أخر الأخبار

بقلم الجيلالي طهير : القيسارية، غدا عشرون سنة

القيسارية، غدا عشرون سنة.
برشيد نيوز : بقلم الجيلالي طهير
أحد  الأدوار الموكولة  للذاكرة هي الاتزان. كل إنسان يفقد ذاكرته طوعا، ويدوس على ماض لا يتوافق وهواه،  يعتبر نصفه غير موجود.  وكل رهط، أو قبيلة، أو شعب يفقد الاتزان فهو عاجلا أو آجلا  آيل للزوال.  منذ ما يقرب من عشرين سنة خلت، تم هدم  قيسارية برشيد، وعنوان ذاكرتها، بقرار بلدي جائر، نسف عقودا غالية من تاريخها العمراني.  حدث ذلك يوم أن وقف  الباشا الوسيم، ينقر بحذائه اللامع أمام  دكان السي التهامي مفتاح الحلاق، وإلى جانبه رئيس البلدية  الذي رمى ألبسته القديمة وارتدى ربط عنق  جميلة تشد إليها الأنظار. كان معهما في تلك الزاوية  نخبة من الاشتراكيين الفقراء، أصحاب الشأن، حضروا جميعا  للاحتفاء باليوم الحزين. وبداخل الدكاكين المجاورة، كان تجار صغار، وجوههم من تربة البلاد، يلعنون تكابر المجلس البلدي ويدعون على أصحابه بالمذلة والخسران المبين.
عجزت آلات الهدم القوية عن غرس أسنانها الحديدية  في جدران القيسارية النازفة دما، فتلاشت الخرافة الاتحادية  الزاعمة بأن البناية خربة  مهدده بالسقوط فوق الرؤوس. وفي لحظة هاربة،  بدت الآلات الضخمة  وهي تصارع الأقواس العتيدة وكأنها تريد تعرية جسد امرأة محجبة لأجل اغتصابها بالقوة. وما زالت تلك الآلات الضاغطة تسحق عظام  البناية، حتى تحول المكان إلى بقايا قصف جوي غير مسبوق. وأثناء الليل، خرج  من جوف الحي الحسني، رجال كالأشباح وانهالوا بمطارقهم الثقيلة على الإسمنت المسلح  للحصول على الأسلاك الحديدية السميكة. وعندما اخترقت الشمس ستائر الصباح، توافدت على المكان  شاحنات البلدية، يسوقها نقابيون مدجنون، نقلوا  الحجارة الملعونة  لبناء سور  خلف المحطة الطرقية، حتى أصابتها  عدوى الخراب إلى يوم الدين.
قبل اغتصابها والإجهاز عليها،  كانت  سيدة الأمكنة  مليئة بالحياة، وعامرة بالخلق الطيبين وبالمحتاجين،  تتزين بفصيلة من الأقواس الظليلة، ويتوسطها فناء شاسع يعانق نافورة  يتسلل  منها ماء يسيل كالزمن. ولو  شاء المستحيل أن تعود إلى الحياة  لقالت لهم في غضبها الجميل:  " ماذا فعلتما بنا في النهاية ؟ تقاتلتما مثل هابيل وقابيل لعرش لم يكن لأي منكما. هل أغضب منكما لأنكما لم تكونا في النهاية سوى معمرين صغيرين جريا وراء الذهب والنساء، أم كنتما علامة على عصر لم يكتب له أن يستمر طويلا؟ " . ( البيت الأندلسي، واسيني الأعرج)

لم يكن موت القيسارية  يتعلق بهدم بناية من حجارة، بل بهدمنا  نحن الذين  اعتبرناها  جزءا من أجسادنا، يضم  بعض صراخنا، وأشواقنا، وشيء من عرقنا.  لا فرق عندنا بين القيسارية وبرشيد، فهما يتشابهان في العنفوان وفي الهشاشة، في الكبرياء وفي الحب المستحيل  الذي تسرب إلى أعماقنا، والذي لا يزال  يتحرك فينا، بالرغم منا، لا ندري إلى متى سيستمر  فينا . لا  أعرف برشيديا، غير أولئك الذين يشوهون بنا،  يحب  مدينة أخرى أكثر  من برشيد، ولذلك  يشبه هؤلاء  هدم  قيساريتهم  باقتلاع الظل من الجذر.
أطرح سؤالا من الواقع المضاد وأردف بكلمة عن المستقبل المستحيل:  ما حال برشيد لو  لم يتم اغتيال قيساريتها؟  ماذا يمكن أن يكون عليه الحاضر لو لم يظهر ذلك البطل الذي أرداها جثة هامة؟ إن بعض الحنين لعبثي ومدمر يسجننا في الوهم  العقيم. وكل ما يقال حول عودة القيسارية، لتي تحرق أبناءها في العمق، ليس غير كذبة جميلة،  قيلت في لحظة مزايدات انتخابية، لتجعل من الوهم حقيقة لبضع ثوان، لبضع سنوات، أو لما تبقى من العمر.  نحن  جميعا نعلم بأن كل تراث مادي أو غير مادي ما هو إلا  نتاج جماعي وثقافي محكوم بزمن معين.  لا  تراث إذن  خارج زمانه، و كل كلام عن القيسارية خارج زمانها  يبقى بدون معنى.
عندما  تحولت ساحة  القيسارية  إلى حفرة  عميقة حمراء لونها،  صوت المجلس البلدي على تسميتها  ب " المركب التجاري المصطفى لمعني".  وعندما جاء دور  الهدم على  بناية البلدية القديمة، صوت المجلس البلدي على تسميتها ب " المركب الثقافي حميدو وهبي".  وإلى الآن، لا تزال  لعبة الأسماء المضحكة  سارية المفعول.
بعد  تطليق البلدية القديمة تم تدشين بلدية جديدة، يسيل من تحتها الماء، سرعان ما  تم إخلاؤها، وتحويلها إلى مقر عمالة تجعلها خارج وصاية سطات.  لكن خاب الظن وأصبح  أبناء برشيد، من غير أصحاب الأحزاب والجمعيات الممنوحة،  يطلقون على المولودة الجديدة  اسم "ملحقة  بن مسيك"،  بسبب  بعض الموظفين المنقلين من عمالة بن مسيك، كانوا يعتقدون أن ليس في المدينة غير " غذارين مكة" ، أي الأعيان المتملقون  الذين دينهم المال،  كما كان يسميهم المرحوم  عمرو  بلحبيب. ومن هنا،  تعامل هؤلاء  الموظفون المتعجرفون  مع أشراف المدينة، ممن لا يعبدون غير الله،   كحمير  سباتة التي ترعى الحشيش خلف  شارع عبد القادر الصحراوي.
 حملت البناية  اسم " عمالة برشيد"  بالأحرف النحاسية؛  ثم  اسم  " إقليم برشيد"  بالأحرف السوداء؛ وأخيرا، خططنا  لكم  بالأبيض على السواد العاشورائي، فوق الثرات النحاسية  المشدودة إلىى السقف،  فيما يشبه الحسينيات الشيعية : " عمالة إقليم برشيد". ما الفرق حتى ولو كتب عليها وبألوان الشمس الذهبية  " إقليم عمالة برشيد" ،  ما دامت برشيد تفتقر لأغلب المصالح الخارجية الحيوية، وما دامت بوادي الجوار   تنتظر الكهربة وتأهيل  الطرقات  الغارقة في الأوحال؟
تداخلت عندنا الفصول في بعضها البعض حتى أصبح  من الصعب التمييز بين الصيف والخريف، بين سيارة  الوزاني ولد الشيخ العائدي وبين حمارة العائدي وأمه. لم يعد  يوجد الآن  في المدينة ما يوحي بأنها  كانت مفخرة أولاد حريز، جراء الزحف المميت لقيم البداوة المتوحشة والروائح الكريهة لمافيا العقار التي تزكم الأنوف. نحن  ربما  نحتاج  لزمن آخر، ولرجال بثقافة أخرى،  يأتون بعد رحيلنا، لتغيير هذا الألم الذي سيرثه أبناؤنا من بعدنا.
وفي النهاية، هي برشيد مدينتنا سنظل نحبها  بقيساريتها أو بدون، بنزاهة  مبادرتها الوطنية للتنمية البشرية أو بدون.  يكفي أن نصبر على إهمالنا وإرهاقنا  بالضرائب، وأن يستفيد البعض من التهرب الضريبي، ومن أصوات الناخبين المباعة في سوق النخاسة،  كي يستقيم  الميزان، ويطلق الجرار الدخان في العنان، ويصلي مصباح  بنكيران في البرلمان.  ما هو جميل في مدينة الآباء والأجداد هو  أن الذين  في بطنهم عجين، حتى ولو  يزردون مع  الوزراء، ويأخدون معهم الصور التذكارية،  فهم  يخافون من البؤساء  الذين يملكون ضدهم  حق الشكوى لديوان  صاحب الجلالة.

ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق