GuidePedia


جوزيف بلاتير (رئيس الفيفا)، البصير، محمد العماري، هافلانج (رئيس الفيفا السابق)، وبن الحسن في سنة 1981.
العماري أو العملاق الذي لا يراه المجلس البلدي.
بقلم: الجيلالي طهير
قال قائل كفى من الكتابة في التاريخ فالشباب لا يقرؤون، قلت ليس الأمر بالمستغرب، فالزمن بالنسبة للكبار ليس هو نفسه الزمن عند الشباب الدين يعيشون الحاضر وأمامهم المستقبل الغامض. إن الشباب لا يعترفون بالماضي وليس بإمكانهم التجول في حدائقه الفسيحة، ولكنهم بمرور الوقت سيدركون القدرة على التمييز بين الماضي البعيد والماضي القريب. وفي تلك اللحظة، سيحل عندهم التاريخ الاجتماعي والموضوعي محل التاريخ الشخصي أو الحزبي، حالتهم النفسيه الحالية، الزاخرة بالمشاعر تجاه الأقارب والزعماء.
يقول المخرج السينمائي الكبير جون لوي كودار: " لا شيء أسهل من اندلاع الثورة بفرنسا، إذ يكفي أن تمنع بث مباريات كرة القدم على قنوات التلفزة ليخرج الناس للتظاهر بالشارع".
« La révolution en France, rien n’est plus facile, vous supprimez le foot bal à la télévision, et les gens descendent dans les rues ».
لكن الأمور لا تجري على هذا النحو بمدينة برشيد. فالصراع حول كرة القدم هنا يجري في الطابق العلوي، بداخل الغرف المغلقة، بين أفرقاء يتبادلون التهم حول صرف منحة المجلس اللبلدي والبيع والشراء في المباريات، وليس لأجل تحقيق الجودة في المنتوج الرياضي أو الفوز بالكؤوس والألقاب. الكرة هنا مساومات انتخابية بين أهل الحل والعقد وليس أكثر، وهذه المدينة يحكمها الآن رئيس عجيب يؤمن ببركة الأولياء، شاهدناه يقرأ الفاتحة في حفل تكريم أحد الفقهاء، عند توزيع الهدايا والختم والدعاء. الناس كما يريدونهم ليسوا سواسية كأسنان المشط ولو يحدثونك، لأننا لا زلنا بعيدين عن التعاليم السامية للحديث النبوي الشريف: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (عن أنس بن مالك رضي الله عنه). ذات يوم، قال لي المرحوم بوشعيب طائق، وهو من قدماء لاعبي اليوسفية، أن زميله محمد الصبار التمس من رئيس المجلس البلدي المساندة لأجل تنظيم حفل تكريم على شرفه، قصد مساعدته على أداء مناسك الحج، فأجابه الرئيس المؤمن بالقول: " دوي على راسك". ما كان عليه أن يتكلم بهذه الطريقة لأن المعني بالأمر بدوره من خيرة رجال التعليم، وليس أقل تقوى من غيره. ولنقل صراحة، السيد الرئيس كان صادقا مع نفسه، وكان يعبر عن حقيقة ما يفكر فيه: " غير مفيد انتخابيا، لا يستحق التكريم".
بمنتهى الصراحة والوضوح، لا أرى لنا فقهاء أو مثقفون أو سياسيون من العيار الثقيل أو في مستوى العالمية، وكان لنا أعيان إقطاعيون في البوادي، ولنا فنان عالمي اسمه الحاج يونس، وعندنا مشاهير دوليون في ميدان كرة القدم سارت بذكرهم الركبان. أقدم كتاب في التاريخ ببرشيد هو الكتاب الرياضي لنادي اليوسفية، صفحاته الأولى منقوش عليها بحروف من ذهب أسماء عمالقة كرة القدم في الملاعب الرياضية. إن برشيد الجميلة وأهلها الطيبين يشعرون بالفخر والاعتزاز عند قراءة مثل هذه السطور: "إن مدينة صغيرة أعطت كرة القدم ما لم تعطه أكبر منها هي مدينة برشيد التي خرج من فريقها عدد من نجوم في كرة القدم، مثل الأخوين العماري، الثاني المصطفى العماري هو الفائز بكأس العرش ضد نهضة سطات صحبة حسن أقصبي. ثم هناك ادريس باموس أقوى حضور كروي عرفته رياضة كرة القدم بعد الاستقلال"(1).
وفي نهاية المطاف، ها هو رجل يدعى محمد العماري، سيرة ذاتية نموذجية، ومدرسة كروية قائمة بذاتها، قامة أعلى من كل قامات صغار هذا الزمن الأرعن، مغيب اسمه ظلما عن التكريم بشوارع برشيد التي لا تفهم الأسماء المستوردة لها من بلدان الثلث الخالي النفطية. لكن الكبار كبار، ومحمد العماري، هو من هؤلاء الكبار، الذين ترتفع قاماتهم الى أعلى من الشواهق المهددة بأزمة العقار.
طبعا، الكبار لهم أيامهم الجميلة، ولهم الذكريات التي لا يمحوها الزمن. وفي ذلك يكتب الصحفي أحمد جديرة في أحد المواقع الالكترونية: " نظرة واحدة إلى المرحوم سي محمد العماري كانت تكفي لتتأكد من أنه خلق ليكون قائدا من الطراز الأول، ربما ساهم انتمائه إلى القوات المسلحة الملكية فى ترسيخ تلك الصفات القيادية في شخصيته، لكن المؤكد أنه كان موهوبا و ذو قدرات قل نظيرها أتاحت له النجاح في تدبير مجموعات مختلفة من لاعبي الفرق الكثيرة و المنتخبات التي أشرف على تدريبها . ملامحه المغربية الخالصة جمعت ما بين الأدب و الأخلاق الطيبة، وبين الصرامة والشجاعة، فى خليط قلما تجده هذه الأيام. كان تواصله الصريح مع الآخرين دليلا على ثقته الكبيرة بنفسه والتي جعلته يتعامل بمنتهى الهدوء والتعقل مع المشاكل كيفما كان نوعها. نتائجه وطريقته في العمل تعطي فكرة عن قيمة الرجل، أعتقد شخصيا أنه من أكثر المدربين المغاربة ذكاء منذ بداية مشاهدتي لمباريات كرة القدم، كان يعرف جيدا ما يريد وما يفعل في كل مقابل. وإذا كان مورينيو يلقب حاليا بالسبيشل وان أو الرجل الخاص فالعماري رحمه الله كان سبيشل وان زمانه". (2)
ولد المرحوم محمد العماري ببرشيد سنة 1937، وساهم في جعل هذا لمركز القروي الصغير مدينة كروية بامتياز، حتى غدت تسمى في الوسط الرياضي بروضة عظماء الكرة. تعلم بمدارس برشيد وبها اشتغل بداية بمستشفى الأمراض العقلية. ثم استهل مشواره الكروي لاعبا على مستوى فريق عاصمة أولاد حريز، وحقق معه الصعود للقسم الوطني الثاني في الموسم الرياضي 1957/1958، على إثر الفوز التاريخي على فريق رجاء بني ملال في مباراة حاسمة استغرقت 120 دقيقة. لعب مع محمد العماري في تشكيلة الفريق آنذاك كل من الحارس محمد اسمعلي ( ولد الحطاب)، رشد ( ولد الشاوش)، الجيلالي منتصر( ولد لعدول)، محمد الريحاني (ولد العبدية)، بوشعيب اسمعلي (جعيويق)، الجيلالي العثماني ( ولد الشيخ)، الجيلالي لطفي (اجغل)، حسني الكوردوني، عمرو لكريك، إيماني بوعزة (بعيز)، محمد العماري ( ولد بريك).
في فريق يوسفية برشيد، كان محمد العماري الشاب لاعبا مميزا ومهاب الجانب، يتمتع بمؤهلات فنية عالية وبشخصية قوية، حتى ليقال أن المرحوم محمد بكار، الحارس الدولي السابق، والمشهور بالصياح في وجه اللاعبين بمستودع الملابس، كان يلتزم الصمت في حضرته.
تعتبر المباراة المؤهلة ليوسفية برشيد إلى لقسم الوطني الثاني آخر اللقاءات الرسمية لمحمد العماري مع الفريق الحريزي. فخلال الموسم الموالي (1958/1959) انتقل إلى فريق الجيش الملكي الحديث التأسيس، تزامنا مع تخرجه من مدرسة الدرك الملكي بمراكش. يقول قيدوم الصحافة الرياضية محمد الحياني عن ظروف تأسيس الفريق العسكري: كان نادي الوداد البيضاوي ناديا ملكيا من سنة 1947 الى سنة 1957، يرعاه الأمير مولاي الحسن (المرحوم الملك الحسن الثاني لاحقا). وكان ينافسه فريق آخر يرعاه الأمير مولاي عبد الله وهو نادي الفتح الرباطي الذي استقطب لاعبين مرموقين من خارج الوطن، ضمنهم الجوهرة السوداء العربي بن مبارك. وفي لقاء شهير جمع الفريقين بمدينة الدار البيضاء خلال الموسم الرياضي 1957/1958، انتصر فريق الفتح على نادي الوداد الرياضي، فأشهر رؤساء الفريقين المسدسات في وجه بعضهما البعض. ومنذ تلك اللحظة، انفصل الأمير مولاي الحسن عن الوداد الرياضي، ثم أسس فريق الجبش الملكي، ومن تمة استقطب له محمد العماري مع آخرين من رفاق التأسيس، وهم: حارس المرمى حسني بنسليمان، العربي، صالح، بناصر، الترغالي، بلمجدوب، عمار، قاسم، عزوز، مصطفى أوشن، المختطف، الزموري، المكي، زناية، الزاز، العربي غلابي (3)
ترك محمد العماري بصمة دامغة بداخل نادي الجيش الملكي، حيث ساهم في فوز الفريق العسكري بكأس العرش في أول موسم له سنة 1958/1959، وببطولة القسم الوطني الثاني التي ضمنت له الصعود إلى قسم الصفوة. ثم بعد ذلك فرض فريق العماري سيطرته على البطولة الوطنية، وتوالت الانجازات على يد المدرب الفرنسي كليزو الذي أزاح جميع الفرق من طريقه وقاده إلى الفوز بأربعة القاب متتالية، بين سنتي 1961 و 1968. حجب فريق الجيش الملكي النور عن الجميع واتسعت قاعدته الشعبية بالبلاد، عند المشاركة في نهائيات دوري كاس محمد الخامس الذي استقطب أكبر أندية العالم في تلك الحقبة. شارك محمد العماري في دوري محمد الخامس، ولعب للمنتخب الوطني العسكري في نهائيات بطولة العالم العسكري التي احتل فيها فريقه الصف الثاني. وبالموازاة مع التألق على مستوى النادي، لعب محمد العماري أكثر من 30 مباراة دولية مع المنتخب الوطني في ظرف جد قصير، أهمها إقصائيات كأس إفريقيا سنة 1963 بغانا، ونهائيات الألعاب الاولمبية سنة 1964 بطوكيو، وكأس العرب للمنتخبات الذي أحرزه المنتخب الوطني سنة 1965.
وفي قمة المجد والعطاء، سيتعرض محمد العماري للإصابة سنة 1967/1968 ويتكلف صاحب الجلالة الحسن الثاني رحمه الله بالسهر شخصيا على العملية الجراحية التي أجريت له بباريس، وأقامه معه في نفس النزل. ومن يومها سيقرر محمد العماري الاعتزال والتوجه مباشرة لممارسة التدريب، حيث درب جل الأندية الوطنية وحقق معها نتائج ممتازة. وتبقى الظاهرة الفريدة في مشوار العماري كونه لم يتحمل مسؤولية تدريب الفريق العسكري الذي كان ينتمي إليه. ومن المحتمل أن يكون الرجل الذي رفض دائما الحديث عن هذا الموضوع قد خلع قميص الفريق وفي قرارة نفسه شيء من المرارة المطمورة . أتذكر ذات يوم، أراد أحد إخوته الصغار، وهو أحمد العماري اللعب لفريق الجيش الملكي، فقال له ناصحا: " إن لاعب كرة القدم المغربية مثل الفرس، يكون محبوبا عند صاحبه متى كان يفيده في الحصول على الجوائز والألقاب، وعندما تدخله شوكة في قدمه، ويصبح عاجزا على التنافسية، فإنه يتنكر له أو يطلق عليه رصاصة الرحمة". ولعل هذا الدرس المؤثر كان أحد الأسباب التي جعلت إخوة العماري جميعا، رغم الموهبة التي حباهم الله بها، غير ميالين لممارسة كرة القدم بجدية. ولم يوقع الشاب أحمد العماري لفريق يوسفية برشيد، في وقت كان المسيرون المحليون يخطبون وذه، وهو الجناح الأيمن المميز لفريق الدرب الجديد أيام أمجاده.
يقال أنّ الاجتهاد يتفوق على الموهبة حين تقصر الأخيرة، فكيف عندما يلتقي الاثنان في المدرب محمد العماري الذي أعاد لعدد من الفرق أمجادها الضائعة. فقد درب فريق اتحاد تواركة على مستوى القسم الشرفي، ورافقه في مرحلة الصعود إلى القسم الأول خلال موسمي 1981 و 1982، وكذلك درب النادي القنيطري، ونادي الرجاء البيضاوي، ومولودية وجدة، وشباب المحمدية، والدفاع الحسني الجديدي، وفريق القرض الفلاحي. ثم رحل إلى الخليج لتدريب الفريق الإماراتي والسويق العماني. حقق محمد العماري مع مولودية وجدة الصعود لقسم الصفوة سنة 1992، بعد نزوله إلى القسم الثاني في سنة 1989. ويعود له الفضل في تحويل نادي الرجاء البيضاوي من فريق يعتمد على الفرديات الفنية إلى فريق جماعي يلعب من أجل ألألقاب، مكنه من الحصول على أول لقب للبطولة في موسم 1987/ 1988، وأول لقب قاري في الموسم الموالي 1988/1989. وبفضله أيضا تمكن فريق الكوكب المراكشي من العودة إلى الساحة قوياً كما كان سابقاً، والظفر بثاني لقب في مشواره في موسم 1991/ 1992، بعد 32 سنة من الخيبات.
توج محمد العماري مشواره الرياضي مدربا وطنيا سنة 1982، فقاد الفريق الوطني إلى دوري بكين بالصين، وأحرز على الكأس الأولى من نوعها في تاريخ الكرة المغربية مع أبطال آسيا. وفي سنة 1983، هيأ منتخب الألعاب المتوسطية، وأدمج اللاعبين عزيز بودربالة والمصطفى الحداوي ولأول مرة في تشكيلة المنتخب الوطني. كان من الممكن أن يستمر طويلا في حقل التدريب، باعتبار السمعة الطيبة التي نسجها مع مختلف الأطراف الفاعلة في ميدان كرة القدم، لولا تفضيله الابتعاد طويلا عن الضوء، عندما وجد الطريق الذي تسلكه كرة القدم المغربية لا يتماشى مع قناعته وتربيته الكروية. "الحديث مع سي محمد العماري فيه الكثير من الأخذ والعطاء، وما يثير في هذه الشخصية الفريدة، قدرته علي قول الحقيقة كيفما كان ثقلها على اللسان"، يكتب عنه عبد الرزاق مصباح.(4). فجوابا على سؤال وجهته له صحيفة المنتخب بخصوص الاحتراف، قال محمد العماري بمنتهى الصراحة: " لا أحد يجادل في أن الاحتراف كان هو الحل في تألق الكرة الاوروبية الى مستوى أعلى، لكن شرط أن تتغير العقليات". وعن سوال حول السر في نجاحاته المبهرة أينما حل، أجاب محمد العماري: " إنه اختيار مبدئي وعمل جاد أساسهما الميول الشخصي والتكوين، مضاف إليهما دور المركز العسكري على مستوى الانضباط والجدية في العمل والاجتهاد قبل طلب المقابل المادي. ثم أن لي إيمان شخصي ونوع من القناعة يكمن في تغيير الأجواء متى شعرت أن هناك طرف يتدخل في مهامي ومسؤولياتي".

(1) صحيفة "المنتخب" عدد 08 غشت 1994
(2) موقع "البطولة" تاريخ 15/12/2014
(3) جريدة "الصباح" عدد 11 سبتمبر 2009
(4) جريدة "الاتحاد الاشتراكي" عدد 21 يوليوز 2010

Enregistrer un commentaire

 
Top