GuidePedia



 وحي المفارقات
برشيد نيوز: بقلم مصطفى الزويتي
لا أريد أن اتورط في معمعات الغناء المتفتح على ولادة الالحان الصامتة، فقد كنت لا أتوارى وراء سخف العيش والجلوس على الكراسي الحمراء داخل مقهى، أو على طوارات الجسد الممتد من اول بداية للماضي إلى آخر عمق من أعماق البحار. أنا الآن واقف أتوسم بالتحايا والسلامات تخترقها بسمة عجلة، وعلى حافة صباح جامد أدفن آخر نظرة من يقظتي داخل شيء لا أريد أن اسميه قبراً.
وقت العشية أعود مسابقاً لبقايا العناصر الأربعة، حاملاً كنانيش صمتي المرسومة على ملامح خطواتي المتلاطمة بين خراب الأزقة. لما دخلت إلى كهفي وجدت من كانوا معي نائمين على حصير محطم التركيب. دعوتهم إلى يقظة جائعة ليتجرعوا معي كسرة أتيت بها. لم يستيقظوا لأن كل واحد منهم كانت تعانقه حيرة الحلم والرحلة من نهار الليل إلى ليل النهار. أنا الآخر أصابتني حمى الحيرة فقلت: هل أنام جنبهم أم استمر في اندثاري مستيقظا. لا أدري ماذا فعلت إلا أني صرخت. ولما شنقني السكوت وجدت نفسي مسجوناً مرهونا.
هناك بعيداً، وفي مكان ما كنت ارسم فضاء ذاكرتي، لا تريد أن تنصاع لي بداية الكتابة وحبكات القص التي مرت منها والحاضرة، لأني أريد أن أحكي عن طفولة الأشياء، وعن نفسي ومن يرافقني، وعن الكل يرافقه البعض، وأن أفسر نفسي ثائراً على كل المعاجم والمقاييس التي تقيدني فأنهار.
هكذا يأتيني وحي المفارقات الطافية على سطح لا أساس له. فمن ترتيب التكهنات إلى استجماع شظايا الحدس المتناثرة هنا و هناك، تتفتت احتراقات الشدو. وأنا لازلت أرفض التورط في معمعات الغناء المتفتح على ولادة الألحان الصامتة. عندما أتاني السؤال عن أحوال دواخلي مر بذهني صراع الخوارج بين أنفسهم، وتفرقت أمام عيني الحروف التي حددت مصادر التاريخ المنكوب. تطاولت على حدود الأزمة والمشقات، فارتجلت رجلي محاولاً قتل خطوي، واستبدال آثار قدمي المرسومة بأخرى تصنع، لأن الأولى مكبلة بسلاسل التنكيل وأزمة المشي إلى الأمام، أما الثانية فقد تبدد اتساع الثبات وتصنع من الحركة على الأقل ضيقها. أقول هذا أو اعتقده وأنا أعلم تماماً أن أصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب الميسرة في النار.
أرى، بين سجلات المشي تنهمر الحروف
وتكبر في الأصداء والعناوين
أرى، والرؤيا حلول بمساكن الحلم
تسكنني أهازيج الافتراق
سوف أصحو صحواً
وأدبر حيلا للخروج من نظام الصفوف
أرحل إلى الوصول، أجمع أشلاء المحن
وإذا كان شيئاً جسدي، يكون إن أنا قلت كن .....
لا أريد من موسيقى الآلات إلا ما تقوله ذبذبات الدف، تلك التي لا تشبه اللحن الذي أرفضه من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق. سرت بين أمعاء الكينونة، صرت بينها مكفهراً لم أحفل متى قام عودي. ولحني أنا الصامت لا ينزاح عن تركات التشطيب وقوانين الإرث. أقول لكم -إذاً- مساء خير أو صباح شرير، نهار سعيد أو ليل شقي، فاختاروا ما تريدون، اختاروا حسب ما تفتضيه مجريات عيشكم يا أيها المتواجدون معي دخل الكهف نائمين على حصر محطم التركيب، أعيدوا معي -تبعاً لذبذبات الدف- محطم التركيب هذه وشددوا عليها. فكل شيء يصير على مهل شديد، وببرودة قصوى يتم:
تحترق الخطابات بنار الممهدين لها -STOP- تتناول الفتيات وجبات الانتحار -STOP- الخلاصات، كل الخلاصات بلا تفاصيل -STOP- الشعراء -STOP- بيروت تفاحة -STOP- الكوكاكولا لذيذة واللجان مجتمعة تدرس خطر الفقر على الأغنياء و خطر الغنى على الفقراء، آه الفقراء -STOP-
أرى، والرؤية استبطان لخيام النظرة
مفتت أنا بين أشكال الملفات
ضاع الرقم الذي به أجمع أشلاء جسدي
وأعطوني جوازاً لمنع المرور وحظر الجولة
الخطوة الأولى إلى الملجأ تاهت
وهدمت شارع المشي أشياء ذكرها لا يجدي
أرى والعين أعماها عياء المفاصل
غازية قوة المراتب سادت
وحلاوة الأذواق ابادتها حموضة التوابل
لذبذبات الدف شكل الدفء الفلسطيني وحيرة الانتماء إلى بيروت. قالت: حدثنا طفل بن حجر عن حجر ابن طفل عن فتاة من صبرا، سقط القناع عن انزلاقنا؛ أنها قالت :" أقسمت ألا أسافر حتى أجفف دمعي بمنديل أمي التي غابت و طوقها كفن التراب بين أذرع ذكراي الممزقة. أقسمت ألا أمارس البكاء حتى أشعل النار في البنزين الذي يحرك بوارج الزمن، لأصافح المهيار الدمشقي ويداي ملطختان بدماء الصغيرة التي غطتها بناية بأكملها، بكتها أمها لتصنع البسمة على شفتيها رصاصة مجهولة المصدر. هكذا تنفجر فوضى الحرف وترسم كل البصمات بريشة ناجي على جبين حنظلة "

مصطفى الزويتي
برشيد 1988






Enregistrer un commentaire

 
Top