GuidePedia


حمو بلمقدم والنيران الصديقة.
بقلم: الجيلالي طهير
في صيف 1976، كنا بناصير وخناصير انحنت ورفعت الإبهام على الأكتاف، هللت له، رسمت له شارة النصر بالسبابة والوسطى. وبعد مرور 16 سنة، انقلبت الآية، طالت وتطاولت، ورفعت «البطاقة الحمراء» في وجه الإبهام، حتى انقطعت أخباره وأصبح مجرد ذكرى من الماضي. فمن هو حمو بلمقدم، الإقصاء المتصف بالإبهام ، الذي طوت صفحته الأيام ؟
الاسم: حمو بلمقدم.
تاريخ الازدياد: 1945 ببرشيد.
اسم الأب: الفقيه السي أحمد بن الشافعي.
إسم الأم: فاطنة بنت حمو.
العنوان: الدرب الجديد، زنقة أوكايمدن، رقم 26، " دار العبد" سابقا.
الجذور: حمو بن أحمد بن الشافعي بن حمو بن عبد الله بن علي بن الهاشمي. ابن أول ساعي بريد (رقاص) في تاريخ برشيد، من دوار الشيات، أولاد حجاج التيرس.
هو مناضل اتحادي ملتزم، ساهم في بناء صرح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ببرشيد سنة 1976، وأسكنه الدرب الجديد ونحن على ذلك من الشاهدين. شغل مهمة النائب الأول للكاتب العام المحلي محمد طربوز، بالمكتب التأسيسي للفرع والذي ضم قدماء مناضلي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومنهم الميص ادريس من الدرب الجديد، وخالد المكي، وعلي ولد حادة، ولحسن الحلوي، مع محمد فارابي ومحمد بلقاسم. كان عدد سكان برشيد وقتها لا يتجاوز 28 ألف نسمة، والدرب الجديد بطوله وعرضه، يحتوي على 240 منزل فقط، عددناها في الحملة الانتخابية، وحسمنا النتيجة لصالح المرشح حمو بلمقدم قبل يوم الاقتراع. كانت أحياء المدينة تضم 19 فرن منها ثلاثة أفرنة بالدرب الجديد، و 12 حمام منهم اثنان بالدرب الجديد، و10 طواحين من ضمنها واحدة للحاج المعطي طالبي بالدرب الجديد. أي بمعنى آخر، كان الجميع يعرف الجميع، ماذا يأكلون ويشربون، ماذا ويقرؤون وكيف يفكرون.
وطوال الفترة الممتدة من 1976 إلى 1992، شكل العضو حمو بلمقدم رأس الحربة للفريق الاتحادي بداخل المجلس البلدي، وكان من أشد المعارضين للسيد عبد الله القادري الذي نجح في استمالة غالبية المنتخبين الاتحاديين إلى صفه. لم يكن الرجل من المتعصبين، بل كان شخصا متفتحا له مبادئه، يؤمن بالحوار ويرفض استبداد الرأي، تحس بوجود مساحة محترمة في الأخذ والرد في الكلام معه. كان أيضا يتمتع بعلاقة جيدة مع السلطة المحلية التي احترمها فاحترمت مواقفه الثابتة وتعاملت معه على هذا الأساس. ومقارنة مع الكثيرين، لم يكن حمو بلمقدم يروج الإشاعات، لا ينقل أخبار الآخرين، ولا يتكلم كثيرا في شؤون الغير. سألته ذات مرة عن رأيه في سلفه الحاج لحسن بلعقول، ممثل الدرب الجديد في المجلس البلدي المزور، قال لي: " كان راجل دروش، لم يكن يحضر الاجتماعات، السلطة هي التي رشحته وليس له رغبة في ذلك". ومرة أخرى، حاولت جس نبضه لمعرفة الأسباب الخفية وراء إقصائه من كوكبة السباق سنة 1992، فلم يعاتبني على التخلي عن مساندتي المعنوية للحزب، واكتفى بالقول: " عرض علي الإخوان الترشح في الحي الحسني، لم أقبل، اشترطت دائرة مضمونة".
المصيبة الكبرى عند السياسي حمو بلمقدم كونه شخص نمطي. كان الأطفال الصغار يكبرون بين عام وآخر، بينما بقي الثابت فيه، مع فائق الثقة، ترك المساحات الفارغة بينه وبين المحيط الانتخابي المتجدد بدائرته الانتخابية. يكتب الأستاذ محمد عابد الجابري عن "عبد الرحيم بوعبيد الرجل الذي لا يكذب أهله"، بأن "الإنسان كائن يتشخصن باستمرار، حسب المقام وتبعا للزمان. فهو إذن ذو شخصيات. وعندما يتعلق الأمر برجل يمارس السياسة فإنه دائما يكون ذا شخصية سياسية إلى جانب شخصياته الأخرى". وعليه، فقد أخطأ حمو بلمقدم عندما لم يتشخصن ماكيافيليا حسب الظروف الجديدة، وظل على ما هو عليه يعتقد نفسه في مأمن، وكأن ظل أخيه، مايسترو جيله، بوشعيب بلمقدم، حاضر في الزمان والمكان، يحميه بالمحافظة على الإيقاع المألوف.
المسافة الفاصلة بيني وبين الأحزاب السياسية تدفع بي إلى الاعتقاد، وبثقة عالية، بأن ليس كل ما يخرج من أفواه السياسيين هو الحقيقة، وإلا فليس شغلهم السياسة. فثمة في الأحزاب وجه مظلم، والظلم موجود في كل مكان. لقد أقصي حمو بلمقدم من المشهد السياسي نتيجة انقلاب أبيض تقاطعت فيه، بطريقة أو بأخرى، مصالح متعددة. قيل، وليس الأمر بالمستغرب، تكلفت أشباح السلطة بتسريب الإشاعات المضللة من داخل الكتاتيب القرءانية وأماكن أخرى، فتلقفتها "الفوضى الخلاقة" بالدرب بكل سذاجة، وباشرت الإعدام السياسي للرجل، في بيئة قابلة لاحتضان النميمة بامتياز، فابتهجت لذلك قيادة الحزب الوطني الديموقراطي التي لم تحسن استثمار اللحظة السياسية باختيارها المرشح الخطأ، بينما ارتاحت للأمر عناصر من داخل مكتب الاتحاد الاشتراكي نفسه، وجدوها فرصة سانحة للتخلص من مناضل يضايقهم، ولم يكن ليرضى أن يفكر أحد من أجله.
كان أخونا أبا حبش، ساعي بريد مشهور يسكن جوار منزل المرشح حمو بلمقدم ، يعرف الأسرار ويتكلم الألغاز. علق على الحادثة بالقول: "حمو تبتخ، بنتخوه ولاد الدين الكلب، حتى هوا ولد دين الكلب بنتاخ". وترشح الحبشي للانتخابات، فرفض أن يقوم أي أحد بالدعاية لصالحه، لعدم الثقة، وحصل على ثلاثة أصوات، و"بالحلال يا عين". يذكرني هذا النوع من التعبير الفردي عن المشاركة في الاحتفاليات الجماعية، بشخص أخر، نسيت اسمه، كان يحتفل لوحده بعيد العرش المجيد ببرشيد. كان الشخص يضع الرايات والنخيل أمام دكانه الصغير، ويعلق على جدرانه يافطة تحمل اسمه وحرفته مع التعبير عن مشاركته الأسرة العلوية فرحتها الكبيرة بذكرى جلوس الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه الميامين.
لماذا أعدم حمو سياسيا بالأمس؟ هو الاتحاد الاشتراكي، لا جديد، وكأن القصة تحصل اليوم، ونحن نرى النضال عند البعض يساوي إعدام الحزب، بينما أصبح الحديث حول النزاع القديم المتعلق بضياع الحقوق في اقتسام "الغنيمة المعلومة" نكتة العصر. إن العقلية الانقلابية التي تعدم المسار السياسي للأشخاص والهيئات هي نفسها العقلية التي نالت من الاسم التاريخي للدرب الجديد وأعدمت بناية القيسارية الرابضة على جزء من ذاكرة المدينة. لا يمكن غير اعتبار العمليتين انقلابا، وليس شيئا آخر، لأن حدوثها كان يجب أن يحظى بالموافقة المبدئية للساكنة. غياب الموافقة اللازمة يعني أن القيسارية الشهيدة ستظل حية في وجدان شعب برشيد ، وأنهم سيستمرون وإلى الأبد بتداول اسم الدرب الجديد، رغم كتابة اسم "حي الشباب" في اليافطات واللوحات الإرشادية.
كي لا ننسى، قالت نملة يا أيها النمل، حضر الكاتب العام للفرع المحلي لحزب الاتحاد الاشتراكي سنة 2014 حفل تكريم الحاج عثمان افتيتة الذي كان هزمه بالدائرة الانتخابية حي المنى سنة 1976. وأما حمو بلمقدم، الكاتب العام بالنيابة، والدي كان زلزل الأرض، وعانى المضايقات والتعسفات، لحساب الاتحاد الاشتراكي، فلا يزال يمشي راجلا في الأسواق وبرأس مرفوعة. لم أره من زمان، فمن يتذكر هذا النمطي أو يهتم؟ الكلمة الصادقة ترد الروح.

Enregistrer un commentaire

 
Top