GuidePedia



برشيد: المدينة التي ظُلمت مرتين !!
برشيد نيوز : بقلم  ذ عبد الكبير البغدادي.
لا فلاحية ولا صناعية !..
لعل المتتبع لسَيْر الفعل المحلي العميق لمدينة برشيد بشكل شمولي مُترفع عن التجاذبات السياسية والحزبية، يلمس بشكل جلي تخبطا من مدبري الشأن المحلي في تحديد ماهية الخطوط الكبرى للمدينة وملحقاتها يالإقليم، ورسم ملامح سياسة تراعي خصوصيات المدينة على الرغم من الموقع الاستراتيجي للمدينة والمقدرات الطبيعية والبشرية التي تحظى بها، وعليه يصعب علينا تصنيف التوجهات الكبرى للمدينة أهي مدينة فلاحية أم صناعية؟ أأصحاب الشأن يسيرون بها وفق طبيعة المنطقة أم إنهم يخبطون خبط عشواء حيثما اتفق؟ .
وبالرجوع قليلا إلى الوراء نلحظ كيف درست سلطات الاحتلال الفرنسي وحافظت على الطابع الفلاحي بل إنها لم تتجرأ على إنشاء أي من الوحدات الصناعية إلا ما يرتبط بالفلاحة لما لذلك من تأثيرات سلبية على الفُرشة المائية ونوع التربة الخصبة ، وهكذا كف المحتل يده عن المدينة وترك المجال واسعا للفلاحة وزادت من المناطق الخضراء والتشجير ومكنت للمنطقة من أن تشق طريقا واضحا في فلاحة الأرض وخزَّانا من الحبوب ومزودا لأكبر الأسواق الوطنية والقطب الاقتصادي الأضخم وما يستتبع ذلك، بل إنه من المرشح أن يكون للمدينة دور كبير: فهي يإمكاناتها الطبيعية وخبرة سكانها ومِراسهم في هذا الاتجاه يمكِّن المنطقة من تبوء الصدارة حتى تكون سلة غذاء للمغرب عموما.
أرجع لأقول إن ردحا من الزمن كان المحتل الفرنسي مدركا للأهمية الفلاحية للمدينة، وهذا ما أكده بعض قادة الاحتلال الذين ساسوا المدينة إبان فترة الاحتلال في المنطقة بعد عودتهم بعد سنوات الاستقلال حين عبروا عن اندهاشهم وخيبتهم من تحويل المدينة إلى غير ما لايتلاءم وطبيعتها، لكن ذوي القربى لم يحترموا كل هذا بل خلطوا الأمور أو بالأحرى اختلطت عليهم ليخبطوا خبط عشواء، تؤدي المدينة فاتورَته كبيرة، في غياب سياسة واضحة تحفظ للمدينة مقوماتها وترتقي بها، لتجد نفسها أمام اختلالات عميقة تستعصي على الدارس فهما فأحرى على السياسي تدبيرا وحلا، والأدهى أن يستمر منتخبو المدينة في سياسة الهروب إلى الأمام وترقيع ما لا يرقع، والنسج على غير صواب أمام استفحال مختلف الظواهر البيئية الخطيرة والمشكلات الاجتماعية والأمنية والثقافية.
أين البوصلة؟
إن غياب الإدراك السليم في شموليته للقضية جعل من المدينة خليطا غير متجانس تظهر أعراضه جليا، فهاهي الأراضي الخصبة ذات الخصائص المميزة في الفلاحة، تتآكل يوما بعد يوم مما يفوت على الوطن مغنما كبيرا، لتنتشر مكعبات الإسمنت وعلب المساكن التي ضاقت بسكانها، ويُغرَى الفلاحون المستضعفون ببيع أراضيهم لسماسرة لا همَّ لهم إلا الاغتناء، في غياب سياسة لدعمهم أو حتى تأطيرهم فلا سلاح لهم في مواجهة أخطبوط العقار، وكيف لهم بذلك ومن يسهرون عليهم لا يملكون هذا السلاح ولا يسعون إليه، نعم يربح الأفراد والشركات والسماسرة وتخسر المنطقة والبلد!! وتضيع الفرص!!
تتحول الأراضي الخصبة المعطاءة إلى كتلة اسمنتية أو معمل أو وحدة صناعية تنفث سمومها في سماء مدينتنا، وتسمم مياهنا الجوفية صباح مساء، تنشر الأمراض والعلل، فيحل الوباء والبلاء.وما عليك إلا أن تبحث في أرشيف العيادات والمستشفيات لتكتشف هول ما أصاب المدينة وانتقل إلى سكانها.
أما قصة الماء الصالح للشرب ، ومياه الصرف الصحي والصناعي، فتلك قصص أخرى يعرفها أهل المدينة داخل بيوتها، وروادها عند مداخلها، ليفضح الصرف الصحي أصحاب القرار والشأن، ويُفصح بوضوح عن طبيعة سياسة المدينة.أيعقل أن نستقبل داخلي المدينة بأبشع الروائح وأنثنها؟ أمِنْ ضمير سياسي أو أخلاقي يتحرك من وهدة السبات العميق ليهتم بالمشاكل الكبرى قبل فوات الأوان؟.
شيد أصحابنا المعامل والمصانع، كل مرة تراها تزحف وتتكاثر، وتلتهم ما حولها من الأرض وتلوث سماءها وتسمم باطنها، لتصير مادة جذب لأنواع العمال والمستخدمين من أنحاء البلد؛ لكن في المقابل لم يواكب ذلك التزايد الهائل في السكان القاطنين والعمال الوافدين، لم يواكبه نفس الإيقاع في تشييد ينيات الاستقبال، فتتناسل المشاكل بأنواعها وألوانها، فسرعة تزايد السكان لا يرافقها زيادة في المرافق الصحية من مستشفيات ومستوصفات وأطر طبية وتجهيزاتها، وعقم في توالد المؤسسات التعليمية مما يعني اكتظاظا وترديا في المستوى المعرفي (نتنمت)وشُحًّا في إنتاج الطاقات العلمية والثقافية التي اتسمت بها المدينة. وتطفو على السطح أزمة السكن التي يكتوي بها أهل المدينة، والتي لا يجد لها مدبرو الشأن العام إلا حلولا تزيد من فداحة المشكل، ثم البطالة، والانفلاتات الأمنية، وغياب البنيات الثقافية والترفيهية الكافية، واضمحلال المساحات الخضراء... لتجد الساكنة نفسها في خضم غريب عن قيم المدينة وتاريخها المجيد.
مشاكل وظواهر بالجملة، أشبه بكُبَّة الخيط كلما جذبتها أرتك المزيد منها.ولست أروم التفصيل هنا بقدر ما أتوسل بذلك إلى كشف الاختلال الفادح في سياسة المدينة، حيث كلما قلبت النظر إلا وتلمح مظهرا من مظاهر مَظْلمة المدينة. ولإن كنت قد عنونت مقالي هذا بالمدينة التي ظُلمت مرتين، فهي حقا ظُلمت وتظلم مرات عديدة.
يتبع...

Enregistrer un commentaire

 
Top