GuidePedia




بقلم : ذ مصطفى صابر

عن عمر ناهز 81 سنة، انتقل إلى عفو الله، الجمعة 13-6-2014 بالرباط، المُفكر وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة، حيث علم لدى مصادر مقربة من الفقيد، أنه فارق الحياة ببيته بالرباط، بعد معاناة طويلة مع المرض، على أن مراسيم الدفن قد جرت يوم السبت بمقبرة الشهداء بالرباط.... مصادر مقربة من عائلة الفقيد قالت لـ "الصحافة الورقية والالكترونية" إن المهدي كان يعاني من حالة صحية جد حرجة خلال الأشهر القليلة الأخيرة، لا يستطيع معها التحرك ولا الكلام، وهو الأمر الذي منع عددا من مُحبيه ومعهم الأساتذة داخل وخارج المغرب، من اللقاء معه والاطلاع من قريب على أوضاعه، وكان عدد من الطلاب والباحثين والأساتذة الجامعيين من محبي الراحل قد أطلقوا قبل شهرين حَملَة الكترونية لمساندة عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة، بعد دخوله في حالة صحية جد حرجة، وهي الدعوة التي انطلقت تحت اسم "مَعاً من أجل تكريم الدّكتور المهدي المنجرة بالمغرب"، واختارت يوم 13 مارس يوما عالميا للاحتفاء بالمنجرة، وتطالب من خلاله بفكّ الحظر والمنع وإزالة التهميش الذي يطاله نتيجة مواقفه الوطنية.

ويعد الراحل المنجرة من أبرز علماء الدراسات المستقبلية في العالم، إذ أصبح مع تراكم تجربته داخل وخارج المغرب، أحد أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدولية والدراسات المستقبلية، كما عرف بمواقفه المثيرة للجدل الموجهة لعدد من المنظمات الدولية، التي جال كثيرا من دهاليزيها، عربيا ودوليا. يشار إلى أن المهدي المنجرة، الذي ازداد بالرباط في 13 مارس 1933، أتم دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على إجازة في الكيمياء والعلوم السياسية، كما تولى مهمة مدير الإذاعة والتلفزيون سنة 1954، إضافة إلى شغل عدة مناصب علمية رفيعة، وساهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، وحاز جوائز علمية وطنية ودولية كبرى. وتولى المنجرة رئاسة لجان وضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية، وشغل عضوية العديد من المنظمات والأكاديميات الدولية، وعمل مستشارا ببعضها.

وقد ألف المهدي المنجرة العديد من المقالات والدراسات في العلوم الاقتصادية والسوسيولوجيا ومختلف قضايا التنمية؛ وتبقى من أهم مؤلفاته: "نظام الأمم المتحدة" (1973) و"من المهد إلى اللحد" (1981) و"الحرب الحضارية الأولى" (1991) و"حوار التواصل" (1996)، و" عولمة العولمة" (1999)، و"انتفاضات في زمن الذلقراطية" (2002) و"الإهانة في عهد الميغاإمبريالية" (2004)، و آخرها كتاب "قيمة القيم" (2007).

قبل شهور تم توشيح بعض الأشخاص دون أن يقتنع أحد بمبررات التوشيح، بالأخص حينما ظهرت أسماء نكرة من بينهم من لم يقدموا أية خدمات، لا للمغرب ولا للمغاربة ولا للقضايا الوطنية، وبعضهم لم يخدم إلا نفسه ومصالحه الخاصة وطموحه الشخصي.. وكان من بين الذين انتقدوا هذه الحالة كاتبات المغرب عن طريق رابطتهم التي وصفت إقصائهن بالجريمة، نفس الموقف كان بالنسبة للإعلام والإعلاميين.

ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها تبخيس أهلية وكفاءة وقيمة بعض الوجوه المضيئة والأسماء الكبيرة من أبناء المغرب البررة الذين يحبون المغرب بالفعل ويحملونه في قلوبهم وعقولهم ووجدانهم، بل وقدموا له الخدمات الجليلة ولمواطنيهم وأسهموا في التعريف به وبتاريخه وفكره وعظمة شعبه المكافح الصبور. فكيف يمكن لوطن أن يكون جاحدا لهؤلاء، وما أكثر عددهم وعطائهم وتضحياتهم وإبداعهم؟ العالم الجليل المهدي المنجرة واحدا من هؤلاء الأبناء البررة، الشرفاء والنزيهين، لم يتم تجاهله فقط، بل تمت محاربته والتضييق عليه وعرقلة تواصله مع مواطنيه وطلبته والمعجبين به، حتى أن أخباره ومرضه ومعاناته يتم التعتيم عليها.

المهدي المنجرة، رحمه الله، لم يحمل سلاحا في وجه الفاسدين والانتهازيين، ولم يزاحمهم في المناصب والإكراميات ومصائب وفضائح الريع الاقتصادي والسياسي، ولم يضايقهم في الترشيحات المخدومة، ولم ينهب مالا ولا استغل منصبا. المهدي المنجرة، فقط كد واجتهد وعانى ليقدم لبلده ومواطنيه عصارة فكره الثرى وعلمه الغزير وتحذيره من مغبة سرقة هذا الوطن ومصادرة حق ابنائه في الحرية والكرامة والمساواة والعدل. فانظروا كيف عاملوه ويعاملونه؟ انظروا كيف يزايدون علية ببضعة أسماء ملطخة أفكارها ومقاصدها وتصرفاتها؟انظروا كيف ينسون أفضاله على بلده ومئات من مواطنيه الذين تتلمذوا على يديه واستفادوا من علمه؟ طيلة حياته، عندما كان معافا وفى صحة جيدة وقادرا على الحركة، كان وحيدا يحذر الإنسانية، بالأخص العرب والمسلمين، من أنهم سيمرون بأوقات صعبة في مواجهتهم لقوى الشر والطغيان المتحكمة في مفاصل السياسة والاقتصاد الدوليين، خصوصا منهم الصهاينة والأمريكيون المحافظون والمتطرفون، والغرب بصفة عامة.

اليوم، المهدي المنجرة مات جسدا ولأنه مر بظروف صحية صعبة معزولا في بيته، متأسفا على الحالة التي كان يحذر منها كل سنة، في شهر يناير، ومنذ أكثر من عشرين سنة، ألزم نفسه بطواعية وأريحية بتخصيص جائزة الكرامة وتقديمها للذين يساهمون في خدمة القضايا العادلة للإنسانية وفي سبيل سعادة البشر. تمر أكثر من أربع سنوات لم تقدم فيها هذه الجائزة الرفيعة، ولم نكن ندرى ماذا حل بها، إلى أن انتبهنا إلى معاناة المفكر الفذ، المهدي المنجرة مع مرضه وعزلته التي فرضت عليه قسرا من طرف المنافقين والانتهازيين والجهلة، من من يعتبرون أنفسهم قيمين على الشأن الثقافي والفكري والعلمي، سواء داخل المغرب أو غيره.

" جائزة الكرامة" سلمت لكل من السادة: للمفكر والعالم الدكتور المهدي المنجرة بن سعيد آيت ايدر: المقاوم والسياسي النزيه، الذي كان رئيسا لحزب يساري وعضوا في البرلمان المغربي، حسن الراشدي: الصحافي المغربي والمدير السابق لمكتب الجزيرة بالرباط، ومنتظر الزايدي: الصحافي العراقي الذي رشق بحذائه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش.. كما تعتبر جائزة الدفاع عن الكرامة، منذ 1989 والتي تنشأها المنجرة بعد نشره لكتابه:الحرب الحضارية ألأولى كاستمرار لجائزة:.... وقدمها لأول مرة منذ عام 1992 واستمر في تقديمها في اليوم السابع عشر من شهر يناير من كل سنة، كتخليد وتذكير للحرب الدموية والتدميرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها عام 1991 على العراق وشعبها، منذ ذلك تاريخ العدوان الامريكي على العراق سنة 1991 قدمت الجائزة إلى شخصيات ومؤسسات وطنية ودولية مشهورة في مختلف المجالات، في السياسة والفنون والموسيقى والثقافة والصحافة والبحث العلمي، كما أن الكثير من الجنسيات نالت حظها من الجائزة، من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والعراق والبوسنة وايرلندا وفلسطين والدانمارك وايطاليا وفرنسا والمغرب وغيرها من الجنسيات. تجدر الإشارة إلى أن الدكتور المنجرة كان أول من لامس نظرية: صدام الحضارات قبل صامويل هانتنغون.

تقول عنه موسوعة ويكيبديا: المهدي المنجرة مثقف ومفكر وعالم الدراسات المستقبلية، يعتبر أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدولية والدراسات المستقبلية. حاز على أكثر من جائزة في أكثر من بلد، جال كثيرا من دهاليز المنظمات الدولية وبلغ بداخلها أسمى المناصب وندد بمواقفها في قضايا الحاضر والمستقبل، على المستوى العربي والدولي اشتهر بكونه المؤلف الذي نفذت طبعة كتابه: الحرب الحضارية الأولى في اليوم الأول من صدورها، واعتبرت كتبه الأكثر مبيعا في فرنسا ما بين 1980 و 1990.. يؤلف في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ويهتم بالخصوص بقضايا الحقوق والعولمة والقيم والاستراتيجيا والتنمية وثنائية التطور والتخلف. يتقن عدة لغات ويؤلف بالعربية والفرنسية والإنجليزية واليابانية طرد من ثانوية ليوطي سنة 1948 لأسباب سياسية إذ كان يواجه الأساتذة الفرنسيين ويناقشهم بحدة فيما يخص موضوع الاستعمار الفرنسي للمغرب حينها، وحينها أرسله أبوه لدراسة الثانوي في أمريكا، وكان أول طالب عربي يدرس الثانوي في أمريكا نال الإجازة في الكيمياء، وفي العلوم السياسية.. حصل على جائزة من الإمبراطور الياباني عن بحث بخصوص أهمية النموذج الياباني بالنسبة للعالم الثالث. إن وفاة السي المهدي وفاة جسدية لا فكرية، إنه فكر يمشي بيننا ويخيف أعداءه في الدنيا والآخرة.. إن وفاته وفاة رجل بالمفهوم الإسلامي في زمن قل فيه الرجال، إن وفاته وفاة أمة تنتظر من يبعثها من جديد إذا أتيحت له الفرصة في زمن الخنوع والانبطاح.








Enregistrer un commentaire

 
Top