GuidePedia



من أحكام الحدود إلى قانون تجريم إفطار رمضان
مشكلة الحرية في الثقافة الإسلامية
برشيد نيوز: بقلم الدكتور ظريف رشيد
إن  العمل المتواصل والدءوب الذي تقوم به مؤسسات رسمية وأنظمة سياسية من أجل نشر خطاب ديني تقليدي ومحاولة تكريس الإيمان بنفعيته للإنسان المعاصر، يضع رجل الدين العاقل أمام مفارقة لا يمكنه التخلص منها باستعمال طرق عقلية سليمة، وتكمن هاته المفارقة فيما تثيره مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية (حسب القراءة التقليدية) من تساؤلات حول تشدد بعض الأحكام وعدم ملاءمتها للطبيعة البشرية ولروح الدين السمحة. يظهر ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في أحكام الحدود المتشددة وعدم تفريق الفقهاء المشرعين بين ما هو خاص وما هو عام فيما يتعلق بالحريات، أو فيما يمكن تسميته بلغة دينية، فيما بين المخلوق وخالقه وفيما بين المخلوقين من الحقوق والواجبات. فما هو السبب في تشكل أدبيات فقهية وأحكام شرعية تمس بالحريات الفردية وتجعل مما هو شأن خاص شأنا عاما؟ هل كان ذلك نتيجة قراءة موضوعية للنص القرآني أم أن الأمر يتعلق بقراءة خاصة وجهتها ظروف اجتماعية وسياسية معينة؟
  مما يثير الانتباه في النظر لمشكلة الحرية في المجتمعات العربية المسلمة أنها لم تقف عند حد الاعتقاد بضرورة تطبيق الحدود التي ورد  الدليل عليها في القرآن الكريم، بل نزعت إلى تكريس أفكار بين العامة تحفز على معاقبة بعض المخطئين معتبرة أن أخطاءهم تمس الدين والأمة، ليتطور الأمر إلى حد فرض عقوبات زجرية باسم القانون على من أفطر رمضان، في  تجاوز ظاهر لتسامح الدين ويسره وتركه الأمر بين العبد وربه، فما هو السبب الحقيقي في نزوع أغلب الأنظمة السياسية في البلاد العربية المسلمة إلى تكريس ثقافة التشدد الديني؟ هل يكون التشدد صفة من صفات الدين الإسلامي أم أن الأمر يتعلق باستغلال السياسة للدين؟ وما هي الأصول الثقافية لعدم احترام الحريات الشخصية وتشريع قمع السلطة والمجتمع للأفراد؟
إن ما يهمنا في الأمر، ليس مسألة تطبيق الحدود الشرعية التي غالبا ما لا تطبق، أو قانون تجريم الإفطار العلني، بل إن ما يهمنا هو البحث عن كيفية تشكل ثقافة لا تعترف بالحريات الشخصية، يتحول بموجبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي حث عليه القرآن الكريم من أجل نصرة المستضعفين إلى سلاح موجه ضد الحريات الفردية لهؤلاء المستضعفين.
من المشاكل التي لها علاقة بمشكلة الحرية، انتشار ظاهر الفضول الاجتماعي المرضي وعدم احترام الخصوصية الفردية في المجتمعات العربية المسلمة بشكل خطير، فهل لذلك علاقة بالثقافة الدينية التقليدية العامة؟
من أجل استجلاء الموضوع، نأخذ حكمين شرعيين أتبثهما الفقهاء، بناء على تأويلهم لآيات قرآنية تشريعية، يتعلق الأمر بحدي السرقة والزنا، فما هي مظاهر التشدد في هذين الحدين الشرعيين؟ وأين يظهر توجيه السياسة لعملية استصدار حكم شرعي من نص قرآني؟
بمقتضى حد السرقة حسب منظومة الشرع الإسلامي التقليدية، يعاقب الشخص الذي ثبت في حقه فعل السرقة، والتي هي: "أخذ ما للغير خفية من حرز" بقطع يمينه من الرسغ. واشترط أغلب الفقهاء تحقق النصاب في المسروق، مستدلين بالحديث الذي يقول: "لا تنقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا"[1] وقد أخذ الأغلب بهذا القول منهم المالكية فجعلوا سرقة ربع دينار موجبة لإقامة حد السرقة في حق الفاعل.
ومما يثير الانتباه في الموضوع، كثرة الروايات والآثار في الموضع. فهل يحاول الفقهاء، بالإكثار من سرد الروايات، إخفاء أمر ما في الموضوع؟
هناك نقطتين مهمتين يتم تجاهلهما في عملية إثبات حكم الحد في حق السارق، ويتعلق الأمر في النقطة الأولى بعدم اعتبار الدعوة إلى الإعراض عن السارق والسارقة إن تابا وأصلحا، تقول الآية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[2] فهل تسقط التوبة حد القطع؟ أم أن ذكر الإعراض عن التائبين مجرد زيادة لا تأثير لها على واقع الأمر؟
من خلال استثناء التائبين، يظهر أن القرآن الكريم لا يغفل طبيعة الإنسان المعرض لفعل الخطأ بفعل تأثير ظروف مختلفة، وحاجته إلى أن يشعر برحمة الله سبحانه وتعالى وبأن رحمته تسبق عقابه. ويظهر موقف القرآن من الإنسان الذي يخطأ دون أن يكون له إصرار على فعل الخطأ في الآية التي أثبتت فعل الإيذاء للذان ياتيان الفاحشة، تقول الآية: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)[3]. فالتوبة فعل موجب لترك العقاب في حق المخطأ، وإنما يعاقب المصر على الخطأ والمتردد عليه دون توبة ولا ندم.
أما المسألة الثانية فتتعلق بدور اللغة وعلومها في عملية استخراج الحكم الشرعي من النص القرآني. فعندما ذكر سبحانه وتعالى فعل السرقة قال: السارق والسارقة، وعندما ذكر فعل الزنى قال: الزانية والزاني، ولكنه عندما ذكر عقوبة القتل لم يقل والقاتل والقاتلة وإنما قال ومن قتل، فهل هناك فرق بين استعمال صيغة أسم الفاعل واستعمال صيغة الفعل الماضي أم أنه لا فرق، وإنما يتم استعمال الصيغ واختيارها بشكل عشوائي؟
إذا ما رجعنا إلى البلاغيين وعلماء اللغة فإننا نجد أنهم أقروا أن استعمال اسم الفاعل يدل على الحدوث والتجدد، وقد ذهب بعضهم إلى اعتباره دالا على الثبوت كما هو حال الصفة المشبهة، وقد اتفق الأغلب على أن دلالة اسم الفاعل تقع في الوسط ما بين الفعل المضارع والصفة المشبهة، بمعنى أنها لا تدل على وقوع الفعل مرة دون تجدد، ولا تصل إلى مرتبة إثبات صفة الفعل للفاعل.[4]
فصيغة أسم الفاعل تدل على "المضي"، كما هو الحال بالنسبة للفعل الماضي، ولكن "اسم الفاعل يدل على ثبوت الوصف في الزمن الماضي ودوامه فيه بخلاف الفعل الماضي الذي يدل على وقوع الفعل في الزمن الماضي لا على ثبوته ودوامه"[5].
يدل كذلك اسم الفاعل على "الحال"، نحو قوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين)[6]. ونحو قول: "كلانا ناظر قمرا"[7]. فاسم الفاعل يدل هنا على حال الفاعلين، وأنهم يقومون في الوقت الحاضر بالفعل المذكور.
ويدل كذلك اسم الفاعل على "الاستقبال"، " وذلك نحو قوله تعالى: (إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)[8]. أي سأخلق".[9]
ويدل اسم الفاعل كذلك على "الاستمرار"، "وذلك نحو قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى توفكون فالق الاصباح)[10]. ففلق الحب والنوى مستمر، وفي كل يوم يفلق الاصباح"[11].
أما دلالته على "الثبوت" فنحو قول القائل: "واسع الفم وبارز الجبين، وجاحظ العينين. وهو في هذه الأمثلة ونحوها يدل على الثبوت كالصفة المشبهة بل هو صفة مشبهة"[12].
بناء على ما أثبته البلاغيون العرب في دلالات اسم الفاعل، يكون "السارق": هو الشخص الذي صدر عنه فعل السرقة في الماضي،(الدلالة على المضي) وما زال يصدر عنه في الحاضر (الدلالة على الاستمرار والثبوت) وراجح الظن أنه سيصدر عنه مستقبلا (الدلالة على الاستقبال). وهذا ينطبق كذلك على الزاني.
فهل يمكن أن نقول عن الشخص الذي سرق أو زنى مرة واحد بأنه شخص سارق أو زاني يجب تطبيق الحد عليه؟ فلو كان المقصود بالحد كل شخص قام بالفعل مرة واحدة، لما قال سبحانه وتعالى والسارق والزاني، ولقال ومن سرق أو من زنى أو ومن يسرق أو من يزن، كما هو الأمر في قوله تعالى: ومن يقتل.
إن تجاهل بلاغة النص القرآني اللغوية وعدم اعتبارها في تأويل النص التشريعي مع والنزوع إلى التشدد في استصدار الأحكام، يقود إلى ظهور تناقض بين الأهداف الإنسانية للدين ودعوته إلى التسامح والمساواة وبين انتشار أدبيات فقهية تقود إلى التفريق بين أفراد المجتمع وتصنيفهم إلى كفارا ومؤمنين، صلحاء وطالحين. وهذا ما ينتج عن التأويل التقليدي للنص المتعلق بحد الزنا، يقول تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[13]. وبالتالي إذا كان كل من زنى وثبت في حقه فعل الزنى يصبح زانيا، بمقتضى التأويل التقليدي وتجب إقامة الحد عليه، فإنه بالضرورة سيصبح كل من أخطأ وأقام علاقة جنسية غير شرعية زانيا، ويصبح محرم الزواج به أو بها على المؤمنين أو المؤمنات. فهل يصح ذلك؟
لن نناقش هنا مسألة ما قام به الفقهاء من مجهودات ليبرهنوا على أن الزاني المحصن يرجم، بمقتضى نسخ آية الجلد بحديث الرجم، فهذا موضوع آخر يستوجب مزيد بحث وتنقيب[14]. غير أن الإشارة إلى ذلك تؤكد لنا بأن التشريع الإسلامي كان يوجهه الهاجس السياسي المشبع بالثقافة القبلية بطريقة ظاهرة. وبالرغبة في الحد من حريات الأفراد من أجل جعل النظام في وضع أريح.
إذا ما تأكد لنا عدم موضوعية الأدبيات الفقهية والأحكام المتعلقة بالحدود الشرعية، فهل هناك توجه عام يطبع النص القرآني يمكن أن يكون بمثابة الموجه لفهم النص القرآني التشريعي؟
عندما يرد ذكر العقاب الذي أنزله الله تعالى بالأمم السابقة لكونها لم تلتزم بشرعه، كما تمت الإشارة إلى ذلك في القرآن الكريم، يركز دائما النص القرآني على مسألة إسراف الأقوام في مسألة من المساءل، فقوم شعيب أسرفوا في بخس الميزان حتى أصبح لهم عادة، وقوم لوط أسرفوا في المتعة حتى أصبح ما هو شاذ طبيعة لهم وجبلة، وفرعون أسرف في التسلط واستعباد الضعفاء حتى ادعى أنه الرب الأعلى. وعليه فالعقاب الإلهي ملازم للإسراف في الفعل وليس الفعل في حد ذاته، إن تطبيق الحكم الإلهي بالحد في حق شخص معين يأتي في آخر المحطات الزجرية التي يمكن أن تكون موضوع اتفاق بين جماعة الفقهاء المشرعين، فالحد حق من حقوق الله تعالى يجب تطبيقه عندما يصبح الشخص يهدد المجتمع بنشر الشذوذ وجعله فعلا طبيعيا وتطبيعه مع الذوق العام، ولهذا تكلف سبحانه وتعالى بوضع حكمه في القرآن الكريم. فإذا ما بقي الخطأ في دائرة الأفعال البشرية العادية ولم يتحول إلى سلوك يقوم من خلاله المجرم بتهديد أخلاقيات الفضاء العام، فإنه يبقى خاضع لاجتهاد الجماعة البشرية، تعالجه طبقا لمصالحها وتتخذ في حق فاعله العقوبات الملائمة لظروفها الخاصة، دون أن تلجأ إلى تطبيق الحد.
وعليه فالشخص الذي يسرق لأول مرة تتم معاقبته بواسطة قوانين وضعية تكون موافقة للظروف الاجتماعية للشخص والمجتمع، ولكن الشخص الذي يتكرر منه هذا الفعل بالرغم من العقوبات التي تطبق في حقه، يصبح من الضروري أن يقام عليه الحد حتى لا يورث فعله هذا جرأة لغيرة فتتحول السرقة إلى فعل معتاد من طرف الجميع. ونفس الأمر بالنسبة لحد الزنى وغيره من الحدود.
إن تطبيق الحدود له علاقة بالحفاظ على القيم الأخلاقية التي تحافظ على تماسك المجتمع بالمحافظة على القيم الأخلاقية التي تنتشر في الفضاء العام، وسلامتها من انتشار الشذوذ والفاحشة. إن المجرم الذي يهدد المجتمع بتلويث فضاءه العام وهدم قيمه الأخلاقية أمام الملأ تجب معاقبته في الفضاء العام وأمام الملأ، وهذا الإجراء العقابي الهدف منه المحافظة أمن واستقرار الجماعة الأخلاقي والنفسي والجسدي.
إذا ما تأكد لنا ذلك، فهل يبقى من معنى لوضع قوانين تقضي بإيقاع عقوبات زجرية في حق مفطر رمضان؟
اتساقا مع مبدأ الحفاظ على أخلاقيات الجو العام للمجتمع، يكون المفطر العادي غير ضار مطلقا بالجو العام للمجتمع الإسلامي، فالإسلام يوفر متسعا من الحريات بعدد من الرخص التي يمكن أن يفطر بموجبها الصائم، وليس من حق أحد أن يبحث في غيره إن كان إفطاره بترخيص أو بغير ترخيص، والمؤمن يلتمس لأخيه سبعين عذرا. وقد يتحول الإفطار إلى سلوك شاذ عندما يقوم المفطرون بمحاولة فرض اعتقادهم على الغير بتحويل إفطار رمضان بغير رخصة، إلى طقس يتم ربطه بالنضال والدفاع عن الحريات، في مجتمع لا تقبل غالبيته المساس بمعتقداتها.
إذا ما اعتبرنا بأن الإفطار العلني الذي يتخذ شكل نضال من أجل الحريات الخاصة رد فعل ضد القمع الذي تتعرض له هذه الحريات باسم الدين، وإذا ما نظرنا في النتائج السلبية التي تترتب عن هذا السلوك، حيث يستغل النظام ذلك ليكرس ثقافة القمع وعدم احترام الخصوصية الشخصية للأفراد باسم الدفاع عن الدين وبفعل تجدر الشعور الديني بين غالبة أفراد المجتمع، إذا ما تأكد لنا ذلك، فإن الإفطار العلني يكون فعلا يمس بمصالح المجتمع، ليس من ناحية المس بروح الدين المتسامحة، ولكن من ناحية إعطاء فرصة سانحة للنظام التسلطي من أجل مزيدا من قمع الحريات باسم المحافظة على الدين التقليدي.
يبرر الفقهاء تحيزهم للسلطة على حساب العامة بالخوف من الفتنة التي تتسبب فيها العامة إذا ما فتح لأفرادها باب ممارسة الحريات، ويبررون التشدد في تشريع الحدود، التي هي في واقع الأمر موجهة إلى هؤلاء البسطاء، بالخوف على دين الله وشرعه من أن تطاله أيدي العوام الجهلة في نظرهم.
إن مسألة احتقار العامة واعتبارهم مجموعة بشرية قاصرة عقلا وأخلاقا، يهدد قصورها الاجتماعي والعقلي والأخلاقي امن واستقرار الجماعة واعتقاداتها، مقابل تبجيل الخاصة واعتبار تلك القلة أحق بالحكم لأنها مؤهلة لإدراك الأصح والأنفع للجماعة، إرثا من الثقافة السياسة القبلية التي تلبست بلباس الدين.
إن الهجوم الذي يوجهه الفقهاء للحريات الشخصية باسم الدين، والذي يخلق في الأفراد هاجس الخوف من الفتنة والخوف على الدين، قد كرس في هذه المجتمعات ثقافة الفضول المرضي وعدم احترام الحريات الخاصة لبعضهم البعض. فالفرد وفي أكثر حالاته خصوصية، حسب التدين التقليدي، يمكن أن يمس الدين أو الجماعة بسوء إذا ما تم منحه كامل الحرية. ولذلك يصبح كل فرد من أفراد المجتمع ملزم بأن يراقب الأفراد الآخرين، استجابة لهاجس الحفاظ على دين الله، وعملا بمقتضى الفهم التقليدي لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يقوم أي منهم بأفعال تمس الدين والمجتمع، بغض النظر عن كون هاته الأفعال تدخل في دائرة ما هو خاص أو ما هو عام. فالعبرة ليست بما هو خاص أو عام من الحريات، بل إن العبرة بما يمكن أن يمس الدين بسوء حسب التدين التقليدي.
قد يقول قائل ويعترض على ما قلنا بكون تشريع الحدود يستند إلى آيات قرآنية منزلة متجاهلا كل ما قمنا بتوضيحه في الموضوع، غير أنه سيعدم بالضرورة حجة يواجه بها تشدد رجال الدين بتوجيه من رجل السلطة، ومغالاتهم في تكريس هاجس الخوف على الدين عندما يتعلق الأمر بالمفطرين في رمضان من المسلمين، إن ثقافة معاداة المفطر واعتبار الإفطار فعلا يستوجب العقاب إما بالتعنيف الرمزي أو المادي من طرف العامة أو بواسطة عقاب من طرف مؤسسات رسمية، لدرجة أصبح فيها من يفطر بترخيص شرعي لا يجرأ على الأكل أو الشرب علنا خوفا من الآخرين،  لدليل على أن الفقهاء قد نصبوا أنفسهم محاسبين للأفراد حتى في الأفعال التي هي أكثر خصوصية بين العبد وربه كما كلفوا الأفراد بمراقبة بعضهم البعض. فالتدين التقليدي حول شعيرة الصوم من أن تكون خاصة بين العبد وربه، لتصبح شأنا عاما ينتصب جمهور العامة بتحفيز من رجال الدين والسلطة لمحاسبة كل من سولت له نفسه عدم أداء الشعيرة.
إن السلطة التي تقوم على القمع وتستمد مشروعيتها من الدين، لا بد لها أن تجعل من مسألة القمع والتسلط صفة دينية إلهية حتى يستسيغها الفرد وتصبح عنده بمثابة قانون وحكم رباني يجب الخضوع له، إن الفرد في ظل نظام كهذا يفتقد الثقة في نفسه ويرى أنه مذنب ويستحق العقاب، ولا يعتبر ممارسة الحريات حقا من حقوقه يعمل على تحصيلها، فالرجوع عن الذنب والتوبة والاعتراف بالخطأ لا يخفف من إقامة الحد، بل إن الاعتراف بالذنب نفسه ذنب يستوجب العقاب. إن المخطأ مجرم بالضرورة ولا اعتبار لظروفه حسب الفهم التقليدي للنص القرءاني.
إن التأويل المتشدد لآيات الحدود يمنح النظام السياسي سلطة أكبر ليس على الأبدان فقط، بل على الأذهان، وبالتالي يصبح من المستبعد أن يقوم الشخص بالدفاع عن حريته الفردية لأن ذلك سيخلق له في لا وعيه وهما بأنه يحارب دين الله، فهو يدافع عن ثقافة تكرس في شعوره احتقارا لنفسه ولغيره من البسطاء في مقابل تبجيل الأقوياء واعتبارهم أهلا للسلطة والتحكم.
فهل هناك أبلغ وأوفى من ثقافة كهذه بإمكانها أن تقوم بإعادة إنتاج نفس علاقات الإنتاج؟



[1]  الحديث متفق عليه وقد رواه البخاري ومسلم بنفس المعنى مع اختلاف بسيط في اللفظ.
[2]  المائدة، آية : 38/39
[3] النساء، آية 16/17.
[4]   السامرائي، فاضل صالح؛ "معاني الأبنية في العربية" دار عمار، الطبعة الثانية 2007. بالخصوص الفصل الخاص بصيغة أسم الفاعل والفصل الخاص بالصفة المشبهة. ص 41. و ص 65.
[5]  نفس المرجع، ص 44.
[6]  المدثر، آية 49.
[7]  نفس المرجع، ص 45.
[8]  ص.  ءآية: 71/72.
[9]  نفس المرجع، ص 45.
[10]   الأنعام. آية 95/96.
[11]  نفس المرجع، ص 45.
[12]  نفس المرجع، ص 45.
[13]  النور: آية: 2/3.
[14]  تكلم في هذا الموضوع الراحل جورج طرابشي وقراءة بحثه في الموضوع تضيء جوانب مهمة في موضوع علاقة السنة بالقرآن ومسألة النسخ في النصوص الشرعية. المرجع: طرابشي، جورج؛ "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة" دار الساقي بيروت، الطبعة الثانية، 2011.

Enregistrer un commentaire

 
Top