برشيد نيوز berrechid news برشيد نيوز berrechid news
الكل

آخر الأخبار

الكل
جاري التحميل ...

بقلم التهامي حبشي : دفاعا عن الفلسفة... دفاعا عن الحقيقة... دعوا الفيلسوف يمشي بين الناس...


دفاعا عن الفلسفة... دفاعا عن الحقيقة...
دعوا الفيلسوف يمشي بين الناس...
   إلى روحي الأستاذين الفقيدين الجليلين:
أحمد السطاتي ومحمد عابد الجابري...
برشيد نيوز: بقلم الباحث التهامي حبشي
   الفلسفة تأمل بشري وتفكير إنساني في الوجود والموجود، في الكون والكينونة والكائن...إنها ذاك الفكر البشري الفطري، وليد الدهشة والتساؤل اللامتناهي.. سليل الحرية والتحرر العقلاني...حرية الإنسان المفكر، وهو يخوض في المفكر/ واللامفكر فيه..، وبالتالي فالفلسفة انبثاق وانعتاق..، انبثاق تفكير عقلاني من بوتقة تفكير خرافي أسطوري، وانعتاق للإنسان من أغلال وأحابيل السحرة والكهان...إنها صوت الناسوت في وجه الكهنوت... الفلسفة صيرورة وسيرورة، أي تحول من التفكير الأسطوري والسحري، إلى التفكير المنطقي والعقلاني، وهي سيرورة الفكر الإنساني منذ سقراط إلى اليوم... هذا الفيسلوف الإغريقي الرائد والأصيل الذي أنزل الفلسفة من السماء(المثال المتعالي) إلى الأرض(الواقع المعيشي)، وجعلها تمشي بين الناس عبر طريقة طرح السؤال الذي كان سقراط يضعه على من يحاورهم، ذاك السؤال المدهش، المحير، المقلق والمزعج الذي يخلخل اليقينيات ويفجر الدوغمائيات، ويكشف عن كل أشكال الظلم والزيف، والتواطؤ والمؤامرة، والترهيب والتخويف...التي ظلت عبرها الأقلية الحاكمة تسيطر على عقول ونفوس الأغلبية الصامتة...

  وهو نفسه السؤال الفلسفي الذي واكب، بصيغ وأشكال شتى، تاريخ الفلسفة في مسيرتها عبر العصور القروسطية، مرورا بالأزمنة الحديثة، وصولا إلى عهد الميديا والعولمة المعاصرة..،إنه سؤال الحال والمآل الذي واكب سيرورة الفكر الفلسفي في غرابته وصلابته، في تفرده وصموده، أي في اجتراحاته ونضالاته ضد كل أشكال الهيمنة والتسلط والعنف المادي والرمزي ضد البشرية، ضد كل محاولات فرض الصوت الواحد، والمنطق الأوحد، والإنسان ذي البعد الواحد...التي كانت تحدث تارة باسم الكهنوت والميثولوجيا، وتارة باسم اللاهوت والإيديولوجيا، وتارة باسم العلم والتكنولوجيا ...الفلسفة وليدة التأمل والإبداع، وسليلة التعدد والاختلاف..وهي ليست بدعة ولا ضلالة...بقدر ما هي حكمة البشر، ودهشة الفكر أمام أسرار الكون وقضايا البشر، ونائبات الدهر، وتجارب العمر، وخسائر العصر (( والعصر إن الإنسان لفي خسر...))/ قرآن كريم.

   وبكل بساطة، الفلسفة طريقة تفكير إنساني، أو منهج برهاني في التفكير الإنساني..، فالتفكير الفلسفي، تفكير له  خاصيته وفرادته وموقعه المتميز، إنه تفكير إنساني يوجد إلى جانب طرق وأساليب تفكير أخرى، كالتفكير السحري، والتفكير الأسطوري، والتفكير الديني، والتفكير الإيديولوجي، والتفكير العلمي، والتفكير التكنولوجي.....وكل هذه الأنماط من التفكير تشكل بنية التفكير البشري عامة، أو ما  يسمى اليوم بخرائط التفكير أو الخرائط الذهنية/ العقلية، والتي هي نتاج مجال الجغرافيا المعرفية السلوكية التي تكشف عن مختلف الطرق والأساليب التي يستخدمها العقل البشري في التفكير، عبر ربط الكلمات ومعانيها بالصور والألوان، والمفاهيم والتخيلات، والرموز والعلامات... .

  ولعل الفيلسوف العربي أبو الوليد ابن رشد أدرك منذ زمن بعيد جغرافية أنماط التفكير هذه في بنية الدماغ أو العقل البشري..حين أهداه عقله المتفرد إلى الانتباه أن في النص القرآني ما يشير إلى هذا التعدد والتنوع في الخلق البشري ما بين أهل البيان وأهل البرهان وأهل العرفان... ــ (وهو ما سار عليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي نجده يميز في بنية العقل العربي الإسلامي ما بين العقل البرهاني والعقل البياني والعقل العرفاني...) ــ مستخلصا من ذلك، أن لا بأس في هذا الاختلاف الذي ظاهره شدة وباطنه رحمة، ذلك أن الخالق خلقنا أصنافا شتى..، وهو القائل في مخلوقه ((وكان الإنسان أكثر شيء جدلا))/ الكهف:54. وبالتالي، فإذا كان التفكير القويم عند أهل النظر والعقل، لا يستقيم بدون البرهان المنطقي، وإيراد الحجة بالحجة، أو ما يسمى بالحجاج عند أهل الفلسفة...، فإن مخاطبة أهل البيان بلغة المنطق والبرهان مغالطة وتعسف، أشبه ما تكون بطريقة ذاك المعلم للصبيان، الذي قال فيه الشاعر ابن الرومي: أبو سلمان لا ترضى طريقته/ لا في الغناء ولا تعليم صبيان/ له إذا جاوب الطنبور منتقلا/ ضرب بمصر وصوت في خراسان. فلكل قوم خطاب ومنهج، ولا يستقيم الكلام إلا بمراعاة سياقات المقام، أو كما تقول العرب: لكل مقام مقال... ولعل فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من اتصال..خير دال على هذا الاجتهاد الرشدي في النظر إلى تلك العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والدين...فلقد صاغ أبو الوليد ابن رشد مقولته الفيصل زمنئذ، والتي مفادها أن الفلسفة والشريعة أختان ــ لا بالنسب ــ بل بالرضاعة، فهما ترضعان من منبع واحد وهو الحق، والحق(الشرع) لا يضاد الحق (الحكمة)، بل يوافقه ويشهد عليه. ومعنى ذلك أنه لا تعارض بين الدين والفلسفة، لأنهما يبغيان نفس الغاية، وهي معرفة الله، ويدعوان إلى استعمال نفس الآلة، ألا وهي العقل.
    ولعل هذا الفيلسوف الأندلسي المغربي الفريد، الذي اتهم ــ للأسف الشديد ــ بالإلحاد وأحرقت كتبه على عهد المرابطين، أدرك قبل الأوان، وبنباهة الفلاسفة المؤمنين الشجعان، أن الخطاب القرآني، الذي أنزل بتدرج من لدن حكيم عليم، جاء متعدد الأبعاد في مخاطبة الناس على طبقات، منهم أهل النقل والبيان، وأهل العقل والبرهان، وأهل الذوق والعرفان. وهي حقيقة أنثروبولوجية تتأكد اليوم في أطروحة الإنسان ككائن مركب متعدد الأبعاد، كما يرى ذلك الفيلسوف الأنثربولوجي الفرنسي إدغار موران، صاحب المؤلفات العديدة في المنهج والإنسان المركب. فالإنسان كائن مادي ورمزي، ذو بعد بيولوجي وفيزيولوجي، وسيكولوجي وسوسيولوجي، وثقافي وديني وأسطوري وميتافيزيقي...وبالتالي لا يمكن مقاربته إلا من خلال منهج مركب، متعدد المحتديات والمنظورات...فقط لأن الناس حيوات وبيئات وسياقات، أو معادن وطبائع، كما قال فلاسفة العرب والمسلمين الأوائل، كالكندي والرازي، والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد...

   وتماما، كما أمزجة أو أفئدة الناس طبائع، فإن أنماط تفكيرهم أصناف، وإن شئت قلت ــ بلغة اليوم ـ فإن خرائطهم الذهنية أو العقلية مختلفة من فرد إلى آخر، لا تطابق بينها ولا تماثل، وكل ما في الأمر، أن كل فرد ميال إلى تغليب خريطة ذهنية على أخرى، في بنية تفكيره وتحليله ونظرته للأشياء والقيم والأخلاق، وذلك طبعا بحكم  متغيرات نشأة الشخصية والبيئة والمحيط الخارجي، وظروف التربية والتنشئة الاجتماعية...، فهناك من لا يقتنع بالبيان، فيكون في حاجة إلى البرهان، وهناك من يتجاوز أفق تفكيره البيان والبرهان، ليصل إلى درجة العرفان... ومن هذا المنطلق، فإن الحد الأدنى من احترام الطبيعة البشرية، هو على الأقل، احترام أساليب تفكيرها، وطرق نظرتها وتقييمها للأشياء والموضوعات، والقيم والاتجاهات، وطرق تصرفها في المواقف والوضعيات...ذلك أن الإنسان، مهما كان، لا يمكن أن يكون له بعد واحد، وفكر واحد، وتصرف واحد، وموقف واحد..، بل إن  المجتمع البشري وليد التنوع والاختلاف والتعدد، في الأفكار والمواقف، كما في التصرفات، والاتجاهات والسلوكات.. كذلك خلقنا الله شعوبا وقبائل..مختلفين متنوعين، باحثين عن التعارف والإئتلاف، من داخل الفرقة والاختلاف، وكل ذلك بناء على ملكة العقل. وأقصد به العقل النقدي ، المفتوح على الواقع المركب والتعددي، أي العقل التواصلي والأخلاقي في الفضاء العمومي، الذي يعانق المشترك الإنساني الكوني، عبر التواصل والانفتاح، والحوار والتسامح، في مجالات المجتمع والسياسة والمعرفة والأخلاق.. بلغة الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس، سليل مدرسة فرانكفورت النقدية، وصاحب نظرية الأخلاق والفعل التواصلي...

     إن الفلسفة جزء لا يتجزأ من الفكر الإنساني، ولأنها وليدة المتعدد والمشترك في العشير البشري، فإنه لا غنى عنها بالنسبة لحاضر ومستقبل الوجود الإنساني.  وبالتالي، فإن المشترك البشري يقتضي من ضمن ما يقتضيه أن لا نكتفي فقط بالبحث لمنتجها والمشتغل بها (الفيلسوف والمتفلسف) عن موقع قدم في حظيرة التفكير الإنساني، بل أن نسعى جاهدين إلى تثبيت قدميه معا وتوطين ذاته في حظيرة التفكير الكونية هاته..وأن نتيح له مساحات كافية كي يتحرك، يتفاعل، يناقش ويتساءل..، وبعبارة أخرى، أن نتركه يمشي بين الناس بالحكمة والمحبة، في سبيل أن يتفاهموا ويتعايشوا مع بعضهم البعض، وفي سبيل أن يتعايشوا مع الفلسفة ويتذوقونها فكريا وجماليا، لأنها (الفلسفة) بكل بساطة، هي محبة الحكمة وحكمة المحبة. والفيلسوف مجرد إنسان نبيل يشتغل بسؤال الحال والمآل، ويمشي بين الناس بالمعرفة والمحبة، بحكمة اليقظة ويقظة الحكمة، ...ألم يكن النبي محمد (ص) يمشي بين قومه بالرسالة المحمدية والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، بدون غلظة ولا فظاظة ولا تهجم ولا تجهم؟...(( فبما رحمة نلت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ...))/ آل عمران، الآية 159.إنه رسول الرحمة والتسامح الذي كان يعي، تمام الوعي، معنى قول ربه الذي خلق وعلم: (( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)).


    هكذا خلقنا عن علم، من لدن حكيم عليم. كرمنا بعقل..وعلمنا الأسماء كلها..فرجاء دعوا الفيلسوف، خديم العقل، يمشي بين الناس بكل بصيرة وتعقل، وفي يده مشكاة البحث عن الحقيقة النسبية، تلك الحقيقة المنفلتة دوما من قبضة هذا الإنسان المتعجل.. هذا الكائن الأكثر جدلا... يقول الفيلسوف الألماني  جوتهولد إفرايم ليسينغ (1729ـ1781م): ((  لو جاءني الرب يحمل في يده اليمنى الحقيقة كلها، الحقيقة الكاملة الناجزة، ويحمل في يسراه السعي الدائم في البحث الدؤوب عنها، وطلب مني أن أختار بينهما، لجثوت على ركبتي وسجدت له خاشعا وقلت: مولاي اعطني البحث عنها، أما الحقيقة، كل الحقيقة، فأنت وحدك جدير بها.)). ذلك أن الفيلسوف كما يقول جبرييل مارسيل (وجودي فرنسي مؤمن): " لا يستطيع أن يتخلى عن موقفه البشري، بوصفه إنسانا يعتنق دينا معينا، ويتنسم هواء روحيا من نوع خاص".

   فتحرروا من سلطة النقل، وانظروا بعين العقل الذي كرم به الخالق بني آدم، والذي كرمه الله في القرآن في عدة سور وآيات كثر ـــ ( منها 49  آية ذكرت العقل باللفظ، ووردت كلمة الألباب في صفة أصحاب العقول 16 مرة ...) ـــ فقد يحصل الغسق الكهنوتي أو العمى الإيديولوجي باسم التدين الأورثوذوكسي...، فتضرب الغشاوة على الأبصار والقلوب...مما يوجب التنبيه، كما تذكرنا بذلك هذه الإشراقة الفكرية العظيمة في هذه الآية الكريمة: (( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور))/ الحج، الآية 46. ومما يوجب التذكير بمنهج الصفاء في الإنصات إلى نقد الذات، كما جاء في رسالة الفلسفة والشريعة عند إخوان الصفا:((إن الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة، ومتى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية فقد حصل الكمال.)). وجاء في مأثورات الأدب القديم: ((سأل الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة عن المقديسي وما يقوله في الشريعة وفي الفلسفة، فروى حديثا يقول فيه: إن الشريعة طلب المرضى، والفلسفة طلب الأصحاح، والأنبياء يطبون المرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها، حتى لا يعتريهم مرض أصلا.)).

     فأنصتوا إلى ذواتكم وإلى صوت الضمير بداخلكم، واتركوا معلمي النظريات االفلسفية يمشون إلى جانب معلمي الديانات الطبيعية والسماوية، اتركوا مدرسي علوم الناسوت/ الطبيعة البشرية.. من تاريخ وفلسفة، واجتماع وسياسة، وقانون واجتماع وإناسة..، ينشطون، بلا مضايقة ولا مزايدة، إلى جانب مدرسي علوم اللاهوت/ الذات الإلهية والأديان المقارنة..، كل ذلك من أجل إنتاج أجيال جديدة ومجددة، بخرائط ذهنية شمولية وموسوعية، مفتوحة على هذا الكون المتعدد والشاسع، وعلى هذا الحقل المعرفي الشره والواسع، ألا وهو علوم الكون والإنسان. ((فليست الحقيقة ملكا لأحد، وإنما البشر جميعهم ملك للحقيقة.)) على حد تعبير الفيلسوف الوجودي الألماني المؤمن كارل ياسبيرز. ولتكن في كل واحد منا على الأقل ذرة واحدة من هذه الشذرة الفلسفية العميقة لسقراط  الحكيم، ذاك الفيلسوف الرائد الذي ضحى بحياته ثمنا لسؤاله الفلسفي الدائم : ((الحقيقة الواحدة التي أعرفها، هي أنني لا أعرف شيئا.)). التهامـــــــي حبشـــي.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصاءات المدونة

جميع الحقوق محفوظة

برشيد نيوز berrechid news

2016