GuidePedia



التوجيه الدراسي: قرار واختيار

بقلم: الخامس غفير
أخي التلميذ:
ها أنا ذا ألتقي بك مجددا، في هذه الفترة لعلها تكون بداية التتويج، تتويج لسنة من العطاء
والجد والتحصيل، ألتقي بك لأتحدث إليك هذه المرة عن مسألة غاية في الأهمية في مسارك الدراسي والمهني...لن أتحدث إليك عن التحصيل وتنظيم الوقت، ولا عن طريقة المراجعة و...
وقد تتساءل: أهناك شيء أهم من الحديث عن التحصيل الآن؟ أهناك ما هو أفيد لي من النجاح والحصول على شهادة آخر السنة؟
أجيبك فأقول: نعم تساؤلاتك مشروعة، ومقبولة، لكن لا أريدك أن تسبق الأحداث، وتقدم أحكاما مسبقة. حسبي أني أشعر بك تعيش في حيرة من أمرك الآن، إن لم أقل إنك في حيص بيص من كثرة ما تفكر فيه أو ستفكر فيه بعد حصولك على هذه الشهادة التي انتظرتها وعملت لها لسنوات.
أيها الفاضل:
إن هذه الحيرة سببها هو مجموع الضغوطات والإكراهات التي تمارس عليك من طرف المجتمع، والأسرة، والأصدقاء...كما أن سبب هذه الإكراهات هو وقوفك أمام خيارات واختيارات متعددة ومتنوعة سواء قبل حصولك على الشهادة أو نجاحك في القسم.
عزيزي التلميذ:
لا يكفي أن ننجح وليس مهما فقط أن نحصل على شهادة من الشهادات، ولكن المهم – فيما يبدو لي- هو ما بعد هذا الإنجاز الرائع والجهد المتميز؟ وبصريح العبارة ما هو التوجيه الذي وقع عليه اختيارك بعد نجاحك؟ هل وضعت لنفسك خطة وتخطيطا وهدفا؟
إن هذا الأمر، هو ما اخترت أن أفتح معك فيه هذا النقاش الأخوي، القلبي، لعلي أسهم في تذليل بعض العقبات التي تعترض سبيلك، لعلي أكون ذاك المرشد في هذا الوقت الذي تَدْلَهم فيه المسارات أمامك.
أيها الشاب الطموح:
للتوجيه أهمية كبرى، كما يعتبر من الأمور التي ينشغل بها الآباء والتلاميذ على السواء، وله قيمة لا تقدر بثمن، بل هو الضامن-بعد الله عز وجل- للنجاحات التي يحققها الطالب في مستقبله الدراسي، وجهاده المعرفي، وتحصيله العلمي ثم تفوقه المهني. واعلم أن أي خطإ في التوجيه قد تكون له تأثيرات سلبية وعواقب عكسية على وضعيتك ومسارك الدراسي، وسلوكك الثقافي والفكري في المستقبل.
أخي الحبيب:
لكي تحسن الاختيار وتتجاوز العقبات، اسمح لي أن أهمس في أذنك مرة أخرى، لأقول لك: لكي تتفوق لابد من اتخاذ الحيطة والحذر من التسرع في الاختيار، لابد من اعتماد التقدير المسبق لأي خطوة تخطوها، فنحن عندما نختار، نختار لذواتنا، وهذا صحيح، لكننا نختار أيضا للأسرة والمجتمع. لهذا دعني أقترح عليك بعض الخطوات التي تنير طريقك وبصيرتك، وتذلل ما صعب أو أشكل عليك، أو ما اعترضك من استفهامات.

1- عليك بالجمع:

أقصد بالجمع، جمع المعطيات والمعلومات عن المؤسسات والمعاهد والشعب والجامعات التي ترغب في ولوجها أو التسجيل بها، بل جمع جميع الإرشادات التي تخصك وشعبتك، لذلك أدعوك إلى اقتناء بعض الكتيبات والملحقات والاطلاع على بعض الصحف والمجلات والمواقع على الأنترنيت التي تتضمن جميع العناوين والمؤسسات التي تهتم بها.[1]

2- اعرف نفسك:

لا أحد يستطيع معرفة ذات التلميذ/ الطالب، وما يسكنه ويختزنه من معلومات أو رصيد معرفي، أكثر منك نفسك، معنى ذلك أنك إن أردت الاختيار السليم فعليك بمعرفة ذاتك جيدا. والحق أقول: لا أحد يعرف التلميذ أكثر من نفسه، وذلك من خلال تفاعله مع البرامج الدراسية، والممارسة الفصلية، ومن خلال ارتسامات الأساتذة، وبالتالي فعملية التوجيه تخص التلميذ أكثر من غيره، لأنها تلامس وجدانه وميوله وقدراته، لذا عليك أن تختار ما يلائم ملكاتك وقدراتك المعرفية والإدراكية.

3- رتِّب أولوياتك:

بعدما توفقت وتيسر لك جمع المعطيات، أدعوك إلى ضرورة ترتيبها حسب الأولويات. مثلا: إذا توصلت إلى الحصول على معلومات عن خمسة أو عشرة معاهد، أو مؤسسات أو جامعات... عليك بتنظيم أفكارك حولها، حتى تتجنب الوقوع في الحيرة من جراء تعدد الرغبات، ولكي لا تعيش صراعا نفسيا ولا تشتتا ذهنيا، قم بترتيب هذه الاختيارات وفق سلم الأولويات، وهذا ما سيجعلك مستقر الحال، وثابتا على توجهك متجنبا سوء التقدير والاختيار.

4- أنجِز ملفا:

بعد الترتيب، ننتقل -أيها المجد- إلى مرحلة الإنجاز، وأقصد به إنجاز ملف كامل وشامل عن أهم المعطيات التي تبحث عنها، كما أقترح أن يكون هذا الملف متضمنا لبعض الوثائق المطلوبة، كبعض النسخ من بطاقة التعريف، والصور الشخصية، وعقود الازدياد، وكشف النقط، والشواهد المحصل عليها، بالإضافة إلى نسخة من نهج السيرة الذاتية...عند إرسال الطلبات إلى المدارس والجامعات، أو المعاهد. وهذا من أجل الاقتصاد في الوقت، أي كي تتجنب معاودة السفر والتنقل أكثر من مرة، إذا كان المكان المقصود بعيدا من محل سكناك، وثانيا حتى تتجنب بعض المفاجآت، كالإضرابات في الإدارات أو قطاعات معينة كالنقل أو التعليم، أو مصلحة تصحيح الإمضاء...إذن ما العمل؟؟
أدعوك إلى تكوين ملف، وجمع جميع الوثائق التي تهمك.

5- استشِر مَن نجح:

أخي الفاضل كن حركيا، منفتحا على الآخرين مستفيدا من تجاربهم، لهذا الغرض أدعوك إلى استشارة بعض الإخوان والأصدقاء ممن لهم تجارب متميزة ورائدة في المجال الذي تبحث فيه عن ذاتك.
وفي موضوع الاستشارة هذا، أحذرك أن تستشير الإنسان الفاشل، فلا تتوجه بأسئلتك واستفساراتك إلى كل مثبط أو داع إلى التيئيس والقنوط. حتى لا تُسقط تجربته السلبية الفاشلة على حياتك ومسارك، وحتى لا تتجمد إمكانياتك وقدراتك، لذا أدعوك إلى الاتصال بذوي العقول التواقة إلى العلم والمعرفة والعطاء، الذين أفلحوا فيما اختاروه.
بهذا تكون قد كونت صورة تقريبية عما تبحث عنه، عندئذ يتمثل فيك ما جاء في الأثر: "ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار". إذن الاستشارة لجمع ورصد المعطيات المطلوبة، والحاجة إلى الأعوان لتحمل المسؤولية طبيعة بشرية. والله ولي التوفيق.

6- استخِر مولاك:

من الأمور التي يغفل عنها كثير من الشباب، أمر الاستخارة وهي دعاء وتوجه إلى الله عز وجل، مع العلم أنه من المفروض علينا، أن نضع طلباتنا عند الله عز وجل، رب الخلق قبل أن نضعها في يد الخلق أنفسهم. ولا يتم ذلك إلا من خلال الإقبال عليه عز وجل، وهذا كان دأب الصالحين ولا يزال، حتى أنهم فعلوا ذلك في دقائق الأمور في سؤال الملح. وهاك الصيغة كما رواها الإمام البخاري في صحيحه.
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- خير في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجله وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجله وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضيني به" [2].

7- قرِّر ولا تتردد:

إن سهولة اتخاذ الاختيار لا تتم إلا إذا التزمت أخي الكريم، بالخطوات التي أسلفت ذكرها (الجمع، الترتيب، الاستشارة، الاستخارة..) إن التزامك بها وتتبعك لها سيسهل عليك هذه العملية المعقدة كما وصفها مجموعة من المهتمين بالتنمية الذاتية، وفن اتخاذ القرار.
نعم إنها معقدة بالفعل خصوصا عندما تكون أمام اختيارات متعددة، أو مرتبكا، أو تعيش بدون هدف أو دون تخطيط مسبق.
إذن المطلوب الآن هو دراسة الأمور قبل اتخاذ القرار، والتخطيط قبل التنفيذ.
ظني فيك كبير وفي الله أكبر خصوصا بعدما تستخيره وتتوجه إليه، فتكون قد أمسكت بالخيط الناظم لكل ذلك، اختيارك وحياتك ومستقبلك. فأقبل على جمع أفكارك وترتيب أوراقك وتهيأْ لاتخاذ قرارك بهدوء وتريث وثقة كاملة في النفس وتوكل تام على الله جل وعلا ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره .

Enregistrer un commentaire

 
Top