GuidePedia




بقلم: الجيلاني طهير

يبدأ التاريخ من لحظة الكتابة وتاريخ برشيد لم يكتب بعد، إنها المدينة بدون تاريخ.  ما أحوج الناس لقراءة هذا التاريخ النائم للتمكن من معرفة أصل الحاضر وأسرار الماضي. هو التاريخ المنتظر.

إن التاريخ الشفوي لا يعد تاريخا، والأحداث التي تدون بعد مرور قرن من الزمن أو أكثر على وقوعها لا يمكن أن تكون أمينة، لأن الخيال الجماعي يضيف للتاريخ أشياء ليست منه. فيخرج علينا من يقول أن قائد بادية أولاد حريز  كان صديق الملوك وليس الخديم الأرضى للمخزن، وأن الابن الذي أرضعته القائدية المخزنية في حضن الاستعمار الفرنسي كان من الوطنيين، أي الحزبيين الاستقلاليين. وأن قائد  المولى الحسن على الإيالة من الحجم الصغير هزم الإمبراطور الألماني ومستشاره بيسمارك، موحد الدولة الجرمانية، في لعبة الشطرنج، الخ. ( مجلة مغرب اليوم/ فبراير 2014).

هناك تاريخ مكتوب طبعا، وهو تاريخ السلالة العلوية الحاكمة، تاريخ المعارك الظافرة أو الخاسرة، وفيه بعض الوقائع والأسماء التي نستطيع التقاطها وجمعها فيما بين السطور، بداية من العصر السليماني الذي يؤرخ لنهاية السيبة ودخول الشاوية تحت طاعة المخزن. ثم العهدين الرحماني والحسني اللذان مهدا لتأسيس قيادة أولاد حريز والحكم الوراثي لعائلة برشيد. كيف حدث هذا التطور؟

عندما استسلمت قبائل الشاوية السائبة لحكم السلطان مولاي سليمان، ذهب فريق من الحلالفة أولاد حريز عند السلطان وطلبوا أن يولي عليهم صهره وابن عمه عبد المالك بن ادريس بالدار البيضاء ففعل. ولما ولى عليهم لاحقا العامل الغازي المزمزي وظلمهم الأخير، طلبوا من السلطان عزله فعزل.  كان السلطان مولاي سليمان فقيها عادلا، وبالنسبة إليه فإن قواد البوادي يبغضهم الله والرسول والسلطان والناس لأنهم محمولين على الظلم والطغيان، لا سيما وإن طالت ولايتهم وكثرت الشكاية بهم. ولذلك كان يستشير القبائل في تعيينهم وعزلهم من المنصب. ولما جاء عهد المولى عبد الرحمان ومن بعده، أعادوا النظر في توزيع خريطة الشاوية وتقسيمها إلى قيادات قزمية صغيرة، ومن ثمة أرخوا العنان لقواد البوادي والثقة بهم،  حيث اعتبروا  أن " الرعية أظلم من القواد"،  حتى طالت مدة ولاية هؤلاء  في الحكم وأصبحت بعض القيادات وراثية.

هناك أيضا إثنوغرافية محلية مكتوبة من طرف الضباط الفرنسيين  الذين كتبوا عن تاريخ  احتلال الشاوية.  وهي تكشف لنا مراحل تأسيس مدينة برشيد، ودور الأعيان الدين تم تجنيدهم   لخدمة الاحتلال.  وبعد رحيل الفرنسيين واستقلال البلاد، دخلت مدينة برشيد طور الجمود إلا من انتشار الأكواخ الخشبية، نتيجة انحصار المدار الحضري واستحواذ حفنة من الأعيان على الأراضي بداخل المدينة من غير بناء. الأمر الذي جعل المرحوم ولد عزوز، من عمال البناء لدى المقاولة الفرنسية، يقول: " البقاعي ما يقواو حتى يموت عمرو بلحبيب". ويعني أن برشيد لن تعرف  زيادة في البناء إلا بعد وفاة المحتكر عمرو بلحبيب وطرح القطع الأرضية  المملوكة له للبيع من طرف ذوي الحقوق.

لكي يكون هناك تاريخ مكتوب يجب أن يحدث تفاعل بين عناصر الذاكرة الأربع: الإنسان، الزمان، المكان، والحدث أو الإبداع  كما يحلو القول للأستاذ أحمد بوقنيطير في مقاربته للعظمة،  لأن الإبداع هو المسئول عما وصلت إليه البشرية من حضارات ومدنية ورقي في تاريخها الطويل.  ولولاه لبقيت الحياة على صورتها البدائية حتى يومنا هذا.

عادة، الناس يكتبون تاريخهم لأنهم يشعرون بالحاجة إلى الامتداد في الزمان، ولا يمكن لهم أن يكونوا مسكونين بهذا الشعور إلا إذا كانت تربطهم علاقة وطيدة بالأرض التي يسكنوننها.  ففي عهد  قواد أولاد حريز من سلالة برشيد، غاب كل ارتباط  حقيقي بالأرض، بسبب انعدام  الاستقرار وسيادة الترحال. كانت الملكية العقارية مشاعة، وكانت هناك موجات من الهجرة من مكان إلى مكان، والروابط الدموية بين الأفراد طاغية على العلاقات الاجتماعية المبنية على الانتماء للأرض.  الفضاء القبلي لم تكن له حدود قارة والنظام القائدي  المخزني  نفسه كان أقرب منه إلى النظام الفيودالي الإقطاعي حيث القائد يتحكم في أرواح الناس وأرزاقهم حسب الأهواء. يكتب الأستاذ محمد الناجي في مؤلف " التغلغل الأوروبي في القرن التاسع عشر" أن القائد برشيد كان يتنقل مع المرابين اليهود إلى الدواوير لإجبار  الملاك على التنازل على أراضيهم للدائنين وكانت تكثر الهجرات الجماعية هروبا من القبيلة. أربعون عبدا في خدمة السيد، هل من مزيد؟ لقد كان حكم آل الرشيد استبداديا يستند إلى قوة عسكرية من العشيرة ومن سائر القبيلة لأجل جباية الضرائب وإرسالها بصفة منظمة للسلطة المركزية. والقيادة نفسها كانت إقطاعية مخزنية  وراثية   لم  تترك  أي  شاهد  على تاريخها عدا قصبة صغيرة أتى عليها الزمان، كانت مقر السلطة المرادفة للحكم والظلم ومقر السجن. هذا الأخير كان عبارة  عن كهوف تحت أرضية يتكدس فيها عشرات المعتقلين   المشدودين إلى بعضهم البعض بالأغلال  من الأعناق والأرجل. عندما يلفظ أحد المساجين أنفاسه من شدة الجوع ورطوبة المكان المظلم يبقى لعدة أيام ملفوفا بالسلاسل وسط الأحياء برائحته الكريهة التي تزكم الأنفاس.

إن العناصر الأربعة المكونة للتاريخ هي نفسها العناصر التي تتأسس عليها الحضارة، باعتبارها وليدة الاستقرار وتراكم التجارب الإنسانية لعدة أجيال. إن الحضارة تناقض البداوة، وامتلاك المعرفة بالمدينة يقتضي التجرد مسبقا من صفة البداوة. ولكن  مدينة برشيد لا تزال تحتفظ بثلاثة أنواع من الأسواق ذات الطابع البدوي: السويقات اليومية منتشرة في كل مكان، والسوق الأسبوعي يخلق حالة من الفوضى، وسوق العام  الحامل لاسم المهرجان السنوي ينفق عليه  العام بطرق مشبوهة. ففي حديث نبوي شريف، يقول سيد الأنبياء عليه السلام: "أحب الأماكن عند الله المساجد، وأبغض الأماكن عند الله الأسواق". هذه النظرة السلبية تجاه البداوة نجدها أيضا عند الإمام مالك الذي يقول بعدم جواز شهادة البدوي على صاحب قرية، لأن البدو لا يضبطون الشهادة على وجهها، وهم يزورون التاريخ، وكان لديهم كره دين وجهالة في أحكام الشرع. قالت الأعراب آمنا، قل لن تومنوا ولكن قولوا أسلمنا.

 ولا يزال البدوي يشكل مصدر قلق للمدينة، لأن وجوده بها متنافر مع ثقافتها. إن رئيس المجلس البلدي لا يميز بين المسرح والثقافة،  كما يتجلى في حوار له مع موقع اليكتروني. وهناك أناس ينشغلون عن حب الأرض والتواصل مع المواطنين بأشياء أخرى مثل المركز والسلطة والمال. لقد أهدى السيد الرئيس نصفه لحزب العدالة والتنمية وبقيت المدينة بنصف رئيس. سبق وأن راسلنا سيادته  سنة 2002 في شأن الحالة المزرية للطريق الرابط بين دوار بوفروج وقنطرة دوار السحابات فأحال نائبه السيد محمد بوشنيف شكايتنا لقائد المقاطعة الحضرية الأولى بداعي عدم الاختصاص. واليوم يقوم السيد بوشنيف في دورة عمومية  ويدعي أمام الملأ عدم اختصاص المجلس البلدي في معالجة الأعمدة الإسمنتية الآيلة للسقوط بالكثير من أحياء المدينة. النائب المحترم لا تفارق الابتسامة محياه، فيقولون لا نعرف هل يضحك معنا أم يضحك علينا.  فما هي اختصاصات المجلس البلدي بالنسبة إليه إذا لم تكن هي الدفاع عن الساكنة؟  هنا مربط الفرس، إن أهم حاجز لصناعة التاريخ هو القطيعة مع المكان وعدم توثق العلاقة بالأرض وعدم الشعور بالانتماء. ومن لا يؤمن بثقافة التواصل من خارج حزبه لن يفعل معروفا ويغرق في بحر المشاكل.

هناك من يرى أن الحضارة مرادفة للثقافة، وهناك من يعرف الحضارة بالمعنى اللاتيني بأنها مشتقة من المواطنة. ونحن نستغرب كيف لصحيفة  محلية تكتب في افتتاحيتها أنها " رائدة التميز"  وتنشر في نفس العدد مقالا  يستهجن تعيين موظف عمومي، على رأس أحد الأقسام  الإدارية بعمالة إقليم برشيد، لكونه من مواليد مدينة سطات. إن صاحب المقال يطرح السؤال "أين دور المجتمع المدني البرشيدي؟"، وهو  نفسه  ينطلق من القبلية الضيقة  المعاكسة للمواطنة والمجتمع المدني ( صحيفة الشاوية، عدد 05 اكتوبر 2014، ص: 03). لنعترف أنهم يأتون  برشيد نقاء والشياطين منا وفينا يعبدون لهم طريق الفساد. لا يطلبون منهم كبش العيد، ويأتونهم كل بكباشه،  تلك نقطة البداية.

في " لسان العرب" لابن منظور نقرأ: " بدا يبدو أي ظهر. وقيل للبادية بادية لبرزوها وظهورها، فإذا خرج الناس من الحضر للمراعي في الصحاري قيل قد بدو. وكل شيء أظهرته فقد أبديته".  ليس خافيا أن من سمات المجتمع البدوي  المباهاة والتفاخر وحب الظهور.  أحد أعمدة الفقه العقاري ببرشيد  لا يدفع أكثر من درهم  صدقة ، ولما قرأت دماغه إحدى المتسولات أصبحت تمد يدها له  كلما رأته في حديث مع زبون من الوجهاء،  لتحصل منه على  20 درهما ورقة. يفعل دلك  ليظهر للزبون أنه غني، ولا يتعامل بالقطع النقدية الصغيرة. الله يرانا يا بوعزة.  يحدث ذلك في برشيد، مزبلة الكارة، الشعار المعفر، الطرق المحفرة، القيسارية المحنطة، إدارة الجمارك الراحلة، الأشجار الزواحف بشارع محمد الخامس، مخيم حمير الباعة الجائلين، المنتخبون الحجاج، القنطرة لنا لا لغيرنا، حرب العيطة، قدماء يوسفية برشيد المنسيين، وقل ربي زدني علما.

إن البدو أبعد الناس عن صناعة التاريخ. وما ينقص برشيد هو صناعة الحدث، أي الإبداع الذي يعني خلق شيء مغاير وليس مجرد محاكاة شيء موجود. ما أكثر الدين يسمونهم الأعيان حين المناداة عليهم بمكبر الصوت في مهرجان الفروسية،  لكن برشيد تحتاج إلى مبدعين وليس إلى "حانوتية" يحتفلون باحتضار المدينة على طلقات البارود. 

الحق الحق، إن أهم حدثين تاريخين عرفتهما برشيد في العقود الأخيرة يتمثلان في القضاء على مدن الصفيح على يد مجلس الحزب الوطني الديموقراطي وتقوية البنية التحتية  للمدينة من طرف مجلس الاتحاد الاشتراكي.  وإن ترقية برشيد إلى عمالة لا يمكن اعتباره حدثا تاريخيا، لكونه لم يعط قيمة مضافة ولم تصاحبه أية نقلة نوعية إن على المستوى  الخدماتي أو  على مستوى جمالية المدينة: مدينة شعارها  مهان، مدينة فاقدة الكرامة.

أنت لست مبدعا، وأنت تخطئ، وما بعد؟ ! كم من الأمور تركت بجهلها !

Enregistrer un commentaire

  1. كلمات مكملة سقطت خطأ من المقال ويجب القراءة كالتالي:

    - هذه النظرة السلبية تجاه البداوة نجدها أيضا عند الإمام مالك الذي يقول بعدم جواز شهادة البدوي على صاحب قرية، لأن البدو لا يضبطون الشهادة على وجهها، وهم ينتحلون الشعر والشرف، ويزورون التاريخ والأنساب، وكان لديهم كره دين وجهالة في أحكام الشرع. فأول من رفع راية الإسلام سكان المدن، وقالت الأعراب آمنا، قل لن تومنوا ولكن قولوا أسلمنا.

    -إن البدو أبعد الناس عن صناعة التاريخ. وما ينقص برشيد هو صناعة الحدث، أي الإبداع الذي يعني خلق شيء مغاير وليس مجرد محاكاة شيء موجود، مثل تكرار العيطة والفانتازيا عند العاشقين الغبار والأسفل. ما أكثر الدين يسمونهم الأعيان حين المناداة عليهم بمكبر الصوت في مهرجان الفروسية، لكن برشيد تحتاج إلى مبدعين وليس إلى "حانوتية" يحتفلون باحتضار المدينة على طلقات البارود

    RépondreSupprimer

 
Top