GuidePedia



القائد عمرو صحبة الناخب الوطني كي كليزو، خالد المدهوس، والمصطفى الزنكي
بقلم : الجيلالي طهير
تعكس كرة القدم صورة مصغّرة لتاريخ مدينة برشيد التي يفتخر بها كل ابن بلد كيفما حلّ وارتحل. فمن دون كرة القدم لا صورة بهيّة لتاريخ المدينة، ومن دون التفاتة لقدماء اللاعبين الدين صنعوا أمجاد هذا التاريخ، تبقى الصورة ناقصة، وناقصة جدا في أذهان المتغاضين عن الضرر المعنوي الذي يلحق برواد كرة القدم المحلية. مؤخرا، كتب الأخ محمد لحميدي، أحد عشاق مدينة برشيد، مقالة مثيرة للانتباه بعنوان " قدماء لاعبي يوسفية برشيد في غرفة الانتظار"، سرد فيه عطاءات ضحايا يوسفية برشيد انطلاقا من المرحوم إيماني بوعزة، مرورا بالجيلالي منتصر، عمرو لكريك، عبد الرحمان عزمي، بوشعيب طائق، قربال، عبد السلام البيضوري، حسن بلمحفوظ، حمودة إيدار، المصطفى بلفقيه تغمدهم الله جميعا برحمته، وصولا إلى عبد المجيد كشوني والقائد عمرو الذي يعاني في صمت من مرض السكري وما يتطلبه من نفقات. وللأسف لا حياة لمن تنادي، فهل هم حقا أحياء أموات مسيرو نادي يوسفية برشيد أم أنهم أميون لا يقرؤون؟
عندما نجالس عظماء يوسفية برشيد المنسيين، لابد أن نتعلم منهم أمورا جديدة. ذكرياتهم تعيدنا للزمن الذي عاشوه مع فريقهم، يسردوها علينا شفويا أو يعرضوها في صور أو مقالات صحفية، يحرصون على حفظها وهم يفكرون في الأجيال الآتية. هل سمعتم أن موسيقيا كان يعزف أجمل الألحان فوق الملعب المستطيل؟ نحن هنا لنقول لكم أن اسمه القائد عمرو الدرنوني، محصل على الدكتوراة في كرة القدم من جامعة الدرب الجديد. هل تبحثون عنه في حي الشباب؟ يمكنكم التوقف عن البحث، فلا وجود لحي بهذا الاسم في تاريخ وجغرافية برشيد، وفقط في تفكير أعضاء المجلس البلدي الدين حكمونا ذات سنين باسم حزب الاتحاد الاشتراكي. سكان الدرب الجديد كانوا يحترمون هذا الحزب بشكل رائع، ولكن أصحاب الشأن نالوا من هويتهم وطبقوا عليهم شعار " التغيير" بشكل بليد. من يصدق أن القائد عمرو كان يلعب لحي الشباب، والصغير كرادة لحي السعادة، وأحمد ناجم لحي المستقبل، وأمحمد بن الطيبي لحي التقدم؟
يقع الدرب الجديدّ في جنوب غرب برشيد القديمة، هو حيّ شعبي فقير، يشكل الامتداد الطبيعي لحي القيسارية من الجهة الشرقية، و دوار الحاج عمرو سابقا من الجهة الغربية. عانى التهميش والحصار المضروب عليه بأسوار تطوقه من الجهات الأربع، وظل يقاوم رافعا شعار التحدي، ولم يكن أبدا من البائسين أو اليائسين. في نهاية كل أسبوع، وكما في أيام العطل، كان أطفال الحي يداعبون الكرة بأقدامهم الفتية، بين أشجار الإبزار، في ملعب صغير بين محكمة السدد والمستشفى الأهلي. ومتى ضاق بهم المكان يطلقون العنان لأرجلهم بالفضاءات الشاسعة جنب محطة السكة الحديدية. هناك، برزت موهبة القائد عمرو وصنف لاعبا خطيرا وهو طفل صغير. ولأن الفتى كان يطفو كالفراشة ويلسع كالنحلة عندما يسجل الأهداف الجميلة، منحوه لقب "النحيلة". ثم استأنفت القصة وكبرت الطموحات في عالم المستطيلة، يوم أن بُهر اللاعب الصاعد بالأسطورة ادريس باموس، وسحرته المراوغات والتمريرات الذكية للمايسترو، عميد الجيش الملكي والمنتخب الوطني.
قبل أي مباراة كان "النحيلة"، الطفل اليتيم، يطوف على أصدقائه ليستلف منهم أحذيتهم الرياضية. وعندما يقول له أحدهم أن الحذاء ممزق وغير صالح للاستعمال، يجيبه ضاحكا: "يكمل الماتش". وذات مرة، انتشرت أخبار في ثانوية ابن رشد تقول أن الأستاذ الحاج المعطي خليل تطوع واشترى لتلميذه القائد عمرو حذاءا رياضيا جديدا من ماله الخاص. وفي تلك السنوات، كان للنحيلة أصدقاء جد طيبين، يستحلون عشرته ويلازمونه كظله، ومنهم بوشعيب جنيح، وعبد القادر النتك، وخالد المدهوس، والمصطفى الزنكي.
كان الدرب الجديد يخفي بين أحضانه شيئا من المستحيل الناجم عن الإحساس بالغبن، وكان عند المسئولين بالمدينة شيء من العجز والغباوة في كشف هذا المستحيل، فظل الحي بالنسبة إليهم لغزا مستعصيا عن الفهم. كان الدرب الجديد يضم مواهب كروية عدة، وبسبب سوء الفهم والتفاهم هذا، اتفقوا جميعا على عدم التوقيع والانضمام لفريق يوسفية برشيد. وهكذا، لم نسمع أبدا بلاعبين كبار اسمهم محمد دحان، أحمد العماري، عبد الرحيم طهير، عبد الله الحنفي، أحمد سعد، سعيد محيي الدين، الخ. وحده الشاب النحيلة كسر هذه القاعدة الفقهية المتفق عليها. براءته وحبّه للكرة أعمياه عن كل سيئاتها، فالتحق استثناء بالفريق الأول للمدينة، مقابل احتساء زجاجة صغيرة من مشروب بيبسي كولا، ضحكوا بها عليه لأجل التوقيع. وفي الموسم الرياضي لسنة 1969-1970، سيلعب أول مباراة رسمية له مع يوسفية برشيد ضد رجاء أكادير، وعمره لا يتجاوز 16 سنة والنصف. انتصر الفريق المحلي في تلك المباراة بأربع إصابات لصفر، وجاءت الاصابة الثالثة بواسطة القدم الذهبية للقائد عمرو، الذي سجل هدفاً "خرافياً" في مرمى الخصم. كانت تلك المباراة التاريخية هي نقطة التحول البارزة في مسيرة الموهبة الواعدة، وعلق المرحوم عبد السلام البيضوري على المشهد في الصحافة الرياضية بهده الكلمات الخالدة: " يوم الأحد الماضي استقبلت يوسفية برشيد بالملعب البلدي رجاء أكادير، وقد سحقته بأربع إصابات لواحدة. بعد دقيقة صمت ترحما على السيد صالح ( صالح ولد السي اسعيد)، أحد المسيرين لفريق اليوسفية أعلن الحكم عن ابتداء المقابلة. في الدقيقة الثامنة من ابتداء المباراة أحد المدافعين من الفريق الزائر يسجل الاصابة الأولى ضد شبكته. الدقيقة 14 الجناح الأيمن بوركبة يفلت بالكرة ويضعها في الشبكة بسهولة. الدقيقة 24 النحيلة يأخد الكرة وينسل ويسجل الاصابة بكيفية رائعة. أما الاصابة الرابعة والأخيرة في المباراة، سجلت في الدقيقة 42 علي يد حجو إثر ضربة خطأ نفدها اللاعب الدولي الحطاب ".
عند اجتيازه الشهادة الثانوية والتحاقه للدراسة بثانوية بن عباد بسطات، سيبرز اسم القائد عمرو في الألعاب المدرسية كعداء سريع في ألعاب القوى. وكيف لا وقد سبق له أن قفز من نافدة القسم وهو تلميذ بثانوية ابن رشد، لما فر هاربا من المسيو كارديل ، وترك له الصندالة في الفصل. وفي أحد منتديات ألعاب القوى المنظمة بمركب المسيرة الخضراء ببرشيد، سيتجاوز النحيلة كافة العدائين بدورة، ثم يلتفت إليهم مرفرفا بيده في السماء كالعصفور، وهو يردد باللغة الانجليزية fly, fly, fly
تسأل القائد عمرو عن أجمل المباريات التي خاضها ضمن فريق يوسفية برشيد، فيجيبك: " هي مبارتين اثنين: الأولى ضد حسنية أكادير، أجريت فوق ملعب الانبعاث أثناء تدشينه ولأول مرة في لقاء جمع يوسفية برشيد وحسنية أكادير. والثانية ضد فريق المغرب الفاسي في إقصائيات كأس العرش، لعبنا ضد النجوم الدوليين الستة: الهزار، مولاي ادريس، الكزار، أبو طيب، الزهراوي، التازي. قدمنا مباراة رائعة وانهزمنا باصابتين لصفر".
حصل اللاعب النحيلة على دبلوم الكفاءة الرياضية في أواخر الستينات. وكان بحق دكتورا في تمرير الكرة ومدرسة في المراوغات القصيرة، وتنفيذ ضربات الجزاء على الطريقة البرازيلية. ففي أحد اللقاءات الكروية الودية بالملعب البلدي، راوغ القائد عمرو الخصم ومرر الكرة لزميله المصطفى بن الطيبي، لكنها ضاعت من هذا الأخير الذي لم يكن ينتظر مجيئها إليها بتلك الخفة. ولأن المصطفى بن الطيبي كان فقد أسنانه الأمامية في تلك السنوات، فإن النحيلة التفت الى الجمهور، وقال له: "أش غندير ليه، اعطيتو التفاح، وما عندو سنان". وفي إحدى الحصص التدريبية لفريق اليوسفية المخصصة للتمرين على ضربات الجزاء، تقدم اللاعب الدولي بلحطاب نحو نقطة الجزاء وقدف الكرة بقوة بعيدا فوق الشباك. ولما جاء الدور على النحيلة، ركن الكرة في الزاوية التسعين، ثم التفت الى بلحطاب وأخد يضرب بيديه على ساقية، ويقول له: " تعجبونا في الركابي"، وأطلق عنانه للريح. إنها الحقيقة ولو أن التعبير عنها لا يتلاءم والطريقة الدرنونية الاستفزازية التي صيغت بها. فكرة القدم لا تلعب فقط بالقوة الجسمانية، هي قبل كل شيء جهد ذهني يستلزم الكثير من الطاقات الذهنية.
لم يخطئ الدين يصفون رياضة كرة القدم على أنها " فن التضحيات". التضحيات ليست هي فقط العرق المتصبب من اللاعبين وقدرتهم على تحمل غضب الجمهور. هي أيضا خطر الإصابة الحاضر على الدوام، وبدون تأمين أو مقابل. عاش القائد عمرو آلام الإصابات خلال مشواره الرياضي، لهذا السبب، لم يكن بإمكانه السير في خط تصاعدي على صعيد تطوير نفسه بحسب التخمينات التي كانت تتوقع انه سيرتقي الى مصاف النجوم الكبار في عالم المستديرة. أول الإصابات تلقاها على مستوى أعلى الجبين في مباراة ضد نجم مراكش. ارتمى برأسه على كرة عالية بعد تمريرة طويلة من اللاعب عبد الله العماري، فأصابه المهاجم المراكشي بجرح بليغ، لا تزال آثاره بادية على رأس اللاعب، تمت مداواته على يد الطبيب القدير، الدكتور بوشعيب اسمعلي والممرضة زهور بن الستي.
أثناء تواجده بمدينة سطات، كتلميذ مقيم بداخلية ثانوية ابن عباد، تمكن اللاعب النحيلة من صقل فطرته الابداعية بالمشاركة في التداريب الرياضية لفريق النهضة السطاتية، صحبة النجوم التاريخيين الكبار لهذا الفريق، أمثال أحمد العلوي وقاسم السليماني الذي كان قامة كروية مبهرة. لم تكن الفضائيات حاضرة في ذلك العصر على شاشات التلفزيون في المنازل، ولذلك كان نجوم اللعبة المحلية الأسماء الأشهر والمثال الأعلى، وعلى رأسهم المرحوم قاسم السليماني، المكنى ب "السلك". في ثانوية ابن عباد، سيدرس القائد عمرو بأحد الفصول التي انفردت بجمع أبناء رموز البورجوازية المحلية لمدينة سطات، سميناهم الأسماء الخمسة، وهم: الآنسة بوعشرين، الآنسة زنيبر، الآنسة السكيرج، ابن ادريس، والشرايبي. كان الجميع يلتف في ساحة الثانوية حول القائد عمرو للاستمتاع بمستملحاته المرتجلة. وذات مرة، كان يجالس أحد الطلبة الداخليين على انفراد، ولما لاحظ النوم يداعب جفونه نهض غاضبا وفضحه، قال له: " اتكعد، تنعس علي أنا راديو".
في ذلك الزمن الجميل، أهمل النحيلة الدروس لفائدة التمارين الرياضية صحبة نجوم النهضة السطاتية، وخاطر بالسفر رفقة يوسفية برشيد إلى أكادير، خلال فترة الاستعداد والتركيز لاجتياز امتحانات الباكلوريا، غير عابئ أو مصدق بأن الكذبة التي اسمها لعب كرة القدم مليئة بالعذاب وقاتلة للمستقبل. من يصدق هذا؟ سافر القائد عمرو يوم السبت مع فريق يوسفية برشيد إلى أكادير، وعاد يوم الاثنين في الصباح الباكر، أنزلته الحافلة مع الثالثة قبل ألفجر بسطات، وخضع لامتحانات الباكالوريا مع طلوع الشمس بثانوية بن عباد، في مادة الانكليزية شفوي. كيف ركز ذهنيا في أحسن مباراة له ضد حسنية أكادير؟ كيف هيأ لاجتياز الاختبار الشفوي؟ كيف نام مسافة الطريق بين سطات وأكادير؟ لا أحد يفعلها غير النحيلة، مجنون كرة القدم.
انضم القائد عمرو الى المنتخب المغربي لكرة القدم للشبان ضمن ألعاب المغرب العربي خلال سنة 1974، وشارك في ملتقى ودي بفرنسا، لما نودي عليه لتعزيز صفوف فريق اليوسفية الرباطية. أحيانا كان يسخر من بعض المسئولين ممن كانوا يريدون تدمير معنوياته بإرغامه على القيام بدور المصفق في مقاعد البدلاء، وجعله مجرد ورقة لسدّ الفراغات. كانت كرة القدم رياضة للفرجة لا تبغي الربح، ومع ذلك كان لهؤلاء المسيرين ميل واضح تجاه اللاعبين المنحدرين من حي آرلو، يمنحونهم دون غيرهم حق الأفضلية ضمن تشكيلة فريق يوسفية برشيد. كان القائد عمرو يعبر عن امتعاضه من انعدام تكافؤ الفرص بالقول ساخرا من المشهد: " بينا وبينكم دار حماد ولد عكيدة هي الحدود، قولو للشيخ صالح يبني حداها براكة ويعلق عليها راية. ديروها ديوانة اللي بغا يدخل تيران طارزا". وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات اللاذعة، يعترف عمرو القائد بنزاهة وكفاءة المدربين الدين تتلمذ على أيديهم، وعلى رأسهم المدرب حجي، والمرحوم الحاج عبد القادر جلال، والسي عبد السلام العوماري. ولا ينكر فضل المسيريين الدين راعوا ظروفه المادية وتحملوا نفقات تعليمه الثانوي خلال فترة المعاناة من العسر، نتيجة اليتم والفقدان المبكر لحنان الأب. ولا ينسى أبدا الرعاية التي كان يوليها له الرجل الطيب، الدكتور الترافح، المتخصص في جراحة العظام، وهو الذي كان يستقبله في أي وقت يقصده، لإجراء الفحوصات بالأشعة على الاصابات المقلقة.
استمر القائد عمرو طويلا في العطاء وأنهى مشواره الرياضي كلاعب في صفوف الجمعية الرياضية لبرشيد، إلى حين ادماج هذا النادي مع فريق يوسفية برشيد. وبحسب بعض الملاحظين المتتبعين لسلوكياته، فقد حطم الرقم القياسي على مستوى الانضباط وعدم الغياب أو التوقف عن العمل طوال حياته المهنية، في حقل التدريس، والتي قضاها كمعلم ببادية برشيد، قبل إدراكه سن التقاعد. ولا يزال القائد عمر وإلى الآن، وعلى الرغم من الأحوال الصحية غير المستقرة، ينشط كفاعل جمعوي في الحقل التربوي، وبداخل جمعية آباء التلاميذ ببرشيد. تم توشيحه مؤخرا من طرف السيد عامل الإقليم بوسام الاستحقاق الوطني، درجة ممتاز.
على عكس الكثيرين من أقرانه بالدرب الجديد، اخترق القائد عمرو الأسوار، وحلق بعيدا من على عتبة الحي المحاصر، فاكتسب لنفسه عقلية مرنة ومنفتحة على العالم. سافر لزيارة أصدقائه المنتشرين في مختلف بقاع العالم بالولايات المتحدة، المملكة البريطانية، اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، بلجيكا، هولندة، سويسرا اللكسمبورغ. لم يسعفه الحظ للذهاب إلى كندا ويقال على سبيل النوادر الفكاهية أن كندا هي التي تأتي إليه سنويا، عن طريق صديقه الحميم أحمد خير، قيدوم مهاجري برشيد إلى الديار الكندية. يقطن القائد عمرو حاليا بحي آرلو، ولم تراوده أبدا فكرة التفريط في منزل الوالدة بالدرب الجديد. فهذا المرتع الذي يذكرنا بطيبوبة أمه وكفاح ومستملحات أخيه الأكبر، المرحوم محمد القائد، يعني بالنسبة إليه الشيء الكثير، تملكه بالتراضي على أمل أن يقضي فيه بقية حياته، بعد إتمام إصلاحه إن كتب الله له طول العمر.
هو في النهاية يكاد يبلغ من العمر عتيا، رجل أكل الزمان ولم يأكل من معنوياته الزمان، عملة نادرة في زمن التقلبات والشخصيات المصطنعة، يستحق كامل الرعاية.
الجيلالي طهير

Enregistrer un commentaire

 
Top