية مختلفة، وشارك فيها رسامون كبار من بينهم: المليحي، حميدي، القاسمي، شبعة، مليكة أكزناي، موسى الزكاني، الحسين الميلودي، رحول، سعيد الحساني، نفيسة بنجلون، ربيع، عبد الكريم الغطاس، علال، الشعيبية، سمير سلامة، الحريري الخ.. وقد أثارت اللوحات المرسومة على جدران المستشفى، وبخاصة تلك التي أبلدعها النزلاء، إعجاب الفنانة الايطالية طوني ماريني التي اعتبرتها من أروع اللوحات التشكيلية في تاريخ المغرب المعاصر، من شأنها أن تؤهل المستشفى ليكون أول متحف للفن التشكيلي بالمغرب، ثم وضعت السؤال: " هل سينجح المسئولون عن المستشفى، كما يهددون بذلك، في إعادة صباغة كل شيء ومحو كل شيء؟"(1) .
ومن جهته، كتب إدريس الخوري، تحت عنوان "برشيد، الذاكرة المنسية"، مقالة بجريدة " المحرر"جاء فيه: " علم النفس له لغته وتحاليله، وللفنان تصوره الخاص للعملية الإبداعية وفهمه لإشكالية التعبير. ما رأيته في برشيد كاف لأن يصاب المرء بالصدمة والرجة. فهؤلاء المرضى- المنسيون والمهمشون، البعيدون عن رؤية العالم الخارجي، القابعون في أجنحتهم وفضائهم المطلق، حيث يسيطر الهذيان والنسيان، يشبهوننا جميعا إلا من حيث تنعدم الذاكرة ويغيب العقل. فهل يجب نسيانهم ؟ لا يتعلق الأمر هنا بالحمق البسيط والمركب، بل يتعلق بوضعية إنسانية مهملة متروكة لزمنها الخاص وحالتها الغريبة. ذلك أن تجربة المرضى، في التعبير الكتابي والتعبير الجسدي (رقص ورسم) تكشف، فعلا، عن الذاكرة الشعبية المنسية التي آن الأوان لفهمها: أناس فعلا مرضى يبتسمون ويضحكون، يلتقون ويفترقون، يحيون الزوار ويطلبون السجائر بإلحاح، يجلسون إلينا ويتحدثون عن همومهم بلغة سريالية، فأين نضع إبداعاتهم ؟ ما رأيته في برشيد يؤلم جدا: مرضى هائمون على وجوههم مثل بطل بازوليني في شريط " تيوربما " حيث يتعرى ذلك البرجوازي الإيطالي في الساحة ويهيم على وجهه. هل رأيتم " طار فوق عش الكوكو" ؟ إنه في برشيد. لكن ضمن شروط اجتماعية أسوأ " (2).
وللإشارة، ففي منتصف الثمانينات كان التأطير الطبي والاداري للمستشفى على يد الدكتور الزين الطبيب رئيس المستشفى، صحبة المقتصدين بن رحو اسماعيل والعمراوي علي، والحارس العام بوشعيب عفيفي. بينما التأطير النقابي للشغيلة كان على يد الصفصافي عبد الكبير من ك.د.ش، ولد بابا المصطفى من الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والزويهري عبد القادر من الاتحاد المغربي للشغل.
لا يخلو السجل الذهبي لمستشفى الأمراض العصبية ببرشيد من غيوم شوشت عليه في مرحلة التأسيس، والسلطات الفرنسية وقتها منشغلة بالتوسع الاستعماري وحرب الريف. ففي سنة 1925 كتبت جريد لومانيتي الفرنسية بأن "المستشفى الشهير لبرشيد لا يزال يثير ردود الأفعال. المرضى لم يستبدلوا ملابسهم مند شهر ونصف، وآخرون لم تغير لهم شراشف الأسرة منذ شهرين ونصف، في الوقت الذي يمنح فيه الطبيب رئيس المستشفى أولوياته لخدمة الزبناء من المدنيين، بحثا عن الربح المادي". وبدورها طلبت جريدة "لتريبين دي صولدا إيدي ماران" من الجنرال ليوطي وضع حد للحالة المتدنية التي يعيشها مستشفى برشيد قبل التفكير في القضاء على الثائر عبد الكريم الخطابي، وكتبت في هذا الخصوص: "لا يمكن مقارنة الخدمات الصحية بالمغرب بمثيلاتها بفرنسا. الممرض الميجور أندري فيولون يهتم أكثر بمطعمه الخاص على حساب المرضى، ومهام التمريض متروكة لجنديين فرنسيين وسينغالين ليس لهما أية دراية بالطب".
وفي المغرب المعاصر، تعتبر سنة 1973 محطة مفصلية في تاريخ المستشفى، أفقدته امتياز المؤسسة العامة وصفة الشخصية المعنوية المستقلة. منذ تلك الحقبة وصولا إلى لحظة سقوط الجدران واغتيال العنابر بواسطة الجرافات، ظل الشعور بالقرف ينتاب أبناء برشيد الدين يحبون مدينتهم دون مقابل تجاه الحال التعس لهذا الفضاء الذي يرمز لجزء من تاريخهم. ففي سنة 1986 توفي 26 نزيلا بالمستشفى في ظرف 23 يوما بسب البرد ونتيجة الإهمال واللامبالاة. وكانت فترات عصيبة ومرهقة بالنسبة للفقيه السي ميلود الأشهب رحمه الله، وهو الذي كان يتولى دفن أموات المستشفى على الطريقة الإسلامية. وأما اليوم، فلم يبق من مستشفى برشيد إلا الذكرى التي تقفز إلى مخيلة كبار السن في هذه المدينة التي تعبق بالتاريخ . ففي نهاية التسعينات، طرحت قضية ترحيل المستشفى من برشيد إلى منطقة الخيايطة بساحل أولاد حريز. وقتها اقترحت السلطة الإقليمية على المجلس البلدي الاتحادي المصادقة على الترحيل، غير أن المنتخبين عبروا عن رفضهم التخلص من المستشفى الذي اعتبروه جزءا من تراث برشيد. وما هي إلا أيام قليلة حتى عادوا للاجتماع من جديد في دورة استثنائية وتراجعوا القرار المتخذ، بعدما تبين لهم أنهم صادقوا من قبل على تصميم التهيئة الذي يلغي وجود المستشفى من الجذور. واتضح في الأخير أن العقار المرشح لإيواء المستشفى بجماعة الخيايطة غير جاهز وخارج سلطة الإقليم. ما الحكاية؟ هل كان الاتحاديون عن صلاتهم ساهون أم خدعتهم العمالة بالرسوم ولألوان وهم لا يقشعون؟ ليس فيه نقاش، أن تقترح العمالة شيئا متعلقا بالعقار، فذلك لا يعني كونها تريد دائما بالوصي خيرا.
يعلم الجميع، قيام عامل الإقليم عبد الفتاح مجاهد بعرض ماكيط بنايات سكنية بمدخل العمالة وقوله أنه مشروع سكني سيرتفع محل المستشفى. ثم نصب نفسه رئيسا شرفيا على جمعية سكان حي مستشفى الأمراض العصبية برئيسها الفعلي الحاج الأدريسي صالح، من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كغطاء شرعي ولي فيها مآرب أخرى. تزامن ذلك مع إعفاء الدكتور دحو التباع، ممثل دائرة المستشفى عن الحزب الوطني الديموقراطي من المسؤولية بالمستشفى وتزويعه بعيدا لمدينة أخرى، وإقالته أيضا من حظيرة المجلس البلدي، بطلب من السلطة الإقليمية، بدعوى الغيابات المتكررة عن دورات المجلس.
لا يشاطرنا بعض المختصين العاملين في حقل الطب العقلي الرأي حول وفاة مستشفى برشيد. نحن نتفهم الأمر، لا ننطلق من نفس المعطيات وإذن لا نصل لنفس الأهداف. بالنسبة إلينا الحالة التاريخية التي شبت في دوائر النفوس لم يعد لها من أثر أو وجود، مات المستشفى وماتت معه الفروسية والأخلاق النبيلة ببرشيد. جنون من نوع آخر، ملؤه الجشع، هذا الذي يسكن بعض الأشخاص العموميون ببرشيد، يتطلب عودة تلامدة فرويد للتحليل والمداواة. ما معنى أن يعرض مستشار برشيد بجهة الشاوية ورديغة صورته على "الواتصاب"، وأحدهم يقبل رأسه أمام الملأ؟ يا رحمان ويا عبد الرحيم، أنت الآن في موقع الشخص العمومي وليس في ضريح. فهل بلغت النرجسية الدرجة القصوى وأصبحنا نستحلي تقبيل الرأس والقدمين لمنح الرضى؟ ثم ما معنى أن يموت رجل تعليم رحمه الله، من حزب العدالة والتنمية، ويقف برلماني الحزب للسهر شخصيا على نصب خيمة العزاء فتقام في رمشة عين، وعندما يتعلق الأمر بوفاة رجل ليس منا، وهو ابن مدينة برشيد رغم أنف المجلس البلدي، مثل المرحوم محمد ولد بابا، يوارى جثمان الفقيد الثرى، بينما أصدقاؤه الأوفياء يبحثون عن القنب والحداد الذي يصلح لوازم الخيمة المكسرة، لعلكم تستحون من الحق، والسلطة قبل الدنيا زائلة؟ !!
يتبع...
///
(1)Toni Maraini ; Ecrits sur l’Art, choix de textes (1967-1989)
(2) جريدة المحرر بتاريخ 28 ماي 1981



.

Enregistrer un commentaire

 
Top