GuidePedia



الانتحار تحت الضغط والإكراه
(أي دور للسياسي؟)
برشيد نيوز: 
تؤكد الأبحاث في حقل العلوم الاجتماعية أن ظاهرة الانتحار مؤشر يكشف عن خلل عميق يمس المنظومة الاجتماعية في علاقتها مع السياسة والاقتصاد، إلى درجة أن الفرد يجد نفسه مضطرا لوضع حد لحياته هروبا من الواقع المأساوي الذي يعيشه، والذي يتجاوز قدرته على التأقلم بأي شكل من الأشكال.
نأخذ هنا نموذجا من عمليات الانتحار التي أخذت تنتشر في مجتمعنا المغربي مؤخرا بشكل مثير، والتي تعتبر بمثابة تعبير عن رفض الواقع، وإن تعددت الطرق إلى أن الرابط بينها يبقى ظاهرا وجليا، فالأفراد الذين يقومون بوضع حد لحياتهم بطرق مختلفة يجمع بينهم قاسم مشترك، يتمثل في الوضع الاقتصادي والاجتماعي المزري الذي يعيشون فيه، والمسؤوليات الكبيرة التي يتحملونها.
إقدام "أمي فتيحة" على إحراق نفسها كان نتيجة الوضع المادي المزري الذي تعيشه، إضافة إلى تعنت رجل السلطة الذي منعها بطريقة تحقيرية حتى من السعي وراء قوت يومها في الأزقة كما تفعل الكائنات المشردة المضطهدة، يضاف إلى ذلك الخوف أو فوبيا المخزن التي تربى عليها الفرد في المجتمع المغربي.
الفقر المدقع، تعنت رجل السلطة، والخوف المرضي من المخزن، يضاف إلى ذلك عامل آخر، هو تواطؤ رجل السياسة الذي نجده على أتم الاستعداد لبيع مصالح المواطن بأبخس ثمن، سواء للرأسمالي أو للنظام. اجتماع هذه العوامل في مجتمع معين كفيل بأن يجعل المواطن يتعرض لأبشع الأمراض النفسية التي تقوده إلى الانتحار بأي شكل من الأشكال.
الغريب في الأمر هو أنه لم يتم التساؤل في هذه الوقائع المأساوية عن دور رجل السياسة في الدفع بالمستضعفين إلى حافة الانتحار، من منطلق أنه مسئول عن تدبير وتسيير الشأن المحلي والرقي به، كما يناط به تمثيل المواطنين أمام السلطة التنفيذية والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية بالطرق السياسية المعقولة. أين هو رجل السياسة في واقعة انتحار "أمي فتيحة"؟ ولماذا يتم تغييب دوره والتستر عليه؟
لن نتجشم عبأ الترحال إلى مدينة القنيطرة لنبحث في دور السياسي في انتحار "أمي فتيحة"، وإن كان ذلك من السهولة بمكان، فلن نعدم مثالا على ذلك في كل بقعة من بقاع وطننا الحبيب.
هنا في برشيد، وبالضبط بالحي الحسني، الحي السكني الذي يجمع فئات اجتماعية تغلب عليها الهشاشة والفقر، قام السيد: أ. م. برمي نفسه من شقته المتواجدة بالطابق الثاني ليضع حدا لحياته.
السيد. أ. م. يعمل في النظافة، تستخدمه الشركة التركية التي تعاقدت مع المجلس البلدي السابق، يتقاضى صاحبنا قيد حياته كأجر حوالي 2400 درهم، يذهب منها 1500 درهم نفقة لأطفاله المحضونين من طرف طليقته، يتم اقتطاع 500 درهم لتسديد قرض بنكي. هذا ما يحكيه عنه أصدقاؤه وزملاءه المقربين. ترى هل يستطيع ما يتبقى أن يكفيه ليسد به رمقه؟ دون أن ننسى أنه كان يدخن كثيرا كما يحكي عنه زملاءه.
عوض أن يقوم السيد رئيس المجلس البلدي بالدفاع عن هذه الفئة المقهورة المهضومة حقوقها، قام مؤخرا بتوجيه طلب للشركة العاملة في النظافة بأن تقوم بجمع الأزبال ليلا عوض النهار. لم يترك للعمال أي خيار سوى الخضوع للأمر دون مناقشة، فإما أن ينقادوا للأوامر وإما أن يتركوا العمل الذي ظاهره فيه عمل وباطنه ذل ومهانة، ولكنهم فضلوا العمل المهين على مواجهة الجوع فاستسلموا للأمر.
ألم يكن من اللازم أن يقوم السيد الرئيس في نفس الوقت بأن يطلب من الشركة تحسين ظروف العمال ماديا وتعويضهم عن الضرر النفسي والجسدي الذي يصيبهم جراء العمل طوال اليل، أم أنه يخشى أن يفتح باب تحسين أحوال العمال فيضطر هو وشيعته ممن يستغلون العمال ويوظفونهم في شركاتهم بأبخس الأثمان، للزيادة في أجورهم.
القاعدة التي عهدنا في هذا الوطن الحبيب، هي أن الأضعف يتحمل وزر كل تغيير أو إصلاح مزعوم. لماذا لم يقم السيد الرئيس بتوجيه أوامره للأشخاص المحتلين للملك العام بإخلائه حتى يساهموا في تحسين المنظر العام للمدينة، إن كان بالفعل يرمي العناية بالمدينة ومرافقها، فاحتلال الملك العام واستغلاله بطريقة بشعة لا يقل سوء عن انتشار الأزبال والقاذورات في المجال العام للمدينة. بالطبع فهؤلاء من الشيعة الذين ساعدوه على التربع عن الكرسي، والبعض منهم يحتل مقعدا في المجلس يخول له حق احتلال الملك العام واستغلاله دون رقيب ولا حسيب، حتى يبقى مدللا وبعيدا عن أن يفكر في إيذاء نفسه بأي شكل من الأشكال.
لنتساءل في ظل هذه الظروف ومن خلال سياسة محاباة البعض على حساب آخرين، والإقصاء والضغط الذي تتعرض له الفئات المستضعفة، كيف سيكون حال عامل النظافة هذا الذي تستغله الشركة التركية بمباركة السياسي المتواطئ، دون تعويض يجبر ضرره النفسي والجسدي، وتطبق عليه قوانين مدونة الأسرة التقدمية دون أن يتم إصلاح وضعه المادي والاجتماعي ستكون فكرة الانتحار أقرب إليه من حبل الوريد.
إن تغييب دور السياسي في الدفع بالمواطن لحافة الانتحار غرض مقصود، فالسياسي رجل تافه شرير (حسب طرح حنا أرنت) يتاجر في مصالح الناس وحياتهم وأعمارهم في سبيل أن يرضى عنه النظام ويبارك تجارته، ولذلك يجب أن يبقى بعيدا عن مثل هذه الوقائع المشينة حتى لا يفقد ما تبقى من رأسماله. فهناك القائد والمقدم والشيخ يمكن تقديمهم كأضاحي ويمكن تعويضهم من أبناء الشعب بكل سهولة، وهم كذلك مستعدون للتضحية في سبيل أن يبقى الكبار كبارا.

Enregistrer un commentaire

 
Top