GuidePedia


هدم


بقلم: الجيلاني طهير


الحلقة السابعة :  مسلسل الهدم والبناء


أغلق المسجد الأعظم في وجه المصلين، مخافة سقوطه فوق الرؤوس، وبعد هدم جدرانه،  ظلت الصومعة اليتيمة  واقفة لوحدها وسط  الركام، لسنوات طويلة، لا يقربها غير المؤذن للإعلام بأوقات الصلوات الخمس.


 في انتظار الشروع في عملية  البناء، كان المصلون  يترددون على الزاوية التيجانية ، الكائنة  بالجهة الجنوبية - الغربية  لبناية القيسارية. ولأن الأمر كان يبدو غير طبيعي، فإن زوار مدينة برشيد كانوا يقولون عن أهلها: " موالين برشيد، ما قالوا مهابيل حتى مهابيل، يؤذنون في جهة، ويصلون في جهة أخرى".


خلال شهر رمضان المعظم، وضع الحاج محمد ولد سليمان مستودعا صغيرا رهن إشارة المؤمنين لأجل صلاة التراويح.  كان  الفصل صيفا، والأطفال يحبون  اللعب ب " العظومة ديال  لكبال"، التي  تربط  بخيط وترمى في الهواء.  وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان، احتكت  أحد  الأسلاك  الكهربائية ، المعلق عليها  "عظم الكبال"، ببعضها البعض،  وأحدثت  شرارة  نارية في السماء.  عندئذ اهتز المسجد الصغير بالدعاء والابتهال  اعتقادا من المصلين بنزول سيدنا قدر، في الليلة المباركة.


عهد بإنجاز مشروع  إعادة بناء المسجد للمقاول احساين عبدالله بندحو، ابن التهامية أخت الشيخ الوزاني.  وأسندت  الدراسة  للمهندس المعماري قادر فارس (1922/ 1979)، وهو أحد تلامذة أنتوان مارشيزيو وتيراس، كان سبق له وأن اشتغل مستشارا فنيا بديوان الوزير الاستقلالي الدويري. 


 كلفت الدراسة الهندسية للمشروع ما يقرب من خمسة آلاف درهم، وأنفق ما يعادل  المبلغ  ألمذكور على صوائر الهدم ونقل الأحجار والأتربة.   في حين بلغت  تقديرات الأشغال المنجزة من طرف المقاول عبدالله بندحو احساين حوالي 350 ألف درهم، لكنه لم يحصل سوى على مبلغ  280 ألف درهم، المتبقي في حساب الجمعية بعد  تأدية صوائر الدراسة والهدم.


كان  المشروع  يتضمن محلات تجارية، بالجهة الشمالية للمسجد،  مخصصة للكراء. وبسبب العجز المالي في صندوق الجمعية، بقيت تلك المحلات أطلالا، حال القيسارية في الزمن الحاضر مع رئيس المجلس البلدي.


 كبار أولاد حريز لم يكن ينقصهم المال، وإنما ينقصهم الإيمان القوي بالله.  كانوا يقدسون الأرض وقبب الأولياء، ويقدمون القرابين للمخزن ليغض الطرف عن زلاتهم وسرقاتهم. والله تعالى يقول بخصوص عبادة الأرض: "حتى إدا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا".


لا يأخذنك العجب وأنت تسمع أحد العوام في بيت الله، يرفع رأسه للسماء ويقول : " آسيدي عمرو بن لحسن خلي لي صحيحتي".   فتلك أحد الرواسب المتبقية من الديانة الرومانية بتا مسنا قبل دخول الإسلام. إن Tellu" تلوس ماتر" كان أبرز الآلهة التي عبدها الرومان الأوائل، وهي الإلهة الأم، إلهة الأرض. وفي مرحلة لاحقة من تاريخ ديانتهم أقام الرومان هياكل ومعابد، أخذت شكل أضرحة الصالحين بعد رحيل الرومان، واعتناق السكان الأصليين الإسلام.


واقع الأمر أن برشيد كانت لا تزال في وضع المركز المستقل، وهي المنزلة ما بين المدينة والقرية، بين الجماعة الحضرية والجماعة القروية. أي أنها لم تكن ترقى لمرحلة التمدن. وفي هذا الشأن يكتب رفاعة الطهطاوي، ويقول: "لكمال التمدن واسطتان مقومتان إحداهما تهذيب الأخلاق  بالآداب الدينية والفضائل الأساسية المطهرة من الأرجاس ".


نحن الآن في عصر البلدية ومدينة 14 مسجدا. إدا لم يتغير أي شيء عند المخلوق البشري عدا المزيد من الأسمنت فوق الأرض. فإن ابن خلدون، المعلم الأول، يرى أن التقدم المدني يدفع بعض الناس إلى الإقدام على  المحظورات التي إن نمت تعرض التمدن إلى الاضمحلال والتلاشي. أما المفكر الجزائري مالك ابن نبي فيرى  الأمور مرهونة بما نصت عليه الآية القرءانية: " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".


 يتبع....

Enregistrer un commentaire

  1. اتصل بنا أحد الإخوة من قدماء برشيد، ومتتبعي موقع برشيد نيوز، بعد قراءته لإحدى حلقات تاريخ المسجد يقول:
    " كنت أشتغل خلال سنة 1971 بمدينة تزنيت مع صديق يشتغل طبيبا بيطريا اسمه موحا زلماط، هو ابن عم رئيس دائرة برشيد علي زلماط. كان أعطاني رسالة وطلب مني أن أحملها إلى رئيس دائرة برشيد. استقبلني المعني بالأمر ورحب بي، وبعد تبادل أطراف الحديث قال لي: ألا ترى بأن سكان الجنوب يهتمون بالدين وبناء المساجد. وأنا في برشيد وجدت المسجد منهارا، ولما طلبت من كبار القبيلة المساهمة في أشغال المسجد، توصلت ب 147 طلب يتعلق بفتح حانات للخمور و 5 طلبات فقط تتعلق بالمساهمة في بناء المسجد".

    RépondreSupprimer

 
Top