لحباشة المستعربون بأَولاد حريز( الجزء الأول)

برشيد نيوز/ بقلم: الجيلالي طهير
التاريخُ ابن الجغرافيا، والسياسةُ بنتُ التاريخِ، ولذلك يُقال: إِذا أًنتَ قَدمتَ إِليَ أَسْماءَ الأَمكنةِ، فيُمكنُ لي أَنْ أُعطيكَ تاريخَ العالم. في البِداية، سادَ  التاريخُ  الشفويُ  الذي يعتمدُ على ذاكِرةِ الكُهول  في تناقلهمْ  الحكاياتِ والأَحداثِ عَبْر الأَجيالِ.  ونَحنُ الآن عِندما نُحاولُ التوغُل في ماضِي لحباشة، مُحاولينَ رَبْطهُ بالحاضر، نَصْطدمُ بالأُسطورة، وهيَ الترقيعُ الذِهني الذي يَسُد الفجوات بين الظواهِر المتعارِضة والعوالِم المتناقِضة. واضِحٌ اهتمامنا المُنحاز لهذا الشعبِ المستعْربِ، وليسَ من الضروري أَن نكون مُختصينَ في عِلم التاريخ لنكتبُ عنه. نحنُ لا نَدعي هذا الشَرفَ، وفقط نكتبُ  لإِنعاش الذاكرة، ونَحكي أشْياءَ مرويةً عن والدٍ، رحمه الله،  عَلمنا حُب تُربَةِ لحباشة المبللةِ بعَرقِ الأَجدادِ.
1. التعريف اللغوي.
" لحباشة"  لغةً  هيَ الجَماعة مِن الناسِ الذين لا يَنتسبونَ لِقبيلةٍ واحِدةٍ، وإنما لجُملةٍ منَ القبائلِ. و"التحابشُ" يَعني التجامعُ في كلامِ العربِ ( اللسان 6/ 268) . إِذ يقولُ شهاب الدين ياقوت الرومي في مُقدمةِ كتابِه " معجم البلدان":  " سُئلتُ عن حُباشة، إِسمُ موضِعٍ جاءَ في الحَديثِ النَبوي، وهُو سوقٌ من أَسْواقِ العربِ في الجَاهِلية،  فقلتُ أَنهُ حُباشة، بِضَمِ الحاء قياساً على أَصلِ هذهِ اللفظةِ في اللغة، لأَن الحٌباشة جَمْعٌ منَ الناس شَتى... وحُبشتُ له حُباشةً أي جَمعتُ له شيئاً...". ( معجم البلدان. ص: 10)
تُطلق كلمة "لحباشة" بأولاد حريز للدِلالة على تَجَمُع خليطٍ من عِدة قبائلَ أَمازيغية مُسْتعربة، من ضَحايا كَوارثِ الهَجرات، والتهجير، أَنهكتهم الحُروب العَبثية، فانْدمَجوا في العربِ، ونَسوا  أًصولهم، وضاعَت أنسابُهم. وقيل أَنهمْ سُموا بذلك لإِجتماعهِم  حَتى صارتِ اللفظة لقباً لهُم وعَلماً. ويَجوزُ أَن تكونَ لحِقتهم التسْمِية لِتمييزهم عنِ العناصرِ العربية لبني جابر ومن انضمَ إِليهم.
2. العرب وأرض أولاد حريز.
أَطلق عربُ الجزيرة اسم "الحبشة" على بلاد اثيوبيا، وهيَ بلادُ الوُجوهِ المُحترقةِ، بسَببِ الإِختلاط العرقي لِسُكانها.  ومعَ مرورِ الزمن، لُبِسَتِ الكلمة معنى أَوسعَ، وأَصبح اسم "الحبشي"  يُطلَقُ على كُل منحدرٍ من زواجٍ بين عربي وحبشية، وعلى كلِ من سكنَ أَرضَ الحبشة، ولو كان  بالكاملِ من  أَصلٍ عربي. ولقد ظَل قُدماءُ المُؤرخينَ الإِغريق يعتقدونَ بأَن أَصلَ الجِنسِ البشري ينحدِرُ من الحبشة، قبل أَن ينْتشِرَ سُكانها في كُل بقاعِ العالم، حيث أَصبح حام أَبُ السودان والحبش والنوبة. وسام أَبُ العرب وفارس والِإفرنج. ويافت أَبُ الترك والصين والتتار. في أَحدِ الروايات التي تتحدث عن تاريخ يهود درعة نجد بأَن اسم " مراكش"  معناه أَبناء كوش، وهو ابن كنعان بن حام بن نوح، وكان على دين المجوس.
لَمْ تكنْ أَرضُ المغرب أَبداً وطناً للعربِ، لا في عصرِ الجاهليةِ ولا في صَدْرِ الإِسلام، وإِنما لأُمةِ البربرِ لا يُشارِكهم فيه غيرهم . وفي القرنِ العَاشرِ الميلادي، تَم  تدميرُ المُجتَمعِ البربري على أَيدي عربِ بني هِلال، وهُم مجموعاتٌ من البدوِ الرُحل، جَلبهم  السلطان المُوحِدي أَبو يعقوب المنصور، من تونس إِلى المغرب.  فقام بتوطينِ عربِ الخُلط بسهول تامسنا، وهي أَحد معاقل مصمودة؛ وغرس عَرب بني جابر بهضابِ تادلا، بين الجبال والسهول الأطلسية، وهي من مَعاقلِ صنْهاجة، أي زناكة .  وبعد مِائةِ عام، جاءَ المُؤرخُ ذو الأَصلِ الأَمازيغي، من جذورٍأندلسيةٍ، وهو عبد الرحمان بن خلدون، وكتبَ بأَن برابرةَ لَمتونة وصنهاجة  أَصلهم من الحبشة، وبأَن كل الأَراضي التي دَخلها العربُ قد رَحلتْ عنها حَضاراتٌ، كما رَحلَ مِنها سُكانها. 
في أَواخِر العصرِ المُوحدي، زَج العربُ النازلونَ بأَراضي تامسنا وتادلا أَنفُسهم في الصراع الدائرِ على السلطةِ بين الأُمراء،  يُناصرونَ أَميراً ضد أَمير.  فأَدى ذلك إِلى انقراضِ  الخُلط  الذين تلاشوا، بينما انْحاز بنو جابر إِلى سَفْحِ الجبلِ  يُجاورون زناكة  من البربر، فينزلونَ إلى البَسيطِ تارة،ً ويَتحَصنونَ بالجَبل تارةً أخرى،عند دُنُوِ الخطرِ منهم. ولقد استفاد  بنو جابر في ذلك من امتيازِ  الهِضابِ التي تَتفوقُ على السُهولِ  بِثباتِ سُكانها،  وخصوصاً  وأَن هذِه الأَخيرة مَكشوفةٌ  لا تَحميها حَواجِزَ طبيعية، وتُشكل رحما ًخصباً للكوليرا والملاريا والطواعين التي تحصُدُ الأَرواح. 
 لا تترسخُ الدياناتُ والحضاراتُ أبداً في الجبالِ، وإِنما تعيش الجبالُ على هامشِ الحضاراتِ التي هي صنيعة المناطقِ المُنْخفضةِ والمدنِ ( فرناند بوديل/ المتوسط والمتوسطيات). لا  يُمكن للبادية أَن تستعملَ العُلماء ليكونوا صِلة وصلٍ بينها وبين الدين. ولكنها تستعيضُ عنهم بالصُلحاءِ لأَنهم يَخدمون أَهدافاً تقتضيها البُنى القبلية. والمُرابط حتى ولو لمْ يكن فقيها، فهو أَقربُ إلِى مصدرِ الفقه من رجالِ القابئل الدين يحتكمون إليه. ( أحمد التوفيق/ المجتمع المغربي في القرن 19). هؤلاءِ المرابطون، مثلُ الكهنةِ في الجبال الأُوروبية، غالباً ما يكونون من الأُمِيين، وعندما يختلط الفولكلورُ بالدين فإِنهُ يرواحُ بين السداجة والبدائية، والشعودة والطقوس الخرافية، والإندفاعات الحماسية ( فرناند بوديل) . 
بعد وفَاةِ المولى إسماعيل، حَدث ما يُعرَف بِتزاحُمِ القبائلِ وتدافُعِها من الجبالِ والمُرتفعاتِ الجافةِ نحو السُهول. وفي غِيابِ قوةٍ مخزنيةٍ رادِعةٍ، قَذفتِ الجِبالُ تحت وَطأَة كثافةِ سُكانها، وشُحِ مواردها، بِفائضِها البشري نحوَ السُهولِ، فظهرَ عربُ بني جابر لأَول مرةٍ  بالمراعي المُطِلةِ على مُرتفعاتِ سيدي نادر ونويدر، وانحازَ الذين غُلِبوا على أَمرهم، مِمن سَبقوهم إِليها، غَرباً باتجاه المُحيط الأَطلسي. كان بنو جابر يُمارسون الإنتجاع، أَيْ الانتقال المنظم للقطعان بين مراعي الشتاء في السهول ومراعي الصيف فوق المرتفعات. ثم تحولت الطريقُ التي كانت تسلكُها القِطعانُ إلى مَمر  بشري يَعبرُه  القاصدونَ العودة لزيارةِ  جَدِهم الولي  سيدي عمرو بن لحسن، دفينُ زاوية سيدي فَكرون بِدَشرة السراغنة. ويجب القول، أن الزاوية عندما تفقد وظيفتها الدينية، أو السياسية، تتحولُ إِلى هيكلٍ محنطٍ من الأُنساب،  يَفرزُ قيِامهُ عدداً من الخُرافات الشعبية ( أحمد التوفيق).   
لما أَهلكَ الطاعونُ نِصْف سُكان المغربِ، في عهدِ  المولى  سليمان، قَام  خَلَفُهُ المولى عبد الرحمان ابن هشام بِملأِ المساحاتِ الشاسِعةِ من الفَراغِ المُوحشِ، التي تركها الوباءُ، بواسِطةِ شَتاتِ القبائلِ الأَمازيغية المستعربة، وهُم شَعب لحباشة. ويتعلقُ الأَمرُ بِمَجموعاتٍ صَغيرةٍ مُتنافرةٍ، تتكونُ مِن بَقايا قَبائلَ مُستعربةٍ فَقدت قُوَتها العَددية بِسَبب التقاتُل في الحُروب، فأَقدم المخزنُ على صَهْرِها في مَجموعاتٍ أخرى، تنتمي لِقبائلَ غريبةً عنها، ظَلت تُحافظ على قُوَتها، لكنه قام بِتمزيقها وتَرحيلِ شَتاتها لأَماكنَ مُتفرقة، ومُتباعدة بعضها عن البعض، من أَجلِ كَسْر شُوكَتها وجَعْلها عاجزةً عن التَمرد.  كان مولاي عبد الرحمان أَميناَ على مرسى الصويرة قبل تَوَلِيه الحُكم، ملماً بالأُمور التجارية. ولقد استغل سِياسةَ التهجيرِ، على المستوى الإِقتصادي، في مُضاعَفةِ المَساحاتِ المزروعة، وفي الزِيادةِ في عددِ رُؤوسِ الماشيةِ مِن أَجلِ إِنعاش بيتِ المالِ، عنْ طريقِ إِعادة تَصديرِ الحُبوبِ والصوفِ والجُلود، بعدَ التدهورِ الذي لحِق مَداخيلُ التِجارةِ الخارجيةِ ، جراءَ السِياسةِ الإنعزاليةِ للسلطان مولاي سليمان الذي  كان أغلق مرسى الدار البيضاء. "يذلُ هذا على أن استصلاحَ السهول ِ غالباً ما يَتِم لِصالحِ مدينةٍ كبيرةٍ تمتلكُ تجارةً ورساميلَ قوية. الأَمرُ الذي جعلَ السُهول قوةً  اقتصاديةً تابعةً للخارجِ، تعيشُ وتنتجُ من أَجله. وهذا ما حملَ في طَياتِه شرطَ ازدهارِ كل سهلٍ وبؤْسِه" (فرناند بروديل/ المتوسط والعالم المتوسطي )

3. لحباشة وأَهل بئر الثور
ظَلتْ لحباشة تَنقسمُ إِدارياً إِلى فِرقتين، بِناءً على التضَاريس المُتحكِمة بها، وهي: من جِهة، "لحباشة مُوالين الطَلْعة"، أَيْ النازِلين المَنطقة المُحادية للشريطِ الأَطلسي، حيث  يلفظ وادي الحَيمر أَنفاسهُ الأَخيرة، وكانَ  على رأْسها  في مطلعِ القرنِ الماضي الشيخ  أَحمد بن البكري. ومن جهةٍ أُخرى، "لحباشة موالين الضرو"، نسبةً إِلى شُجيراتِ  الضْرُو الكثيفةٍ التي كانت تُغطي  الفَضاءات الرعْوية، وكان على رأسِها  الشيخ لحسن ولد بحرية، الذي زَوجَ بِنْته زهرة لأَحد أَبناء الشيخ أحمد بن البكري. ويجبُ القول بأَن الصورةُ التي نرى عليها اليوم  السُهول المُهيأة للزراعة  تختلفُ عن ما كانت عليهِ في الماضِي، فهي ثمرةُ سَنواتٍ طويلةٍ مِن  جُهْدِ البشرِ المُتواصلِ للقضاءِ على شُجيرات السدرِ، والدومِ، والطلحِ، والضرو. 
لَم يكنْ مجموعُ عددِ سُكانِ لحباشة، في مُستهل القرن العشرين،  يتجاوز  236 نسمة،  مُوزعين على 13 دوار، هم كالتالي: اجْدد، أَولاد سْعيد آمْحمد، السْلاهمة، الشْباكة، لَكْرارمة، أَولاد الغالي،  الرحيحات،  التْشايش، أَولاد الشاوي، أَولاد أحمد بن علي، الزْوارة، قْبالة ، لَقْرارمة.
ويعيشُ  بِجوارِ هؤلاءِ المُستعربينَ فرعٌ مبتورٌ من الفقرا، المُنتمون لِعربِ تادلا، يُطلقُ عليهم أَهل بِئْر الثور، وهوعبارةٌ عن أَربعِ تَجمُعاتٍ سكنيةٍ تَنحدِرُ من جَدٍ مُشتركٍ، تَحمِلُ الأَسماءَ التالية: أَولاد مَنة، أَولاد بوعبيد، أَولاد قاسم، وأَولاد صالح. يَتموقعُ دوار أَهل بِئْر الثور بين الرْحيحات، وقْبالة، والتْشايش، بالمَنْطقةِ التي كانت تَحتضِنُ قَصبة مرجانة، المركزُ الرئيسي لِعَشيرةِ لحلالفة، أَقوى عشيرةٍ بالقبيلة،  قبلَ أَنْ يُطاردهُم ويُشتَتهم وَلْد مُحمد الطيب، القائدُ الحربي للسُلطان مولاي عبد الرحمان، والله خيرُ الوارِثين. كانَ أَهلُ بئر الثور يَعْتنُون بالعُلومِ القرءانيةِ والمُواظبةِ على أَداءِ فروضِ العِبادات. وعلى النقيضِ من قوم لحباشة الموالينَ للطريقةِ الكتانية، والذين كانوا يطلقون تَسميةَ "الكتاني" على أَبنائهم تَيمُناً بالقطبِ الروحي لهذِه الطَريقةِ، فقد كان أَهلُ بئر الثور يَتْبعونَ الطريقةً التيجانيةَ كما يفعلُ جميعِ  أَصحاب المخزن. وعلى سبيل الذكر، وليس الحصر، نسوق من بين الأشخاص الذين كانوا يحمِلون اسم الكتاني بدوار أولاد سعيد آمحمد كل من: الكتاني بلحسين فخور، الكتاني ولد بوعزة طهير، الكتاني ولد الحاج الوعدودي بليماني، الكتاني ولد الفقيه ولد السي عمار السعداوي، الكتاني ولد الحطاب الزوراري. وبدوار السلاهمة عاشَ الكتاني ولد الفقيه السي اسماعيل السلهومي، وهو ِصهر  القطب عبد الحي الكتاني، وبتعلاوت عاشَ محمد  الكتاني ولد احسين، قريبُ المجاهد بوشعيب احسين، الحاملُ لواءِ القطب الروحي عبد الكبير الكتاني.
 وكذلك كان أهل بئر الثور يَخدُمون الزاوية الشرقاوية، ويَدهبون كل سنة لزيارةِ  جَدِهم سيدي عمرو بلحسن، بينما كان لحباشة يَتبركون بأَولاد سيدي علي بن إبراهيم ، ومنهم "ادريس الحافة"، ويُقدمون لهم "الزيارة". غير أَن الجميعَ كانوا يتصرفون بِنفسِ الأُسلوب في المواقِفِ الإِجتماعيةِ العامةِ، في طقوسِ الزواجِ، واللباسِ، واللهجةِ، وفي المفاهيمِ الشائعةِ. 
 لم يكن الفقيهُ المُشارط ُ عند أَهلِ بئْر الثور غير الطالب السي الحسن الدُكالي، قبلَ أَن يَتِمَ تعْيينُهُ  إِماماً خَطيباً بالمسجدِ الأَعظم ببرشيد. ومنَ الطرائفِ المَرْوِيةِ عن أَهل بئْر الثور أَنهُم كانُوا  يفْرضُون على كلِ مُتغيبٍ عنْ أَداءِ صلاةِ الفجرِ معَ الجَماعةِ بالدوار،ِ زَردةً يذبح لهم فيها فَروجاً  لونهُ  نوار الفول.  ومعَ ذلك، لم يكن أَهلُ بئر الثور على انسجامٍ تام بَيْنهُم فيما يتعلق بالريادة. لما تَم تَعيين الشيخ بوشعيب ولد الجيلالي بن عمرو على رأْس لحباشة موالين الطلعة، وتزوج أَخوهُ الباشا ادريس منْ بنتِ باشا مدينة الدار البيضاء، الطيب المقري سنة 1937، وَقعَ اختلالٌ في موزاينِ القِوى على حِسابِ أَبناءِ عمومتهم أَولاد بوعبيد الذين تَصاهروا مع  القائد  برشيد، للمحافظة على قدر من الكلِمةِ المسموعةِ. وكذلك منحت سلطة الحمايةِ القائد برشيد، لقبَ الباشا، فخرياً،  لجعلِه  في نفس مرتبةِ الباشا إِدريس، سيما وأَن مركز برشيد لمْ يكن مصنفاً في قائمة المراكز الحضرية المحكومة من طرف الباشوات.  ولقدِ استمر الحالُ على ما هو عليهِ، ولم يحصُل التقارُبُ بين العائلتينِ المُتنافستَين إِلا بعد استقلال المغربِ. وفي الأَصلِ، كانَ الجيلالي بن عمرو الفقري من التُجار المَحميين من طرف اليونان، بينما كان  الحاج محمد ولد بوعبيد الفقري تاجراً محمياً من طرف ثلاثِ دولٍ، هي: إيطاليا، ألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية (تقاييد بن زيدان: 1890 إلى 1896). من أولاد الجيلالي بن عمرو: الباشا ادريس، الشيخ بوشعيب، السي لحسن، عمرو، الهبطي، عبد الكبير، وعبد القادر. توفي الحاج محمد بوعبيد سنة 1924، وله من الأولاد: بلعباس، ادريس، موسى، العربي، الخ.

4. دوار أولاد سعيد آمحمد 

في مَطلعِ القرنِ العشرين، كانَ دُوار أَولاد  اسْعيد آمْحمد  يضُم 248 نسمة. ويجبُ القول بأَن شخص سْعيد ولد آمْحمد، المُخَلدِ إِسمُه على الأَرضِ، لا يُعتبر جداً أَعلى للساكنة، ولا يُعرَف لهُ قبرٌ  يُلاذ بِه.  لا يَنحدرُ أَولاد سْعيد آمْحمد من جَدٍ واحِدٍ،  ولو أَنهم يتقاربونَ أَكثر بالإنصِهارِ، لتقويةِ العلاقاتِ بين بعضهم البعض، وإِنما  التَسْميةَ وعاءٌ جامعِ يجعلُ من عِدةِ دوواييرَ صغيرةٍ متفرقةٍ وحدة ً اجتْمَاعيةً وسياسيَة ً واقْتصادية. هكذا جرت الأُمورُ بالموازاةِ مع الإِنتقال التدريجي منَ  حياةِ الرعي  بين التيرس  والساحل،  إلِى الثباثِ النِهائي فوق تراب أولاد سعيد آمحمد: حصلُ التزاحمُ السكانيُ الذي شل الحرَكةَ الرعوية، ودخلُ الوافِدون الجُدد تحت لِواءِ التسْميةِ القديمةِ، بحكم أنَ البلاد تحمِلُ اسم السابقينَ  إِليها من العِباد. 
يَتكونُ دُوار أَولاد اسْعيد امْحمد مِن عدةِ مَجموعاتٍ سَكنيةٍ مُثناثرةٍ، على طولِ الطريق الرئيسية  الرابطة بين مدينتي برشيد والدار البيضاء، حيث يَدفنُ الناسُ موتاهُم  بمقبرة سيدي العربي شمالا، وبمقبرة سيدي المعطي جنوبا. وهذه الدواويير هي: الزناكة، أَولاد خليخل، أولاد السي عمار، الشعيبات، أَولاد علال، لهواشمة، لحزامات، الحضنة. 
 نذكرُ من السكانِ الأوائلِ المُؤسسين لدوار الزناكة، كما تحتفظ بهم الذاكرةُ الجماعيةُ: بوعزة، والحضري، وأحمد ولد حمو، والسي المجدوب، والحاج العياشي وإِخوته عبد السلام والعائدي.  ومن حفدةِ هؤلاء الزناكة اللاعبُ الدولي في كرة القدم،  المرحوم  بوشعيب، نجم الإِتحاد الرياضي البيضاوي في زمن السبعينات. ومن سُكان دوار الشْعيبات نذكر: أولاد العربي بلعربي بن محمد بن اسماعيل، ومنهم محمد البزيوي بن العربي بلعربي، بالإِضافة إِلى المكي بنقاسم بنسماعيل، وإسماعيل العودة. ومن دوار لحزامات: أولاد المعطي، ومنهم  قاسم وصالح بلمعطي، والد لمقدم محمد بن صالح الكياف؛ والوعدودي، والعسري، وحرارات، وحمو الكعدة. ومن دوار أَولاد علال: الحاج المعطي زريريعة وإِخوته الحاج عيسى والحاج بوشعيب. ومن دوار خْليخلات: بوشعيب والسي علي بن خْليخل. ومن دوار السي عُمار: أَولاد السي عمار بلحاج هاشم ، وأَولاد السي حمو بن علي، وأخوه  محمد بن علي المدعو لمقدم دقة، ومحمد بن الراضي، وبلمعطي فرحات، وكان شريكاً لعائلة بنجلونْ البَيْضاوية في الزُروع والضُروع المُصَدرة للخارج. ومن دوار لهواشمة: أَولاد الهاشمي الزبيري، ومن أَحفادهم  الممثل الميلودي الحبشي،  بطل فيلم " حلاق درب الفقراء"،  وأَولاد لمعلم علي الحجام الزوراري. ومن دوارِ الحضنة: أَولاد لمنصر وأَولاد مسعود، ومنهم: بوشعيب وأَخوه عيسى الزروقي، وبوشعيب وأَخوهُ مَسعود أَولاد الهِضاضية، ومحمد الغابة الخياط، ولمنصر بلعربي بلمنصر. ومن المناصرة المقاوم محمد منصور ابن الحاج بلمنصرالذي ينتسب بالخؤولة لأَولاد السي حمو بن علي،  من دوار أَولاد السي عُماربنهاشم، عن طريقِ أُمِه  قمرة بنت السي حمو، أرملة الحاج بلمنصر المتوفي سنة 1938. وفي إطار المصاهرة بين المساعدة والمناصرة،  تزوج التًهامي بن محمد بنمسعود قريبته عائشة بنت الحاج المنصر، وعَقد المسعودي محمد بن بوشعيب المدعو "الغابة"  على منصور حبيبة بنت محمد بلمعطي بلمنصر، زوجُ فاطمة السكويلية، عمة المقاوم  أَحمد هلال، المدعو بوراس، من أَولاد آمحمد. وقد لقبوها بالسكويلية  لأنها كانت أَول فتاةٍ دخلت  المدرسة بمنطقة أَولاد حريز.
في أَيةِ ظروفٍ ظهر دوارُ أَولاد السي عُمار بنهاشم إِلى الوجود؟
يكتبُ الدكتور فريدريك ويسبيركرF. Weisberger  أَنه قُبيل تَفشي وباء الكوليرا سنة 1878،  عَبَر القنصلُ الفرنسي  الطريقَ بين قصبتي برشيد ومديونة، فلفَتَ انتباههُ وجودَ العديدِ من النوالات تتخللها  بعضُ الخيام آهلةً عامرة ً. وبعد زوالِ الوباءِ،  عادَ القُنصل من جديدٍ  قاطعاً نفسَ الطريقِ، فوجدَ بأَن الخيامَ لم تبقَ منها باقيةٌ، وبأَن المكانَ  أَصبح قفراً بلقعاً، خالياً من السكان.  وفي سنة 1894، لما توفي الحسن الأول بأَولاد زيدوح، وولتِ المحلة السلطانية الأَدبارِ، مسرعة الخُطى، باتجاه الرباط  عبر تيط مليل، لمبايعةِ السلطان مولاي عبد العزيز، أَدركها غروب الشمس عند بُلوغِ مزارع أولاد  سعيد آمحمد، على بعد 16 كيلومتر شمال قصبة برشيد. وهناك قضت المحلة، وهي عبارة عن مدينةٍ عسكريةٍ متنقلةٍ، ليلتها في المكان الذي أَصبح يُعرف فيما بعد  بدوار أَولاد السي عمار. بعد رحيلِ المحلةِ، سيتحولُ المربعُ  الذي كان يأوي الهودجَ، المحمول فوقهُ جثةَ السلطان، إِلى حوش مقدس، وهو عبارة عن كركور من الحجارةِ، أُطلِقَ عليه اسم "سيدي حسن". سرعان ما أَخذ الناسُ يأتونَ من كُلِ حدبٍ وصوبٍ للتبركِ بحوشِ سيدي حسن، ويلتقطونَ بعضَ الأَتربةِ من جَنباته يستعملونها للشفاءِ من الأَمراضِ الجلدية.  ولما  فًقدَ السي حمو بن علي، صاحبُ الأَرض، أَحد أبنائه  قام  بدفنه بالحوش الفارع، الملتصق بدارهِ.  وعلى هذا الأَساس، لا يُمكن أَن نَتصور نُزولَ المحلةِ  السُلطانيةِ في مَكان عامِر بالسُكان، خصوصاً وأَن من عادةِ العساكِر نهبَ الممتلكاتِ، وحَرْقِ الأَخضرِ واليابسِ، أَينما حلوا وارتحلوا.  لم يكن في المكان إِذن ْ أَثرٌ لدوارٍ اسمُه  أَولاد السي عمار. وبِحسب أَحفاذ هذا الأَخير، فإِن كان جدهم كان يُمارسُ التجارةَ في الأَسواق، ومستقراً  بأَرض الحضنة/ القونة بمزارع الكرارمة، قبل أن يسلبها منه  قائد أولاد حريز، فاضطر إِلى الإنتقال شمالاً  مجاوراً  دوار الزوارة ودوار السحابات/ تعلاوت.
  
 5. دوار الزوارة  (يتبع في الجزء الثاني)

-/-

المراجع:
Villes et tribus du Maroc, Casablanca et les Chaouia. T2
Fernand Braudel. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II
Dr. F. Weisgerber. Trois mois de campagne au Maroc.
شهاب الدين ياقوت الرومي . معجم البلدان . ج.1
عبد الوهاب بنمنصور. قبائل المغرب
أحمد التوفيق. المجتمع المغربي في القرن 19

الصور:
  صابر الكياف، رئيس جماعة جاقمة.  ولد الحاج الوعدودي، محمد ولد الحاج الراوي، آمحمد بلحسين، وابن أخيه السي خليفة جمال الدين. السي بوشعيب لمعني، بوعزة ولد الحاج بوشعيب ولد السالمية،  الحاج ولد القرقافي، محمد بنسماعيل قيدي، الحاج العربي ولد الحاج محمد ولد السالمية.


TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *