GuidePedia


كتاني


الجنرال الكتاني وولي العهد المولى الحسن ( الحسن الثاني)


بقلم: الجيلاني طهير


استمرار العلاقة بين الأحياء والأموات، وفاء لهولاء، مضاف إليه نوع من الأحاسيس يربط  الضابط العسكري بالإطار السامي، الأعلى منه مرتبة، تولد عنه تمجيد البطل الذي يطلق اسمه على كل شيء، من الشوارع إلى المدارس: الجينرال الكتاني.


الجينرال الكتاني بن حمو الحاج الدقوني  المتخرج من مدارس برشيد  ليحلق في أعلى المراتب العسكرية، كأول جينرال في تاريخ القوات المسلحة الملكية، يغادر من جديد مدارس برشيد،  بعد نحو مائة سنة، وهذه المرة إلى الأغوار،  نحو المجهول، لمعانقة النسيان، وكأنه مكان.  استطاع الرجل أن يشق طريقه بالكد والجد لما كان بعض كبار أولاد حريز يرشون القناصل لإعفاء أبنائهم من الالتحاق بالمدرسة. واليوم، أولئك الذين يحطمون مدرسة الجينرال الكتاني، في صمت الغابة الرهيب، لا يفعلون سوى قتل ذاكرة برشيد.  هم في نفس الوقت يقطعون الأشجار السامقة  بداخل الحدائق العمومية، بطريقة ممنهجة،  لإجبار طائر " طير بقر"  على  المغادرة وترك المدينة. إلى أين؟  سيعود وسيبقى، لأنه بدوره راض عن حكمهم. من فضلكم، اغرسوا الورود، وأعيدوا للحدائق بداخل المدينة العتيقة زينتها، حتما ستأتي الفراشات والعصافير الجميلة، و سيغادر الطائر الذي يكره النظافة ويعشش في الأماكن المهملة أو المهجورة. في أي عهد  دمرت مدرسة الجينرال الكتاني؟  " بغا يسلق بيضة حرق دوار". وكأن الأمواتيقتلون الأموات، وإن اغتالوا المدرسة، فالجينرال أكبر، اسمه سيبقى مخلدا في السجل الذهبي للقوات المسلحة الملكية الباسلة، وفي مذكرات الساسة الكبار العظام.


1, الجينرال الكتاني وخطاطيف الموت.


 من سخرية الأقدار أنه في الوقت الذي كانت تسيل فيه الدماء المغربية  الزكية على أرض الوطن برصاص قوات الاحتلال الفرنسية. كانت نفس الدماء الغالية تروي الجبهة الفرنسية الألمانية من أجل إنقاذ فرنسا من براثن النازية. وقد برز اسم الجينرال الكتاني في الحرب العالمية الثانية وكان الضابط المغربي الوحيد الذي بلغ رتبة جينرال في الجيش الفرنسي وعمره لا يتجاوز آنذاك 44 سنة.


 أطلق على الجنود المغاربة المشاركين في الحرب العالمية الثانية تسمية "خطاطيف الموت"  لشجاعتهم الأسطورية. وأثناء اندلاع الحرب المغربية_ الجزائرية على الحدود شاهدناهم، ونحن صغارا،   يشكلون طابورا طويلا أمام المستشفى الأهلي من أجل الكشف الصحي، استعدادا للذهاب إلى الجبهة. وكان البعض منهم يصرخ غيضا عندما تتم تنحيته بسبب العجز أو المرض.


 كان المحاربون يعتنون أكثر بشواربهم الطويلة لاعتقادهم أنها تشكل رمز الرجولة والفحولة. لشاب اليوم موضة أخرى يتبعونها في حلق الرؤوس والشوارب، دلك حقهم الطبيعي،  لأن لكل زمان رجالاته. لا بأس أن يعرفوا بأن المخزن كلما أراد معاقبة كبير قوم شق عصا الطاعة أمر بحلق شاربه ولحيته، ليسلبه رجولته. وفي أحد بلدان المشرق العربي كانت السلطات تحلق الشوارب للمتمردين وتجبرهم على اختيار  أسماء خاصة بالنساء، وكلما نودي على أحدهم باسم امرأة، يجبر عليه تلبية النداء، أمام مرآى ومسمع من نساء القبيلة.


2. الوفاء للعرش الملكي


بعد فشل سلطات الحماية في إبعاد الملك محمد الخامس عن العرش، حاولت إيجاد صيغة لتنحية محمد ابن عرفة، الذي نصبته ملكا،  عن طريق تفويض السلطة الملكية إلى "مجلس التاج"، في انتظار عودة محمد الخامس. فاقترحت  بداية على الجينرال الكتاني أن يصبح عضوا في المجلس المذكور، إلى جوار  المقري الصدر الأعظم الذي يجسد المخزن من جهة ، وباشا أكادير الذي كان من أتباع الكلاوي من جهة أخرى، للقيام بدور الطرف المحايد الذي يضمن للسلطة الفرنسية الامتياز. كان الجينرال الكتاني الضابط المغربي الوحيد الحاصل على أسمى الأوسمة في الجيش الفرنسي، فأرسل على متن طائرة  رئاسة الجمهورية الفرنسية  من باريس إلى البرتغال، حيث يقيم الجنرال نوكيس المقيم العام السابق بالمغرب،  الذي كان له تأثير قوي عليه ، لكونه كان يعمل تحت إمرته، من أجل إقناعه بالقيام بالمطلوب. إلا أن ذلك كان جهدا ضائعا، يكتب ادغار فور في مذكراته. فقد رفض الكتاني الاضطلاع بهذا الدور  لأنه حتى وإن كان عسكريا تحت الراية الفرنسية فهو من مؤيدي الشرعية، مثله في ذلك مثل الغالبية الكبرى من المغاربة.


Le colonel repoussa cette mission suspecte et déclara qu’il voyait dans Mohamed Ben Youssef, « le Roi légitime, le descendant du prophète et l’Imam cité dans les prières ».


إن ملك المغرب يحمل لقب أمير المؤمنين وتقام الصلاة باسمه. ويستحيل أن تقام الصلاة باسم مؤسسة جماعية، وهي " مجلس التاج" مع ذكر القائمين على هذا المجلس كل واحد باسمه.


2. تأسيس الجيش الملكي


 بعد حصول المغرب على الاستقلال التحق  الجينرال الكتاني بالوطن الأم. وفي شهر أبريل 1956، أمر الملك محمد الخامس ولي العهد مولاي الحسن بتأسيس الجيش الملكي. وفي شهر مايو 1956 استدعي الكتاني  من ألمانيا، ، وتمت ترقيته من رتبة  عقيد إلى جنرال دي بريكاد، ليصبح أول ضابط   يحمل رتبة  جنرال في تاريخ المؤسسة العسكرية المغربية. أعلن بعد تأسيس القوات القوات المسلحة الملكية  في مايو 1956 ، أن رتبة ضابط ستمنح لكل قائد  في المقاومة أقنع مائة أو أكثر من من أنصاره بوضع السلاح، وأصبح مئات المقاومين ضباطا في الجيش  الملكي. عهد إلي الكتاني بتأطير هده  النواة الأولى من الضباط لهيئة الأركان بالقوات المسلحة الملكية  قبل تخرج أول فوج من الضباط الشباب من المدرسة العسكرية  تحت قيادته. ينتمي السيد عبد الله القادري، الرئيس السابق للمجلس البلدي لبرشيد،  للفوج  الأول  الحامل لاسم " فوج محمد الخامس". ووفاء للجينرال الكتاني  الذي خصه بالرعاية في بداية مشواره العسكري، لانتسابه لمسقط رأسه،  فقد أطلق اسمه على أحد الشوارع الرئيسية  و مدرسة ابتدائية  بالمدينة.


3. قضية عدي وبيهي


كان  القائد عدي وبيهي رجل فرنسا، سهل مهمة جيوش الاحتلال الفرنسي بالأطلس الكبير الشرقي حيث صاحبها أينما حلت وارتحلت، مساهما بالرأي، ولكنه لم يشارك في مؤامرة غشت 1953 التي ساهم فيها معظم القواد والباشاوات، تماما كما فعل محمد برشيد، قائد أولاد حريز مع فرنسا عند احتلال الشاوية وأثناء نفي السلطان محمد الخامس.


 في يونيو 1947، زعمت سلطات الحماية الفرنسية أنه مجنون ونفته إلى برشيد، حيث وضع تحت الإقامة الإجبارية بأحد المنازل بالقيسارية، بالقرب من الزاوية التيجانية.  بعدما عبر عن غضبه  بتعليق الأوسمة والنياشين التي منحتها له السلطة الفرنسية في عنق كلب وأحضره معه لمراسيم  الاحتفال الرسمي  بذكرى 14 يوليوز،  وهي مناسبة العيد الوطني لفرنسا.


أصبح القائد عدي وبيهي عاملا على إقليم تافيلالت في أواخر سنة 1955 و في 17 يناير سنة 1957  أقدم على إغلاق مكتب حزب الاستقلال بميدلت وحظر على جميع أعضاء حزب الاستقلال الإقامة في منطقته، بهدف الدفاع عن العرش وحمايته من دسائس الحكومة التي شهدت سيطرة الاستقلاليين على حقائبها الوزارية. ونظرا لغياب الملك محمد الخامس الذي كان يقوم بزيارة إلى إيطاليا،  أرسل ولي العهد الأمير مولاي الحسن كتيبتين من الجيش الملكي لإعادة النظام، تحت قيادة الجنرال الكتاني. استسلم العامل المتمرد ورمي السلاح، مثبتا أن ثورته لم تكن في وجه الملك محمد الخامس أو النظام الملكي، بل ضد حزب الاستقلال،  واصطحبه الجينرال الكتاني إلى العاصمة الرباط بعد أن وعده بالأمان.


وفي سنة 1959 أصدرت المحكمة الحكم بإعدام أوبيهي، لكن الحكم لم ينفذ، ليلزم السجن، رفقة بقية المعتقلين إلى سنة 1961، بعد أن أصدر الملك الحسن الثاني أمره بالعفو عنهم . نقل  العامل عدي وبيهي  إلى مستشفى ابن سينا بالرباط  للعلاج بعد إصابته بنوبة صحية مفاجئة، ليسلم الروح، ودفن بمراسيم مميزة.


4. قضية الكونغو


وفي سنة 1960 أشرف الجينرال الكتاني على قيادة القوات المغربية المكلفة بالحفاظ على الأمن بالكونغو، تحت راية الأمم المتحدة، واصطحب معه الضابط عبد الله القادري.  كانت بلجيكا  قد اعترفت باستقلال الكونغو في شهر يوليوز 1960، وبضغط من الحلف الأطلسي عاد المظليون البلجيكيون إلى احتلال العاصمة الكونغولية . كان هناك الوزير الأول باتريس لومومبا كزعيم وطني، وجوزيف كازافوبو كرئيس للجمهورية الكونغولية، ومويز تشومبي حاكم إقليم كاطانغا الغني بمعادن الماس والذهب، الذي أعلن  التمرد عن الحكومة الشرعية وأعلن استقلال الإقليم.


طلب باتريس لومومبا تدخل الأمم المتحدة، وفي  طريق عودته من نيويورك يوم 5 غشت 1960 توقف بالمغرب وطلب من  الملك محمد الخامس مساهمة القوات المسلحة الملكية في الدفاع  عن الشرعية السياسية بالكونغو تحت راية الأمم المتحدة. واستجاب الملك الراحل لندائه.


كان العمل الذي أسند للقوات المغربية يتعلق بدعم الحكومة الوطنية التي يشرف عليها باتريس لومومبا والإشراف على تكوين النواة الأولى للجيش الكونغولي حيث وقع اختياره على ضابط الصف موبوتو سيسيكو الذي سيصبح فيما بعد رئيس دولة زائير. راهن الاستعمار على جوزيف موبوتو الذي اعتقل باتريس لومومبا وأعضاء حكومته وسلمهم لتشومبي الذي أشرف على اغتيالهم،  تحت أنظار القوات الأممية تحت إمرة الجنرال الكتاني،  الذي كان لها موقف سلبي تجاه الأحداث.


 كتب عبد اللطيف جبرو بأن الاتحاديين كانوا في المعارضة والاستقلاليين كانوا في الحكومة لحظة اغتيال الزعيم الإفريقي باتريس لومومبا. وقبل يومين من وفاة الملك محمد الخامس، قالت جريدة التحرير يوم الجمعة 24 فبراير 1961 بأن الحكومة المغربية طلبت من الكتاني إعداد تقرير في الموضوع، وأن الجنرال ربما قدم استقالته بعد التصريحات التي أدلى بها لجريدة "لوموند" الفرتسية، وصف فيها موبوتو بالرجل الوحيد القادر على قيادة الجيش الكونغولي، وتساءلت كيف يعقل أن يتبنى الكتاني رجلا عميلا للاستعمار والامبريالية. أما جريدة العلم فطالبت يوم السبت 25 فيراير 1961 بالتحقيق مع الجينرال الكتاني وبمحاكمته إن أتبث التحقيق ما يدينه. بينما قال مولاي أحمد العلوي وزير الأنباء والسياحة بأن لا وجود "لقضية الكتاني".


بعد أيام كان الجنرال وسط الضباط الدين ساروا في جنازة الملك محمد الخامس، وانتهت بدلك "قضية الجنرال الكتاني". وفي وقت لاحق، سينصف أحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو الفقيه البصري،  الجينرال الكتاني في شهادة قال فيها  أن هذا الأخير ربط الاتصال بقادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأرسل إليهم رسالة  شفوية عن طريق الكوماندان البشير البوهالي يخبرهم فيها أنه ليس  الجهة التي  تقرر تحركات القوات الأممية، وأنه فقط  ينفد  أوامر وتعليمات عسكرية تستلزم الانضباط، وله ما يثبت ذلك.


5. موت الجينرال
















une syncope


في بواكير الستينات، توفي الجنرال الكتاني  بعد فقدان الوعي.


" رجل شريف، عاش متواضعا، لم يهتم بغير بمشواره العسكري، لم يبحث قط عن الثراء، ولم يترك أي ثروة"، هكذا يلخصون سيرته الذاتية.


 « honnête homme, ayant vécu simplement, préoccupé de sa seule carrière, il ne s’est pas enrichi et n’a pas laissé de fortune ».

Enregistrer un commentaire

 
Top