حمى الكتابة البيوغرافية دينامية الذاكرة والتاريخ في فهم البنيات السوسيوثقافية

حمى الكتابة البيوغرافية
دينامية الذاكرة والتاريخ
في فهم البنيات السوسيوثقافية.
*التهامي حبشي.
 (( القاضي هو الذي يحاكم ويعاقب، والمواطن هو الذي يناضل من أجل النسيان، ومن أجل إنصاف الذاكرة، أما المؤرخ، فتكمن مهمته في الفهم، دون اتهام أو تبرئة.)) ــ بول ريكور ــ.
الحلقة الأولى:
استهلال: 
      تكشف بعض الكتابات الثقافية الحديثة والمعاصرة، في مجالات أدب السيرة، وسيرة أو تاريخ الحياة، والسيرة الذاتية، وصحافة اليومي، أو ما يعرف بصحافة البورتريه والأحداث/الحقائق المتنوعة (Les faits divers)، واليوميات أو المذكرات، والأشرطة الوثائقية ذات الميسم الاستطلاعي الإثنوغرافي..، عن وجود صلة  وثيقة، وعلاقة متشابكة بين الذاكرة والتاريخ، سواء من حيث  علاقتهما المتداخلة بالزمن والوثيقة والشهادة، أو من حيث عملية بناء أو إعادة بناء الحدث والمعنى، أو الواقعة والدلالة في ورشات الكتابة المعرفية والثقافية الأكثر التحاما بالمعيش اليومي والهوية الجماعية والمتخيل الاجتماعي للأفراد والجماعات الإثنية والسياسية والثقافية...بما يشي بعودة أو إعادة إفراز المكبوت التاريخي، وفق استراتيجيات معرفية وتواصلية جديدة، تريد إعادة مساءلة الماضي الشمولي/الوطني على ضوء المخزون الذاكراتي الجزئي/المحلي...في عملية استقراء تاريخي تقوم على نزعة تبسيطية واختزالية، سرعان ما تسقط في منزلقات التعميم والتوهيم والتعويم...مما يفقد الكتابة التاريخية صلابة البناء التوافقي والاستدلال المنطقي في الفهم والتحليل، والحجية التاريخية والمقارنة الموضوعية في التفسير والتأويل...فتضيع بذلك "الحقيقة التاريخية" بين المغالطات الفادحة للدعوات الدينية والإيديولوجيات السياسية، والمنظورات المرضية الضيقة، المشبعة حتى النخاع، بالتجاهل والإقصاء، والصادرة عن تلك النزعات العرقية والثقافية، ذات النعرة القبلية التعصبية، والنظرة الشوفينية الظاهرة منها والكامنة.
    من هذا المنطلق الإشكالي والمنهجي، تسعى هذه الورقة إلى محاولة إعادة قراءة وتأويل تلك العلاقة الوثيقة والمؤرقة بين التاريخ والذاكرة، وذلك من خلال مقاربة أسئلة إشكالية ومنهاجية من قبيل: ما هي الذاكرة أولا؟ وما هو التاريخ ثانية؟ ثم ما هي طبيعة العلاقة بينهما ثالثا؟ هل هي علاقة تنافر وانفصال أم علاقة حوار واتصال؟. وما هي إسهامات الكتابات السجالية العلمية والإبستمولوجية في مقاربة إشكالية العلاقة الملتبسة والمعقدة بين البيوغرافيا/ الأوتوبيوغرافيا (سيرة الحياة/ السيرة الذاتية) من جهة، والإسطوغرافيا (علم التاريــخ) والسوسيولوجيا (علـم الاجتمــاع) والانثروبولوجيا (علـم الإناســة) من جهة ثانية؟ 1ــ الذاكرة ليست هي التاريخ: 
    الذاكرة نتاج لعملية نفسية اجتماعية هي عملية التذكر أو الاستذكار، الذي هو عملية استرجاع لماض أو حدث فات، وفق نقط للاستدلال ونقط للرجوع، تتوقف عندها ذاكرة الفرد لتلتقي بذاكرة وحياة الآخرين، رغم بعد المسافة التي توجد بين الأحداث والوقائع، وبين زمن تذكرها واسترجاعها. ومن ثمة، فإن كل ذاكرة فردية، هي بالقوة والفعل، ذاكرة جماعية، حسب الباحث الفرنسي موريس هالبواش (Maurice halbwachs). وبهذا المعنى، فالذاكرة فرع من الزمن، كما يرى المؤرخ و الباحث المغربي محمد حبيدة. ولما كانت عملية الاستذكار أو الاسترجاع عملية عقلية خالصة لبناء الماضي المسترجع، فإن الأمر يطرح ــ حسب الفيلسوف الفرنسي بول ريكورـ مسألة الخيال، كبعد لا ينفصل عن التذكر وفعل الاستحضار الذهني للذكرى ذاتها. إن الذاكرة الفردية هي مجرد شهادة، لأن الفرد ــ من منظور موريس هالبواش ، المشبع حتى العظم بالنزعة السوسيولوجية الدوركهايمية ( نسبة إلى إيميل دوركهايم/Emile Durkheim صاحب كتاب قواعد المنهج السوسيولوجي) ــ لا يمتلك ذكرياته، وإنما هو شاهد حضور عليها فحسب، وذاكرته هي مجرد "وجهة نظر" حول الذاكرة الجماعية. وبعبارة أخرى، للمؤرخ الفرنسي المعاصر المهتم بالتاريخ الجديد، كما يسميه جاك لوغوف (Jacques Le Goff )، وضمنه تاريخ الذهنيات والذاكرات، وهو الباحث الفرنسي المعاصر بيار نورا (Pierre Nora)، فإن " الذاكرة هي ما تبقى من الماضي في أذهان الناس، أو ما يتصورونه بخصوص هذا الماضي. إنها موروث ذهني تختزل مسيرة من الذكريات الفردية والجماعية التي تغذي التمثلات المجتمعية". وبهذا المعنى، تكون الذاكرة هي مجرد صورة عن ماضي وقع استحضاره أو استحلابه، تقطيعه وتجزيئه أو تفتيته، اختزاله أو تضخيمه، تقزيمه أو تبريره، وفق حاجيات اللحظة، وتحت ضغط إكراهات الحاضر وتناقضات الراهن. 
    وتتميز الذاكرة بالشفاهية والانتقائية، والعاطفة النوستالجية (الحنين إلى ماض فات)، كما تتميز  بالاحتفالية والرمزية والقدسية، فهي تعمل على تخليد هذا الماضي والاحتفال به في الحاضر كنسق استمراري، عبر ممارسة الحكي والتذكر، مما يجعل الذاكرة لصيقة بذاتية النظرة ونفسانية الحالة..، تضفي على نفسها صفة القدسية والرمزية، عبر المزج بين الواقعي والمتخيل، بين المادي والرمزي، بين الكائن والممكن وحتى اللاممكن، مما يقود، في أحيان كثيرة، نحو اختفاء الواقع وظهور ما فوق الواقع، بتعبير المفكر الأنثروبولوجي الفرنسي جون بودريار(Jean Boudrillard). وتعمل الذاكرة الفردية/الجماعية بكيفية إرادية ولاإرادية، واعية ولا واعية، على تضخيم وتفخيم الوقائع والأحداث والشخصيات، وفق متطلبات وحاجيات اللحظة ورهانات السياق السوسيولوجي والإيديولوجي، ومن هنا تبقى مجرد صورة توضيبية  ــ وضبابية أحيانا كثيرة ــ عن ماض متخيل وقع استحضاره أو استحلابه، صورة مطبوعة بقداسة ممجدة، كما يظهر من خلال تقديس صورة بعض الأحداث أو الشخصيات السياسية أو العسكرية، أو الدينية أو الثقافية. تقترن الذاكرة أو الشهادة الفردية/الجماعية، بتعبير بيير نورا، بإعادة بناء المتخيل الاجتماعي وخروج المكبوت الجماعي..، وبتعبير المؤرخ الفرنسي جاك ريفيل(Jacques Revel)"فلأن الحدث ليس هو ما يمكن رؤيته أو معرفته، يصبح الحدث هو ما يصبو إليه، يصبح يؤدي في نفس الوقت دور الذاكرة والخرافة في المتخيل الجماعي، مما يسمح باستقراء هذا المتخيل الاجتماعي ذاته". فالذاكرة تحكمها الغائية والانتقائية، وتشتغل من منظور الواجب أو بغرض المديح أو التجريح، أو برغبة الحنين أو التمجيد، وبالتالي فهي غالبا ما تخضع لتوجهات سياسية أو أخلاقية أو إثنية... ــ أحيانا علنية وأحيانا خفية ــ من أجل رأب صدع لحمة هوياتية يتقاسم أفرادها أشياء كثيرة، وفي نفس الوقت ينسون أشياء مثيرة..كما يذهب إلى ذلك الباحث المغربي الأستاذ  مولاي عبد الحكيم الزاوي. إن الذاكرة أكثر ارتباطا بالعاطفة من التاريخ، فهي " تعبير عن معيش متذبذب ومنعرج عبر السرد...وهي إعلان عن وساطة ما بين الفاعلين و الشهود المعاصرين للوقائع والأحداث..وقد تكون شفاهية، أو مكتوبة ومدونة، في شكل ذاكرات أو سرود أو تواريخ للحياة، وتقدم نفسها كشهادة معاشة أو حية. وبالتالي، فالذاكرة ذاتية بشكل خالص، ولا يمكنها أن توجد بدون حوامل فردية، وبدون إبداعات نشيطة من طرف الشهود الساردين، كما تذهب إلى ذلك مديرة أبحاث تاريخ وأوطان أوروبا بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) بفرنسا، الباحثة ماري إيليزابيث ديكرو (Marie-Elizabeth Ducreux). 
    من جهة أخرى، تتحد الذاكرة بما يسميه موريس هالبواش ب "الأطر الاجتماعية للذاكرة" ( وهو عنوان لأحد مؤلفاته)...وهو ما يعني أن الراوي أو السارد يتذكر ويحكي، انطلاقا من مجموعة من الأمكنة والأزمنة، أي من مجموعة من المعالم الإيكولوجية والجغرافية، وكذا الشروط الاجتماعية والثقافية، التي تؤطر عمليات التذكر أو الاستذكار وتتدخل في عمليات السرد أو الاستحضار. كما أن تاريخ الذاكرة يتحدد بما يسميه بيير نورا بمواطن أو"أماكن الذاكرة"، أي مختلف السجلات الجغرافية أو المعالم الطوبوغرافية والمجالية والمرجعيات الهوياتية التي تطبع المجال/ التراب...والتي تؤطر و تؤسطر معيش وسرد الأفراد والجماعات، وتسجل رفض الآخر في المشهد المجالي أو الحيز الترابي. ذلك أن الخرائطية المجالية أو الطوبوغرافيا القبلية أو الإثنية، شبيهة، إلى حد ما، بالهندسة المعمارية ، كعنصر أو عامل مجالي لإنتاج العنف الرمزي، فالفضاء أو المجال هو أحد الأمكنة لإعلان وممارسة السلطة، في شكل أكثر لطفا ورهافة، هو العنف الرمزي، كعنف لا مرئي أو خفي، كما يرى ذلك المفكر والباحث السوسيولوجي الفرنسي المعاصر بيير بورديو (Pierre Bourdieu).
    لتركيز الاهتمام على دراسة الذاكرة، يقترح المؤرخ الفرنسي هنري روسو(Henri Rousso)، المختص في تاريخ الحرب العالمية الثانية، في كتابــــــــــه: " في مواجهة الماضي: دراسات في الذاكرة المعاصرة"، التعريف التالي للذاكرة في علاقتها بالتاريخ: " تاريخ الذاكرة، يعني دراسة مختلف أشكال ومضامين الممارسات الاجتماعية، والتي يشكل موضوعها وأثرها، بشكل خفي أو علني، تمثلات الماضي وصيانة ذكراه، سواء داخل جماعة معينة أو داخل المجتمع برمته". وللتذكير، فقد كشف هذا المؤرخ النبيه المهتم أساسا بالتاريخ الاجتماعي للذاكرة، من خلال عدة مؤلفات حول فيشي (Vichy)، على أن ذاكرة فيشي من سنة 1945 إلى اليوم، شهدت تعاقب مرحلة الموت أو الحداد، ثم مرحلة الكبت وعودة المكبوت التاريخي، التي أفضت بدورها إلى باتولوجيا أخرى في الذاكرة، وهي ذاكرة الماضي الذي لا يريد أن يمضي.
    تقع الذاكرة في مجال متقلب، متحرك، متذبذب ومضطرب، هو مجال المعيش (Le vécu) والمتخيل الاجتماعي (L’imaginaire sociale) المشبع بالصورة والوجدان، والحميمي (L’effectif) والسحري، بينما يقف التاريخ في حدود المفهوم (Le concept) والحس النقدي والتوضيع العقلاني (L’objectivation rationnelle). ولذا نجد هالبواش يؤكد في مؤلفه: "الذاكرة الجماعية" على أن التاريخ لا يبدأ بالفعل سوى في اللحظة التي تنمحي فيها الذاكرة، تاركا المجال للخطاب التاريخي لكي يقول كلمته "الموضوعية". إذا كانت الذاكرة حارسة للذاتية والغيرية في مقاربة شبيهة ب "علم الأنا" (Egologie) من الذات إلى الآخر بوصفه القريب، ومن ثم إلى الآخرين عموما، فإن التاريخ حارس للموضوعية والسببية، والمقارنة والحجة التاريخية والشمولية. ولذلك يقترح علينا بول ريكور ضرورة الانتقال المنهجي الحذر من "واجب الذاكرة" إلى "عمل الذاكرة" حتى يتم إعراب الذاكرة الحارسة للماضي في صيغة المستقبل. إن واجب الذاكرة شيء مشروع، لكن يمكنه أن يكون موضوع إسراف " من خطورة الأمر بالتذكر أن يفهم على أنه دعوة الذاكرة لأن تتخطى عمل التاريخ". وتلك هي أزمة التأريخ، أو نكسة العلمية والموضوعية في هذا الحقل الواسع والشره في العلوم الاجتماعية، ألا وهو حقل التاريخ الطامح دوما إلى تحقيق فهم أفضل للبنيات والذهنيات، أو التحولات السوسيواقتصادية والديناميات الثقافية للجماعات والمجتمعات البشرية عبر المدد التاريخية (Les durées) الطويلة منها والقريبة والمتوسطة، أو عبر الحقب والأزمنة، القديمة منها والوسيطة، والحديثة والمعاصرة...
*بيبليوغرافيا*
1ـ جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم: د. محمد الطاهر المنصوري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت،2007.
2ــ بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق: د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة،ط1، بيروت، 2009.
3ــ فرانسوا دوس، التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2009.
4ــ بيار بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة: سلمان قعفراني، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت،2009.
5ــ بيار بورديو، العنف الرمزي، ترجمة: نظير جاهل، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، 1994.
6ـــ خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، دار توبقال للنشر، ط1، الدار البيضاء،2014.
7ـــ محمد حبيدة،الكتابة التاريخية، التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة،تاريخ العقليات، دار افريقيا الشرق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2015.
8ـــ مولاي عبد الحكيم الزاوي، جدل التاريخ والذاكرة في الإستوغرافيا المغربية، الحوار المتمدن، العددان 5317 و5319 بتاريخ 18 و20 أكتوبر 2016.
9ـــ مولاي عبد الحكيم الزاوي، جدل التاريخ والذاكرة في الإسطوغرافيا المغربية، حفريات في الذات المغربية المقهورة بلون السياسة، شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات، على النت، 2016. https://diae.net/33157/ زيارة بتاريخ 29/05/2018 للموقع.
, Ed.le seuil,Paris,2000 10-- Paul Ricoeur, La mémoire, L’histoire ,L’oubli
11-Pierre Nora, Les lieux de mémoire, 3 tomes, Ed.Gallimard,Paris,1994
12—François Dosse,Le Pari biographique,,Coll.La découverte,Paris,2011.
13—Jacques Revel,L’histoire au ras du sol,Introduction to Giovani Levi,Le pouvoir au village,Paris,1989.
14—Jacques Revel, »Microstoria »,Histographies.I.Concepts et Débats, Sous la direction de C.Delacroix et François Dosse,Ed.Gallimard,Paris,2010.
 15—Pierre Bourdieu,La domination massculine,Coll.Liber,Ed.seuil,Paris,1998.
16—Maurice halbwachs, La mémoire collective, A. Colin, Paris,1950
17-- Maurice halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire Félix Alcan,1925
18-- Maurice halbwachs, la morphologie sociale, A. Colin, Paris, 1938
19—Henri Rousso, Le syndrome de Vichy 1944-198..,Ed.Seuil, Paris,1987.
20-- Henri Rousso, Vichy,un passé qui ne passe pas,Ed.Fayard, Paris,1994.
21-- Henri Rousso, l’évenement, la mémoire,l’histoire,Ed.Gallimard,Paris,2001.
22-- Henri Rousso, Le Régime de Vichy, coll.Que sais-je ?,PUF,Paris,2007
23-- Henri Rousso, Face au Passé,Essais sur la mémoire,Ed.Belin,Paris,2016.
24—Marie-Elizabeth Ducreux,  Histoire de l’Europe du Centre-Est (chap IV Histoire et Identité : autour du cas tchèque.P.828-844), , PUF, Paris, 2004.
25—Jean Boudrillard, L’illusion vitale, Paris,2000.




TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *