GuidePedia


10468091_847265585302113_3070269607541959013_n


بقلم: الجيلاني طهير


 أصبحت برشيد عمالة لتزداد جمالا، تلك أمانينا. ليتها ما أصبحت كذلك، وهي كانت أجمل عندما لم تكن سوى بلدية.  والسبب؟ أصبحت ذات مرة أرملة ثرية أورثها المختفي الاتحاد الاشتراكي فائضا ماليا كبيرا، ومشاريع مهمة في طور الانجاز، ورصيدا عقاريا لا يستهان به. ولأن كل مليحة تعشق، طمع فيها خلق كثير من المسنين،  وعدوها بالسعادة   في أوراقهم الانتخابية.  لم ينتبه أحدا منهم أن تركة الهالك تخفي ديونا مطمورة تفوق الخيال.


هي هنا ثلاثة عوائق تشوب عمل المجلس البلدي نتعرض لها بالتحليل: الشيخوخة والترهل، برودة المشاعر، وغياب بعد النظر وروح المسؤولية.


لقد غزا الشيب مفرق مدينة العنفوان، حتى لتبدو اليوم وكأنها مرشحة لولوج غرفة الإنعاش العقاري،  و يحفظها الله من الكراسي المتحركة. هناك فجوة كبيرة تفصل بين شباب برشيد وبين السياسة عموما وبين الأحزاب السياسية بوجه خاص. لا أثر  في المدينة  لإرادة شبابية،لو استثنينا لائحة "الحركة لمغرب البركة"،في الانتخابات الجماعية الأخيرة 2009،  تقدم بها  موسى الخضرواي كوكيل لأول لائحة شبابية في تاريخ برشيد.  للأسف، لم تلق اللائحة رد الفعل الايجابي المنتظر، والسبب؟  42 % من الناخبين  ببرشيد أميون يرضون بالفتات، و 39 % عاطلون، لا يملكون  رؤية واضحة للمستقبل، وأشياء أخرى منها انعدام تكافؤ الفرص بين أصحاب المال والشباب.


إن مدينة الشباب الحالم بالمستقبل الجميل يحكمها الآن شيوخ لا يفهمون سوى لغة المال،  ينتمون لشريحة لا تمثل أكثر من 6 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية:


-                       20 إلى 25 سنة: 30% 


-                       26 إلى 40 سنة:54%           


-                       41 إلى 60 سنة:20%      


-                       ما فوق 60 سنة: 6%


ففي الانتخابات البلدية لسنة 1976، كان الكاتب العام لفرع حزب الاستقلال، المرحوم  السي عمر بوعود، بطربوشه الوطني، يبلغ من العمر 57 سنة . وكان المرحوم محمد بوعبيد،  بلحيته الماركسية  مقلدا لينين، يبلغ  من العمر  26 سنة.  وبعبارات واضحة، إن شباب الأمس ممن كانوا يمثلون نسبة 54 في المائة من الناخبين هم اليوم في طور التآكل والانقراض.  إنهم ينزلقون نحو الشيخوخة،  وأعمارهم  تتجاوز الستين سنة. وهناك حقيقة أخرى أكثر قسوة على منكريها، فجميع مرشحي حزب الاستقلال لتلك الفترة، ممن كانوا يراكمون رأسمالا اجتماعيا من التجارب،  والبالغ عددهم 23 مرشحا، هم اليوم في ذمه الله، عدا أربعة منهم، متعهم الله بالعافية، وهم: الحاج محمد العمري ولد سليمان، محمد الوردي المزمزي، أحمد وحيد، وأحمد النصلوبي.


بكل بساطة، عندما شارك الرؤساء الثلاثة، السادة عبد الله القادري، محمد طربوز، محمد بن الشيب، ولأول مرة في الانتخابات الجماعية لسنة 1976،  لم يكن الرئيس الحالي لجماعة جاقمة، السيد صاير الكياف،  قد خرج  بعد إلى الحياة.


 يوجد سبب آخر وراء تقهقر التسيير ببلدية برشيد ينضاف إلى عنصر الشيخوخة، ويتعلق  بالحب والإخلاص للمدينة والوفاء  بالعهد للناخبين.  إن سكان برشيد لا يختلفون عن حب مدينتهم، بل عن الكيفية التي يعبرون بها كل فرد عن هذا الحب. ذات يوم، كتب أحد الصحفيين يستلطف السيد رئيس المجلس البلدي، قائلا أنه يحب مدينة برشيد لدرجة الهوس. لا أحد ينكر عليه ذلك، لكل مدينة جاذبيتها ونكهتها، وبرشيد، الحضن والموطن، في نظر أبنائها تظل الكائن الأجمل والأكثر بهاء وحسنا من غيرها. يقول أبو تمام:  


 


 


      نقل فؤادك حيث شئت من الهوى،


                 ما الحب إلا للحبيب الأول    


      


                    كــــم منــزل يـألفــــه الفتـــى


                               وحنينـه أبــدا لأول منــزل.


 


في مهرجان خطابي نظمه الاتحاد الاشتراكي برئاسة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وصف هذا الأخير، الرئيس محمد طربوز ب : "الابن البار لمدينة برشيد". وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون أي ابن بار بوالدته إذا لم يكن يبادلها الحب الشديد. وسئل ذات مرة الرئيس عبد الله القادري، من طرف ضابط سام كان  يتجول  معه في شوارع باريس المضيئة:" كيف جاتك الشان زيليزي آسي عبد الله، فأجابه باللغة الفرنسية: " جميلة، ولكن برشيد أجمل".


 


كيف نحب مدينة برشيد؟ هنا نقطة الاختلاف. فيقول مثل ألماني: " القبلة بدون شارب كالبيضة بدون ملح".  بيد أن  الشلاغيم الحريزية  والطرابيش الفاسية لم يكن يملكها غير  الرعيل الأول للاستقلاليين، من جيل الكفاح الوطني. وأما  الاستقلاليون الجدد، فهم   يتبعون موضة العصر في اللباس والحلاقة.  وأكيد  ليست لهم أية شرعية حقيقية، وإنما يسترجعون لحسابهم الماضي المجيد للسلف المناضل، وهم لم يسبق لهم اختبار المحن في زمن الاحتلال أو في ظل الاستقلال.  لم يأتوا من المعارضة ولا يتمتعون بالروح النقدية، إنما يدافعون عن مصالح مادية محددة، علاوة على ما تعودوا عليه من محاكاة واسترضاء السلطات المحلية والإقليمية، دون الاجتهاد الشخصي الحر.


الشيخوخة هدوء ووقار وطيبوبة. كبار الساسة المحترمون في العالم عند بلوغ سن التقاعد يكتبون مذكراتهم ويساهمون بدعم الفقراء من خلال التبرع بشيء من ثرواتهم أو مردود أعمالهم الفكرية.  هنا، يشترون التزكيات الحزبية عند وصول سن التقاعد فيصبحون سياسيين  بين عشية وضحاها، لأجل  تجميع الثروة والعيش على حساب الفقراء. في كلتا الحالتين، كلمة السياسة ليس لها نفس المعني. في الحالة الأولى تشبه " العيطة" كفن محترم وكإبداع فيه اجتهاد لأمتاع الجماهير. وفي الحالة الثانية، هي " العيطة" كقمار  أساسه المال من أجل جني المال لشخصه على حساب غيره.


 الكلام عن الحب هو، في الوقت نفسه، كلام عن الرغبة،  وكل شهية تشتهى. والمنتخبون عندما يتكلمون عن المدينة إنما يتحدثون بلغة الرجل إزاء المرأة، ولو كان بعضهم من النساء. وفي مجلسنا المؤقر، عندما يتواجد الشارب  تحرم القبلة، خشية  الشيطان، وإن النفس لأمارة بالسوء: "ما حضرت امرأة ورجل إلا وكان الشيطان ثالثهما". إن حزب  الاستقلال يهيمن على المجلس البلدي بفضل التحالف  المصلحي مع حزب العدالة والتنمية.  وكيل لائحة هذه الهيئة،  المدرس المتقاعد، له شارب ولحية. و مرافقوه للكهف البلدي  أيضا لكل منتخب شارب ومصباح.  إن المشكل المطروح بالنسبة لهؤلاء كونهم يتعهدون بالشيء ولا يلتزمون به.  لقد  كتبوا لنا بجانب صورهم المزينة بمصابيح: " أنت تصوت ونحن نلتزم ب: صيانة الطرق والإنارة العمومية والمناطق الخضراء".  ثم أخذوا الأصوات، والعكس فعلوا.


كأنه لا يكفي برشيد  الأشجار التي تموت، هنا وهناك،  اختناقا بالأسمنت، ولا  مآت الحفر المتناثرة وسط كل شارع وزقاق ورصيف، حتى تتحمل هذه المدينة وزر الإهمال المتعمد للقطعة الفنية المجسدة لشعار المدينة، وكانت  كلفت ميزانية  برشيد  25 مليون سنتم خلال سنة 99/1998. إن شعار المدينة، الموجود  بداخل الشريط الأخضر، قبالة مقر العمالة،  يحيط به  عشرون عمودا كهربائيا ،عليه  أربعون مصباحا  مكسرا، منذ مدة طويلة.  المرأة بستان الرجل، فعجيب أمر حزب المصباح لم تأخذه رأفة حتى بمصابيح النطاق الأخضر للمدينة. ولا يزال النائب المحترم محمد بوشنيف يستكتب في اليافطات على الهواء أنه " برلماني الحزب" بدلا من برلماني برشيد.  فمتى سيعلنون الانتماء إلى سيغارون على مدينتنا مثل غيرتهم الزائدة على الحزب؟


سبب أخير  لمعاناة مدينة برشيد، ينضاف إلى  برودة الشيخوخة وتقلص درجات الحب عند البعض،  وهو  الإفلاس التي بات يهدد بيت المجلس البلدي. لقد أصاب الرئيس  السابق محمد طربوز  فيما أصاب، وأخطأ فيما أخطأ، ونحن لسننا بصدد تقييم أعماله.   إن معالم الإفلاس، المهددة ميزانية برشيد، بدأت تلوح  في الأفق منذ إعفاء هدا الأخير المستفيدين من القطع الأرضية للحي  الحسني  من  المساهمة بمليون سنتيم،  كان قرره السيد القادري لتمويل  الحساب الخصوصي الحامل لنفس الإسم.  وبدا  الأمر محسوما   فور إغلاق الحساب  الخصوصي الذي اقتصرت وظيفته  على تمويل مشاريع  تنموية، دون الأخذ بالاعتبار  التسوية القانونية للعقار المشيد عليه الحي.


عندما كان السماسرة يدفعون بسخاء رشاوي مسعرة مقابل عمليات التنازل عن السطوح وبناء الطوابق العليا المعفاة من أداء الرسوم الجبائية، لم تتم مطالبتهم  بتمويل الحساب الخاص لأجل تسوية الوضعية القانونية، لضمان أصواتهم  الانتخابية.  وبعد عشرات السنوات، صدرت أحكام قضائية تلزم  بلدية برشيد  بأداء  ملايير السنتيمات  مقابل وضع اليد على أرض الغير.


  إن المجلس البلدي الحالي يطالب الدولة الوصية، في أحد مقرراته، بالتدخل لحمايته من تطبيق الحجز المفترض على أمواله وممتلكاته وآلياته.  وهو أمر شديد الخطورة،  ونحن نتحدث عن سيادة  القانون. إذ يعني من جهة  المطالبة بتعطيل القضاء المستقل كي لا يقوم بتنفيذ أحكامه، أي العودة إلى الممارسات المخزنية التي تضرب مبدأ تقسيم السلط عرض الحائط. و من جهة أخرى، يعني أن البلدية أصبحت رهينة بيد الدولة الوصية، بما يجعلها غير قادرة على التحرك إلا في حدود إمكانياتها المالية المتواضعة، مقارنة مع كم التحملات.


من السذاجة الاعتقاد أن السيد عبد الله  القادري  كان يشتغل لحسابه خبراء ماليون، يفهمون في تقنية الحسابات الخصوصية، وهو الذي  ألحق الضرر بنفسه،  عندما تحدث بكل عفوية عن مساهمة المستفيدين في التمويل قبيل الحملة الانتخابية. لقد كانت تلك توجيهات من الدولة ولم يطبقها الرئيس محمد طربوز،  الذي  انتهزها فرصة  لتطعيم حملته الانتخابية الناجحة.


 رحل الرئيس محمد طربوز مثل الجميع، وبقيت برشيد التي لا نملك سوى الحروف للتعبير عن حبنا لها. لم يتأخر رئيسها  الحالي، محمد بن الشيب، ليقطف الحصاد المرّ. اليوم، شاءت الحياة  السياسية أن تمتحنه بأصعب الطرق المحفرة،  وليس بين يديه غير  الرجوع  للدولة وطلب النجدة. ليس عنده بعد نظر في الشأن المحلي، فهو بدوره أخطأ عندما لم يعط نفسه الوقت الكافي لفهم التوصيات التي جاءت بها الدورية الخاصة بإعداد الميزانية لسنة 2002، حتى بقيت 906 مليون سنتيم أطلالا معلقة في الهواء.  لم يعد لنا سوى الصلاة لإتمام القيسارية. 


 إن الرؤساء الثلاثة في تاريخ برشيد الراهن لهم صفة الأمر بالصرف، ومن ثمة فهم الوارثون المتوارثون لكتاب ميزانية البلدية. فأيهم الظالم لنفسه، المقتصد، والسابق بالخيرات؟


يجمع المفسرون للآية القرءانية الكريمة، " ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات"،  بأن الوارثون الثلاثة  لكتاب الله كلهم بمنزلة واحدة،  وجميعهم يدخلون الجنة.   إن الظالم لنفسه يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، و نحن إذا جالسنا أولياء الله، فإنا لا نشقى وإن كنا كلابا، ككلب أصحاب الكهف، يقول الأصفهاني.


لا علاقة للسياسة بالدين، ولا للمثنى عبد السلام وعبد الواحد زاد الخير بالسابقين في الخيرات، من أهل الجنة. فهم ليسوا بعد رؤساء أو أثرياء مسنين. وإن للميزانية، وبها أموال الناس المدفوعة ضرائب محلية، حساب من نوع آخر.

Enregistrer un commentaire

  1. لاتنتظروا ولا تأملوا من المجلس البلدي أي شيء البته
    * طالما المواطن وساكنة المدينه دون حراك <> لايهمه أمر المدينه
    وطالما الواطن ثبورا فلا تنتظروا ولا تأملوا ولا تحلموا ان يتبدل الحاااال

    RépondreSupprimer

 
Top