GuidePedia




فهم الدرس الفلسفي المقرر
تحقيق الغايات وتحصيل النقط
بقلم الدكتور ظريف رشيد
من الضروري أن نتساءل عن الأهداف التي من أجلها وضع الدرس الفلسفي كمادة مقررة للتدريس في برامج التعليم الثانوي التأهيلي. فمعرفة الأهداف الأولى تؤهل التلميذ والطالب لتحصيل هذا الدرس وضبط مختلف تعالقاته، بغية فهمه بشكل صحيح. إن القصد إلى المعرفة بشكل واع يخفف على طالب المعرفة جهد التعامل العشوائي مع المادة، كما يؤهله لاستغلال المادة أحسن استغلال، سواء من ناحية استفادته منها في حياته الشخصية والاجتماعية من ناحية ممارسة النقد والانفتاح على تاريخ الإنسانية، أو من ناحية تحصيل نقط جيدة في الاختبارات.
فما هي أفضل وأسهل طريقة للتعامل مع الدرس الفلسفي من أجل فهمه وضبط مختلف تعالقاته؟
قبل الإجابة عن هذا التساؤل، نشير هنا إلى تلك الصعوبة التي ترتبط في ذهن العامة بخصوص فهم الدرس الفلسفي، إذ يشتهر عند الأغلبية أنه خطاب غامض وغير مفهوم. ونؤكد بأن هذا الرأي غير صحيح مطلقا، وإنما تأتي الصعوبة من الطريقة التي يتعامل بها أغلب الأساتذة في تدريس وتوصيل مضامينه. حيت يجزئونه إلى دروس دون أن يركزوا بالأساس على الروابط الأساسية التي تجمع بين مختلف الدروس (المفاهيم)، فعدم الربط الممنهج يجعل كل درس في معزل عن باقي مكونات الدرس الفلسفي عموما، الشيء الذي يجعله صعب الإدراك والتصور في ذهن الطالب. هذا العزل يجعل المتلقي/الطالب ملزم بأن يختار حل من اثنين: إما أن يلجأ إلى حفظ محتوى الدرس المعزول دون أن تتشكل لدية صورة عامة تمنحه إمكانية وضع تصور عام يساعده على ملأ الفراغات بسهولة وإرجاع الأفكار إلى سياقاتها العامة، (الفهم بالوعي) وإما أن يعترف بعجزه ويتخلى عن محاولة الفهم ليعتمد على أساليب الغش في مواجهة الامتحانات. إن العمل على توصيل الدرس الفلسفي (مجموع الدروس لمادة الفلسفة المقررة في عمومه) إلى التلميذ بوصفه كل متكامل ولا يقبل التجزيء، مع التركيز على تاريخية الأفكار بوضعها في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، هو السبيل إلى جعل الدرس الفلسفي أكثر سهولة، وهذا يمكن التلميذ من الاستفادة من الحصول على نقط جيدة في الامتحان كما يمكنه من الاستفادة في حياته الخاصة والعامة أيضا، وذلك بتحقيق وعي شخصي واجتماعي وتاريخي، وهذا الأخير هو الغاية الأساس، خصوصا في ظل الوضع الذي تعيشه المجتمعات العربية المسلمة والمتسم بالأمية التاريخية وعدم القدرة على ممارسة النقد. أما النقطة أو العلامة، فليست أكثر من وسيلة لتقييم مستوى فهم التلميذ وقدرته على التعامل من النص الفلسفي من ناحية الفهم والاستثمار، ولكنها تبقى أساسية في توجيه الطالب مستقبلا.
• درس الشخص نموذجا
سنقوم هنا بإعطاء بعض النقط الأساسية التي تسهل على التلميذ التعامل مع الدرس الفلسفي، نأخذ أول مجزوءة في مقرر الباكالوريا وهي "مجزوءة الوضع البشري"، وسنحاول في هذه السطور أن نجعل الطالب يحقق في ذهنه تصورا عاما عن هذه المجزوءة حتى يتمكن من وضع تصور عام لها، سواء من ناحية تعالق مفاهيمها/الدروس الثلاث، أو من ناحية وضعها في السياق العام للدرس الفلسفي.
المرحلة الأولى: يجب أن يضع الطالب في ذهنه أن دراسة مجزوءة الوضع البشري تفترض أن يكون قد حصل جملة من المعارف التي تعتبر ضرورية لكي يفهم هذه المجزوءة ويضيفها إلى ما سبق، حتى تملأ الفراغ في ذهنه الذي يخلفه تعرفه على الإنسان عموما. وعليه، يفترض في الطالب أن يكون قد تعرف على نشأة الفكر الفلسفي ومن تم إشكالية "السؤال الفلسفي" كما يفترض فيه أن يكون قد تعرف على مفهوم الإنسان وكذلك على مفهوم "المجتمع" في عمومه.
تأتي مجزوءة الوضع البشري، باعتبارها لبنة تضاف إلى لبنات بناء الدرس الفلسفي (باعتباره تصورا ذهنيا) فهي إضافة قبل أن تصبح دعوى إلى إضافة أخرى.
إذا كان الطالب قد تعرف على الإنسان في عمومه، فإنه يصبح مطالبا بالتساؤل عن علاقة الشخص بالإنسان، هل يمكن اعتبار أن كل إنسان هو شخص؟ وهل كل شخص هو إنسان؟
من الأكيد أن كل شخص هو إنسان، ولكن ليس كل إنسان هو شخص، وعليه، فما هي المحددات التي تجعل الإنسان يرتقي إلى مرتبة الشخص؟
لكي يصل الإنسان إلى درجة الشخص من الضروري أن يحقق ثلاث مميزات أساسية: وعيا بذاته، ووعيا بالآخر ثم وعيا بالتاريخ. وهذه العناصر الثلاث هي المفاهم/الدروس التي تتكون منها مجزوءة الوضع البشري.
يشكل موضوع "الوعي بالذات" درس الشخص، فحينما يتمكن الإنسان من امتلاك وعي بذاته، فإنه يكون قد حقق الخطوة الأولى في طريق "الشخصنة" فكيف يتحقق الوعي بالذات؟
وبعد ذلك، يدفعه وعيه بذاته إلى محاولة تكوين وعي بالآخر، وفي خضم تفاعله مع الآخر مستغلا طرق التفكير الممكنة، وبفعل استخدامه للعقل، يصبح في مواجهة تشكيل وعي بالتاريخ.
فما هي اسس تشكل وعي الشخص بذاته من خلال درس الشخص؟
ينقسم البحث في تشكل الوعي بالذات إلى محاور ثلاث (محاور درس الشخص).
المحور الأول: الشخص والهوية/ ما الذي يحدد هوية الشخص؟ لنستعرض مواقف ثلاثة فلاسفة في هذا المحور:
موقف ديكارت: يرى ديكارت بأن الأنا المفكرة هي ما يحدد هوية الشخص، وهذه الأنا المفكرة تتميز بأفعال متعددة كالشك، والنفي والفهم...إلخ. غير أن هذا التعدد لا ينفي وحدة الذات وتطابق الشخص مع نفسه.
موقف جون لوك: إن ما يشكل هوية الشخص عند جون لوك هو الشعور، والمقصود هنا، الشعور الممتد في الزمان والمكان المرتبط بالفكر، فالشخص إذن حسب رأي جون لوك يتحدد بامتلاكه شعورا خاضعا لشروط الزمان والمكان ومرتبط بالفكر.
موقف شوبنهاور: يرى شوبنهاور أن الإرادة بوصفها نواة وجود الإنسان الذي لا يحده الزمان والمكان، هي المحدد الأساسي للشخص. والمقصود هنا بالإرادة، إرادة الحياة، أي المبدأ الكوني الذي يعبر عن المجهود الغريزي لذى كل كائن حي للحفاظ على نوعه في مواجهة بقة الكائنات.
ما هو الفرق بين الآراء الثلاث للفلاسفة في موضوع تحديد هوية الشخص؟
يركز ديكارت على الذات المفكرة كمحدد أساسي للشخص طبقا لنسقه الفلسفي الذي يعتبر أن للذات الواعية دورا أساسيا في المعرفة، أما جون لوك فيذهب إلى التركيز على دور الشعور المرتبط بالفكر في تحديد الشخص طبقا لمذهبه الفلسفي الذي يعتمد على التجريب الذي يقوم على الشعور (الإحساس) في بناء المعرفة. أما شوبنهاور فيقول بالإرادة توافقا مع مذهبه الفلسفي الذي يتأسس على إرادة الحياة.
يجب أن يدرك الطالب أن رأي الفيلسوف في أي موضوع ليس اعتباطيا وإنما يكون نتيجة لتوجهه الفلسفي، هذا التوجه بدوره تدخل في تشكله عوامل تاريخية واجتماعية ومعرفية، فإدراك هذا الترابط يسهل على الطالب تذكر رأي أي فيلسوف بوضوح من أجل تحليله ومناقشته.
المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة
موقف كانط: يرى كانط أن الشخص غاية في ذاته، وهذا ما يجعله يمتلك قيمة مطلقة بخلاف الأشياء التي لها قيمة نسبية فقط، يسمي كانط القيمة المطلقة التي يمتلكها الإنسان بالكرامة. والكرامة هي الأخلاق التي تستوجب على الشخص احترام الغير واحترام الذات، وبالتالي، فالاحترام الذي يوجهه الشخص لذاته في حقيقته هو احترام للإنسانية جمعاء.
موقف جورج غورسدوف: يرى غوسدروف أن الشخص يكتسب قيمته من انفتاحه على الآخرين وتعاطفه وتضامنه معهم. فالتعارض مع الآخرين أو العزلة لا يمكن أن يحقق قيمة الشخص.
ما هو الفرق بين رأي كانط ورأي غوسدروف؟ الفرق بين الفيلسوفين في تحديد قيمة الشخص هو أن كانت يذهب إلى اعتبار الأخلاق المثالية باعتبارها أفكار، هي ما يحدد قيمة الشخص، بينما يذهب غوسدروف إلى اعتبار الأخلاق الواقعية التي يمارسها الإنسان في تعامله اليومي الاجتماعي هي ما يحدد قيمة الشخص.
المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية.
رأي باروخ اسبينوزا: يرى اسبينوزا أن الشخص محدود للغاية، فهو ليس حرا في اختياراته لأنه خاضع لنظام الطبيعة، وبالتالي فإن الاعتقاد في حرية الشخص، ناتج عن وهم سببه معرفة الناس بأفعالهم ورغباتهم، وجهلهم بالأسباب الحقيقة التي تقف وراء هذه الأفعال والرغبات.
موقف جون بول سارتر: يرى سارتر أن الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا، فهو مشروع وجود يحيا ذاتيا مفتوح على المستقبل، يتحقق بحسب ما ينوي وما يشرع في فعله انطلاقا من هذه النية، وحريته هذه هي ما يجعله مسئولا عن الحالة التي هو عليها.
ما هو الفرق بين رأي سارتر واسبينوزا بخصوص مسألة الشخص بين الضرورة والحرية؟
يذهب اسبينوزا إلى القول بأن الشخص خاضع لقانون الطبيعة انطلاقا من مذهبه الذي يجعل من الطبيعة مؤطرا حاسما وموجها لحياة الإنسان، انطلاقا من الإيمان بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة. أما سارتر فيذهب إلى القول بحرية الشخص تماشيا مع مذهبه الوجودي الذي يرى بأن الإنسان حر في اختياراته ومسؤول عن هذه الاختيارات.
- ملاحظة
نشير هنا إلى أن هذه السطور مجرد توضيح بسيط لكيفية التعامل مع الدرس الفلسفي من جهة الفهم والإدراك، وهي تحتوي على إشارات فقط ولا تغني عن مطالعة "درس الشخصية" المقرر.
و نعد التلاميذ المهتمين بأننا سنحاول كتابة سطور وننشرها في أقرب وقت في "كيفية التعامل مع السؤال في مادة الفلسفة بجميع أنواعه.
وحرصا منا على نشر الفكر النقدي ومحاربة الأمية التاريخية التي يعاني منها مجتمعنا، فإننا نعد التلاميذ من سكان مدينة برشيد أو من يمكنه الوصول إليها، بأن نقدم لهم كل المساعدات والدعم في مادة الفلسفة مجانا. فعلى الراغبين الاتصال بالرقم الهاتفي الآتي: 0635305771 أو بمقر جمعية الغنى للتواصل.
ونتمنى للجميع كل التوفيق

Enregistrer un commentaire

 
Top