GuidePedia



الخياط
برشيد نيوز: بقلم مصطفى الزويتي
لكم تشده إليها تلك الليلة. العذاب هو عندما تريد أن تنسى فلا تنسى. هكذا كنت أكلم ذلك الذي تشده الليلة إليها. وكم تشده. كل حبال الزمن تشده إليها. وهو يريد أن ينسى. حتى أني أشفقت عليه وأردت أن أنسى مكانه ما عاشه هو. تضعضع وسافر في غيبوبة كسلى ولم يفق حتى طن الكأس وطرقت بابه تلك الهيفاء.

بين طنة الكأس وطرقة الباب انهارت كل الدنيا وراح العالم يلعب مع أقرانه. جاءت أوقات الحكي سكرانة تترنح، تتلاعب، تضحك، والوجود بين يديها شتات وتفاهة وخسران. انحلت كل الستائر، انكسرت كل المرايا لتظهر الحقيقة عارية وخجلي. قلنا لها لا تخجلي نحن أهلك. هل أنت الهيفاء الطارقة، أم نحن الفاتحون الحالمون بك أندلسا لا جغرافية لها، لا حدود. حتى التاريخ أصبح أبلها يبحث عن هامش في كتب ابن خلدون لينام ولا يفيق حتى نموت. اللاشيء كان حضوراً واسعا وشعيرةً لا يصبو إليها إلا من كان مثله: ذاك الذي يريد أن ينسى فلا ينسى.
   
لكم تشدني إليها تلك الليلة. يجاهد المسكين كي يلم نفسه داخل حكاية ويقول كنت ما كنت. طبوغرافيا الحزن والمواقيت اللعينة والسهاد والذي منه. كم من الواوات يكفيني لاستجمع مكنونات اللغة التي نفرت من الوجود لتستقر في كبدي أو في شيء آخر غير كبدي. ما به بي. متوحدين نحن في هم اللغة: هي طنة الكأس إذن أو هي الهيفاء التي الباب قد طرقت.

ليست هذه هي المرة الأولى التي أجالس فيها الهيفاء برفقته. كنت أتوزع بين قدرتها على أن تجعل مني مطواعاً، مطاطياً، دائما في حالة استنفار لخدمتها وكانت لا تنام حتى أرهق، وبين ارتباكه واضطرابه. كنت أتوزع بين امرأة لا تريد أن تظل أنثى، ورجل لا يريد أن يجهد نفسه في البحث عن امرأة تحبه.

هل هو كبرياء الرجولة العربية قد حل به حتى يقنعني باستساغة الأزمة، أم هو تكبر الوسامة حين تختال فوق محياه الوسيم. نعم كان يحمل ثقل برجوازية لم يسبق له أن انتمى إليها. صحيح أنه كان محط إعجاب فتيات عديدات من الطبقة اياها، وجعلن منه الرجل الذي يحمل مواصفات الرجولة. ولكن الحب كما قالت له الهيفاء، لا يعترف بالطبقات. آه من تلك الهيفاء، ليتها لم تطرق الباب. وليتنا تلك الليلة التي تشدها إليه الآن لم تكن. ليتنا متنا. وعلى اية حال، أن نموت أحسن بكثير من أن نحيا مبهمين. 

لكم تشده إليها تلك الليلة. يكاد ينهار من شدة تراكم احداثها عليه. لو رآه كل الناس تلك الليلة لقالوا: هذا الرجل يمكن أن يغير العالم كله ويجعل منه مجرد كلبة تنبح من شدة الحر. هكذا تصورته وأنا لا أعنيه في شيء، فقد كنت مجرد رجل التقاه في مقهى مكسيكو. تحولت إلى صديق بعد أن وثق في وجعلني أمين سره. هل أوهم نفسي أنني الآن اكتب عن سر أودعه إياي رجل كان صاحبي. أم أنها ورطة الكتابة تنسج صوفها مرة أخرى. آه يا صاحبي إن الكتابة عنكبوت أزلي.

عربد المطر تلك الليلة. قاسياً كان وكنا شبه عريانين. جرينا نبحث عن مخبأ ولا مخبأ وجدنا. فجأة وجدنا أنفسنا نضحك. بل نغني غناءً مرت اعوام لم نغن مثله. غنينا بصوت عال حتى أزعجنا الخلاء. وكان الخلاء جميلاً في تلك المدينة التي يقتلها الدخلاء، التي عشنا فيها سنين طويلة، حتى أننا حين التقينا لم نعرف بعضنا. برشيد الآن تاريخ وذاكرة وحزن دفين.
-2-

كانت الأيام طويلة عليه وقاسية. الليالي كانت حنونة طيعة، لكن ليس أحن وأطوع من الليلة التي تشده إليها الآن. استلقى على الفراش وقال: كان يمكن للتاريخ أن يكون أكثر مما هو عليه الآن ساذج ومترهل، لولا أنهم سرقوه. لا تسألوني من هم، فأنا الآن أحاول أن أخيط جرحه. لكني لا أملك إبرة الحياة التي يمكن أن تخيطني به. والتاريخ كي لا تستهونوا الأمر، ليس ثوباً قابلاً لأية خياطة لأي رتق. لا. انها مسألة طموح فقط. ويا له من طموح. هل على هذا الجيل أن يطمح إلى الترميم. أن يفعل في التاريخ فعل الخياط الذي استهوته امرأة فتنازل لها عن كل الأثواب. ماذا لجيل قد قوتل منذ بدئه أن يرمم. ومن خرج من حرب الاقتتال في هذه البلاد، لابد أن يكون أعرجاً، أو هكذا ساذج مترهل. الجيل والتاريخ يطمحان الآن إلى أن يعرفا بعضهما. فحتى الاغتراب أصبح حالة تكاد تكون تأريخاً. 
في تلك الليلة استطاع أن ينسى. فبعد أن قال ما قال وهو مستلق على الفراش أغمض عينيه وسافر... لكل موجة من ذلك البحر رأس نسر، الزبد جناحاه. العالم كله تجمع في بطن عنكبوت. الله ! فرغت الأرض. ها هو عرياناً يجري. أول مرة يجري عريانا في الأرض. النسر يحرص الأسماك ولا يأكلها. وغابت الشاة والذئب في عناق طويل. ينهض مرزوق من اغتياله ويلقح الأشجار. ها هو يجري دون أن يعرق. دون أن يتعب. لا يريد أن يتوقف. ألا يقولون: الحرية أولها الجري. داعب زغب ليث فابتسم الليث. وصبت حليبها على رأسه الغزالة. أمكن له أن يرى وجه المستحيل. وجه جميل. أمكن له أن يمد الذراعين إلى اقصاهما. وأن يسمع مكان التصفيق تغريدة بلبل. وحين أشار إليها جاءته بكل أقحوانتها. من أراد الحرية عليه أن يجري إليها. أتعرفون، البحث عن الحرية أجمل من الحرية نفسها. يجب أن تكون الحرية رغبة لا غاية. يجب أن تكون سبيلاً إلى الإنسان. إلى الأجمل في الحياة. إلى بلد قد دلاها العطش إلى الخراب. يا ويلي من تلك البلاد. أينك يا خياط التاريخ. أيها العبقري الذي يؤرخ لنفسه بسنين الاغتراب. الذي يطمح إلى الترميم، ويبحث عن المهادنة في عالم لم يبق فيه غير أخبار القتل. الجوهر الذي يسكنك قد حلت به العاهة. ومن يحمل جوهراً معوقاً لا بد أن يخرج أعرجاً من حرب الاقتتال أو هكذا، ساذجاً مترهلا.

جريتما تبحثان عن مخبأ ولا مخبأ وجدتما. فجأة وجدتما أنفسكما تضحكان. بل تغنيان غناءً مرت اعوام لم تغنيا مثله. غنيتما بصوت عال حتى أزعجتما الخلاء. وكان الخلاء تلك المدينة التي يقتلها الدخلاء. التي عشتم فيها سنين طويلة، حتى انكما حين التقيتما لم تعرفا بعضكما.

مصطفى الزويتي



Enregistrer un commentaire

 
Top