بقلم الجيلالي طهير : حزب الاستقلال بمدينة برشيد، إلى أين؟

حزب الاستقلال بمدينة برشيد، إلى أين؟
برشيد نيوز : بقلم الجيلالي طهير.
هناك بلاوي في الأحزاب السياسية يختلف نوعها من حزب لأخر، تنجم عن تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة. فالحزب لا يستعمل فقط لمثيل الناخبين ومساعدتهم على تحسين ظروف معيشتهم اليومية، وإنما كذلك لإشباع النزوات الشخصية وتحقيق المكاسب المادية للزعماء والمقربين منهم. ففي كل عصر وفي كل مكان، تذلنا ملاحظة الماضي، ومراقبة الحاضر، أن كل من يرغب في شيء يطالب به باسم الحزب أو باسم القانون.
لا يذكر سكان برشيد سوى تلك البلوى التي عانى منها أولئك المناضلون الذين دافعوا طيلة سنوات عن رأي حزبهم بوفاء وإجلال، والذين انتبهوا فجأة، ذات يوم، بأن السهل المنبسط تحول إلى جبل، وأن الأرض أصبحت السماء، وواحد منهم أصبح هو الأقوى والمجسد للحزب. ولقد أصابت البلوى هذه المرة، حزبين كبيرين، يختلفان عن بعضهما البعض بفارق السن. أحدهما حزب عريق، ضارب في القدم، وهو حزب الاستقلال المرتبط ظهوره بمرحلة الكفاح الوطني. وحزب حديث النشأة يحاول الربط بين الماضي والحاضر، بين السماء والماء، في لونيهما الأزرق الذي يرسم عنوان الأصالة والمعاصرة. وأما حزب العدالة والتنمية، فجاءته الضربة من الرأس، بارتداد وزرائه على مناضليه، والإطاحة بالزعيم صانع الخيرات.
وضع حزب الاستقلال قوانينه في 13 يناير 1959 طبقا لمقتضيات ظهير نونبر 1958 والتي صودق عليها من قبل المؤتمر الأول للحزب في يناير 1960. وفي أول انتخابات جماعية وتشريعية في المغرب المستقل، بسط سيطرته على مركز برشيد والناحية، وفاز برئاسة المجلس البلدي برشيد وبجميع الجماعات القروية. كما فاز مرشحه محمد العماري ولد فريحة بالمقعد البرلماني، كأصغر نائب برلماني في تاريخ المغرب.
وخلال الفترة الممتدة من 1965 إلى 1976، عاش المغرب فراغا سياسيا فرضته حالة الاستثناء. وعند انطلاق المسلسل الديمقراطي سنة 1977، ظهر حزب الاستقلال مفكك الأوصال، ولم يتجاوز مرشحه المصطفى بن السالمية 0,37 في المائة من الأصوات المعبر عنها. وفي الانتخابات التشريعية 1984 حصل مرشحه البوعزاوي صالح على 225 صوت بمركز برشيد، و 163 صوت بجماعة سيدي المكي. وأما في الانتخابات التشريعية 2002، فقد حصل المرشح محمد رفيق، على 6,57 في المائة من الأصوات المعبر عنها بالدائرة.
خلال تلك السنة، برز اسم المصطفى جبران، عقيد متقاعد، مرشح الحركة الشعبية، وحصل على 1781 صوت ببرشيد، وعلى 5965 صوت على مستوى الدائرة، بنسبة 11,99 في المائة من الأصوات المعبر عنها. وكان قاب قوسين أو أدنى من الفوز بالمقعد البرلماني، بفارق 26 صوت خلف مرشح التجمع الوطني للأحرار، شفيق رشادي.
في 2007، سيدخل المصطفى جبران غمار الانتخابات التشريعية تحت لواء حزب الاستقلال ، ويفوز بمقعد نيابي ببرشيد محرزا على 832 صوت بالمدينة، و4378 صوت بجموع الدائرة الانتخابية. وفي سنة 2011 ، سيتمكن المصطفى جبران بالفوز مرة أخرى بأحد المقاعد الأربع المتباري عليها، تحت لون حزب الاستقلال ب 995 صوت بالمدينة وعلى 4937 صوت على مستوى الدائرة. وبهذه الكيفية، ودع حزب الاستقلال صمت القبور ، وأصبح له مقعد بالبرلمان، بفضل المصطفى جبران. وغير خاف، أن شخصية الحاج محمد لحكيم، المنتمي الرعيل الأول لحزب لاستقلال، وكان يرأس أول مجلس قروي بجاقمة، هو من لعب حلقة الوصل بين المصطفى جبران ومحمد بن الشيب من جهة، وحزب الاستقلال من جهة أخرى.
قبيل ذلك، في الانتخابات الجماعية 2003 ، كان محمد بن الشيب، رجل أعمال، قد بثقله المالي وانتزع رئاسة المجلس البلدي من عبد الله القادري، زعيم الحزب الوطني الديمقراطي، بتحالف مع الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية. وفي الانتخابات الجماعية 2009، سينجح في إعادة التجربة، بالتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية، وسيكون الضحية هذه المرة الحزب الديموقراطي الوطني والتجمع الوطني للأحرار. وهكدا، وبهذه الطريقة، سيخرج حزب الاستقلال من الزنزانة الانفرادية التي عانى منها طويلا، ويستفرد برئاسة المجلس البلدي لبرشيد.
وفي إطار التحضير للانتخابات الحماعية 2015، جدد فرع حزب الاستقلال لبرشيد مكتبه، وظهر من بين الأعضاء عبد الرحيم كاميلي. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى رشح هذا الأخير نفسه وكيلا على رأس لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، وانتزع رئاسة المجلس البلدي من مرشح حزب الاستقلال. هذا الأخير، حصل على تزكية الحزب بمشقة الأنفس، إذ اعترض سبيله فؤاد قديري، المرتحل من الحزب الديموقراطي الوطني إلى صفوف حزب الاستقلال، فمنحت القيادة المركزية تزكيتها للرئيس المنتهية ولايته، واحتفظت لفؤاد قديري بالتصرف بالتزكية لاسترداد للمقعد النيابي الشاغر، الذي تم سحبه من زين العابدين حواص.
لعب عبد الرحيم كاميلي، من أجل الوصول لسدة الرئاسة، الكل في الكل، كاشفا جميع أوراقه، على طريقة البوكير، بينما لجأ الرئيس المنتهية ولايته، محمد بن الشيب، إلى المناورات المعقدة، والمتشابكة، على طريقة لعبة الشطرنج. أبرم تحالفا مع حزب الاتحاد الاشتراكي الذي اختار على رأس لائحته ، ومن خارج الهيئة، أحد الأصدقاء المقربين منه، بينما شاركت بعض الأطر الاتحادية في المحاضرات المخصصة لتعبئة " الشبيبة الاستقلالية". ومن جهة أخرى، قام الرئيس المنتهية ولايته بتشجيع بيادق مقنعة، للترشح في أحزاب صغيرة، بهدف امتصاص أصوات الشباب الغاضبين، حتى يلجأ إليهم عند الضرورة لتكملة النصاب والفوز برئاسة المجلس البلدي. وكان رهانا خاطئا، سبقته وتلته قراءات أخرى خاطئة للمتغيرات الطارئة على مستوى الأمانة العام للحزب. وعندما يعزل سعيد العثماني، عنوان حزب الاستقلال ببرشيد نفسه، ولا يظهر له وجود في اللائحة الانتخابية، يمكن التكهن بأن حزب الاستقلال في وضع غير صحي، وهو مقبل على الاحتضار.
قبيل انطلاق الحملة الانتخابية 2017 ، لأجل التباري على المقعد النيابي الشاغر لدائرة برشيد، كتب محمد باي، الآتي: " استطاع الاستقلالي زين العابدين حواص أن يحصل في الانتخابات البرلمانية 2011 على ما مجموعه 21540 صوت، أي بمعدل 28.30 من عدد الأصوات المعبر عنها ، وكانت لائحته قريبة جد من أن تمرر خالد الإبراهيمي ، والحال ذاته في الانتخابات البرلمانية السالفة 2007 حيث احتل الصف الأول بلون حزب الأصالة والمعاصرة ، وكان قريبا من أن يمرر نور الدين البيضي".
يرأس الاستقلالي خالد الإبراهيمي الجماعة القروية سيدي المكي. ومن المفارقات التي أسفرت عنها نتائج الانتخابات الجزئية 2017، هو أن جماعة سيدي المكي التي تضم في عضويتها 15 ميزان، ووردة، وحمامة ، لم تصوت لصالح للمرشح الاستقلالي طارق قديري ، فتفوق عليه منافسه صلاح الدين شنكيط، مرشح الأصالة والمعاصرة، ب 1261 صوت في مقابل 742 صوت.
لا يوجد أي انسجام أو انضباط بداخل البيت الاستقلالي. والحزب يبدو كمجرد رافعة يتسلقها لوبي العقار للوصول إلى القمة. نتوقف عند حالة سعيد طابي، الشخصية الأبرز في التهيئ للحملة الانتخابية الاستباقية بواسطة الدعاية لمعرض سويرتي مولانا. قبل سنة 2003، كان سعيد طابي يرأس الجماعة القروية سيدي المكي، ويحظى بشعبية كبيرة، وكانت له حظوظ بالفوز بالمقعد البرلماني لبرشيد سنة 1997 ، تحت لون التجمع الوطني للأحرار، لو كانت جماعة سيدي المكي تابعة لدائرة برشيد. وفي سنة 2003، سيظهر اسمه في الرتبة الأولى، مباشرة بعد اسم محمد بن الشيب، في لائحة حزب الاستقلال المرشحة لخوض الانتخابات الجماعية ببرشيد. لكنه في سنة 2009، سيتقهقر إلى الرتبة الثانية ويترك الرتبة الأولى للبرلماني المصطفى جبران. وفي سنة 2015، سيأتي الدور على المصطفى جبران لترك الرتبة الأولى لفؤاد قديري، ويحتل مكان سعيد طابي في الرتبة الثانية، بسبب فقدانه المقعد البرلماني. وهكدا، اضطر سعيد طابي إلى الرجوع الجماعة الأم سيدي المكي، لحفظ ماء الوجه، ويترشح تحت ألوان حزب الاستقلال، ثم يفوز برئاسة المجلس الإقليمي، بينما سيتقهقهر محمد بن الشيب، "صانع الألعاب السحرية"، الى رتبة نائب رئيس المجلس البلدي. ويجب القول أيضا، بأن سعيد طابي عاد إلى أحضان الحزب الأم، وهو التجمع الوطني للأحرار، في الانتخابات البرلمانية 2011، وظهر في لائحة صابر الكياف الذي انتزع المقعد النيابي من الاستقلالي المصطفى جبران. لا حرج، في برشيد يمكن أن تكون استقلاليا مدنيا، وتجمعيا مكيا، أي مع الأنصار ومع المهاجرين. المشكل هو أن تشتغل، وأنت تعلم أو لا تعلم، سفيرا للنوايا السيئة، تصوت كمستشار في المجلس البلدي على تحويل ملف كهربة دوار السحابات أولاد بوفروج لاختصاص العمالة، ولا تحرك ساكنا وأنت ترأس المجلس الإقليمي صاحب الاختصاص.
يقول عبد الله القادري عن جده سيدي الجيلالي العميري أنه وطأ أرض أولاد حريز بناء على طلب شيخه سيدي المعطي الشرقاوي، القطب الروحي لزاوية ابي الجعد، الذي أرسله لملاقاة مريده سيدي المقدم، المرابط بزاوية المقدم. هذا الأخير، لم يحسن وفادته، خشية المنافسة، فاضطر سيدي الجيلالي إلى الذهاب بعيدا، وأقام زاوية له بمزارع بني منيار. لا يختلف الأمر كثيرا عند نجله طارق قديري، لو اعتبرنا بأن تقاليد المدنس حجبت المقدس. فقد أرسل اليزيد البركة، زعيم حزب الاستقلال، الشاب طارق قديري، عند تابعه خالد الإبراهيمي، حاكم جماعة سيدي المكي، وهو أحد أحفاد لآلة ريم، سليلة سيدي علي بن براهيم البركة. ولما لم يجد عنده الترحاب، راح بعيدا يبحث عن الأصوات المؤدية لطريق البرلمان بزاوية سيدي عبد الخالق ، وسيدي رحال، أولاد سيدي مبارك ( لمباركيين) ، أولاد سيدي لغنيمي ( لغنينميين) ، سيدي بنحمدون، سيدي رحال، الخ. وعمت بركة الأصوات، كان له ما أراد.
إن أي فعل سياسي يجب أن يشتغل على ثنايا المجتمع التي تحدد الشروط العامة للمنافسة الانتخابية، وترسم خطط التحالفات الاستراتيجية المستقبلية. واضح بأن تحالف محمد بن الشيب مع العدالة والتنمية، وعدم احتواء طموح فؤاد قديري، الدي كان يمثل القوة الشابة في الحزب الديموقراطي الوطني كلفه خسارة رئاسة المجلس البلدي على المدى البعيد. وواضح أن تحالف عبد الرحيم كاميلي مع محمد بن الشيب، وإقصاء حزب التجمع الوطني للاحرار من المعادلة، من أجل الوصول للرئاسة أدى ثمنه باهظا في الاستحقاقات البرلمانية الجزئية الأخيرة. توجهت الأنظار خطأ نحو شخص محمد طربوز، وتم إغفال ضامنه صابر الكياف، ومن ورائه المعطي بنقدور الذي يعرف جوهر السياسة. إن صراع الأجيال دائما تخسره العناصر المنهارة ضد العناصر الشابة الأكثر قدرة على العطاء، والنخب القديمة تضمحل بسبب منطقها أكثر مما يضعفها خصومها، بمعنى ضعفها هو الذي يسبب قوة خصومها.
خشي عبد الرحيم كاميلي منافسة محمد بن الشيب الذي استنفد كل ما يملك من طاقات، وفضل التحالف معه، عوض التفاوض مع القوة الضاربة لصابر الكياف، المتغلغلة في العمق القروي المحيط ببرشيد. إنها 36 سنة لم ينتبه إليها عبد الرحيم كاميلي تفصل بين عمر المصطفى جبران، حفظه الله، (1937) وصابر الكياف (1973) الذي انتزع منه المقعد النيابي بمنتهى السهولة. ومن جهة أخرى، لابد من القول بأن عددا لا يستهان به ممن صوتوا لفائدة عبد الرحيم كاميلي، ضد عودة محمد بن الشيب لرئاسة المجلس، يعتبرون تحالفه مع هدا الأخير، وجعله نائبا له، استخفافا بهم. ويرى الكثيرون بأن عبد الرحيم كاميلي عاد أيضا وارتكب نفس الخطأ، وتصرف وكأنه يملك مدينة برشيد، عندما جاء بصلاح الدين شنقيط ليتكلم باسمها في البرلمان. إن أحد الدروس التي تتكرر في كل مفترق زمن تقول بإن الذين يبالغون في مدح الرؤساء نفاقا هم أول من يغذر بهم عندما تسوء الأحوال.
صحيح، فاز الشاب طارق قديري بالمقعد النيابي ، وانهزم غريمه الشاب صلاح الدين شنقيط ، على مستوى الدائرة. ولكنها القوانين نفسها التي ستخرج من قبة البرلمان سواء مع هذا أو ذاك. وأما على مستوى الأصوات المعبر عنها بمدينة برشيد ، فكلام آخر: برشيد الصامتة اتخذت "موقف اللاموقف". وبرشيد المتبرجة، وجه بالليل، ووجه بالنهار.
كان صلاح الدين شنقيط مجرد سائح عابر، أقام في المدينة 15 عشر يوما، وراح من حيث أتى، وانتهى الأمر. يرمز لونه الأزرق إلى الماء، والسماء، والحلم، والسفر إلى البعيد. ربما لم يكن غير مسافر زاده الخيال، رأى سرابا، وقد يكون هو نفسه الصياد في أغنية " شافوني الناس بالسنارة".
ويبقى السؤال مطروحا حول إعادة تركيب الشبكة الاستقلالية المستقبلية بفرع مدينة برشيد: هل العودة إلى العناصر الاستقلالية القديمة الساخطة على لوبي العقار؟ هل سيتم دمج العناصر الوفية لشخص فؤاد قديري بصفوف الحزب الوطني الديموقراطي في حزب الاستقلال؟ أم دماء شابة جديدة غير متورطة في العفن ؟ إلى أين؟
1- المصطفى جبران من مواليد سنة 1937، ينتمي للجيل الذي عايش أفراح وأقراح الكفاح الوطني. ولكن لا يعرف له انتماء للحركة الوطنية ولا لحزب الاستقلال، بسبب انخراطه المبكر في سلك الجنيدية. ولذلك تقدم للانتخابات البرلمانية 2002 بصفة عقيد متقاعد، وأرنبه في اللائحة بويري بوشعيب، عقيد متقاعد. وكدلك ترشح للانتخابات البرلمانية 2007 بصفة كولونيل متقاعد، وأرنبه في اللائحة عبد اللهعيار، دركي متقاعد. وظل يترشح بنفس الصفة في انتخابات 2011 وجعل له كأرنب رقم 1 رئيس بلدية الكارة.
2- ورد اسم فؤاد قديري سابقا في لائحة " التفاحة" التي تزعمها عبد الله القادري لخوض الانتخابات الجماعية 2009. وورد اسم طارق قديري سابقا وكيل لائحة " المظلة" للحزب الديموقراطي الوطني في الانتخابات التشريعية 2011.
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *