GuidePedia



الجذور التاريخية للجمود الفكري ببرشيد
نظرات معبرة: المهدي بنبركة، ادريس البصري، علال الفاسي.

" منذ مدة لا بأس بها أتعمد ألا أكتب، وللأمانة، في داخلي رغبة كبيرة بألا أفعل. لا أعرف تحديداً السبب وراء هذا الشعور، لكن، ولأنني أعتقد أنني شخص منطقي، فإني أرد الأمور إلى ظروفنا التي تودي بالفعل إلى العجز إن أردت الكتابة والأمانة في آن معا. لا أكتب، لئلا أمدح، لئلا أقترب من فلان أو منهج، أو مال، رغم أني أكتب هذا الجرح هنا".
أيمن السهلي
بقلم: الجيلالي طهير
في البداية، يجب التنبيه إلى أن التحليل التاريخي والاجتماعي للوقائع الماضية ونظمها السلبية   لا يعني مطلقا إصدار أحكام بشأنها، لا معاقبتها ولا الانحياز لها أو تبريرها،  أو طلب الغفران لها.  أنا أعَلِقُ على أشياء ميتة، بقناعاتي الشخصية، وكل شاةٍ حزبية تُعَلًقُ من رِجليها.  
  تعتبر صناعة العقول أحد الوظائف التي تقوم بها الدولة  بواسطة أجهزتها الايديولوجية كالمدرسة  والأحزاب والإعلام، الخ ( لويس ألتوسير).  فمن المسؤول عن صنع عقولنا الناقصة ديموقراطيا على هذا النحو؟ يقول الأستاذ عبد الله العروي في مؤلفه "الايديولوجية العربية المعاصرة": "إن النظرة الديموقراطية التي ما فتئت الجرائد المغربية، بجميع توجهاتها السياسية ، تقدمها للقارئ  منذ سنة 1962 هي نفسها السائدة في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر" (ص:128).  ويقول الأستاذ عمرو منير في مؤلفه " ترجمة وفاة القرن العشرين- محاولات عن المغرب-" بأننا لو أزلنا  البوطاغاز  عن المطبخ المغربي والبطاريات من الهاتف الجوال في بعض المناطق من البلاد لوجدنا أنفسنا لا زلنا نعيش في القرن التاسع عشر (ص:16).  ملخص القول، لم يتغير أي شئ في جوهر الإنسان المغربي، ولم يطرأ  أي تغيير مهم على أنماط التفكير الراكدة تحت المساحيق البراقة والطلاء الخارجي المستورد ببرشيد.
خلال القرن التاسع عشر كان المغاربة  لا يزالون يطلقون على بعضهم البعض المسلمين،  ولم تكن من بلاد على وجه الخريطة اسمها المغرب، وإنما كانت الامبراطورية الشريفة تنتمي لدار الإسلام  لتي تقابلها دار الحرب. لم تكن ثمة حدود ترابية محددة جغرافياَ، بل حدود دينية فضفاضة  تصنعها الحروب اللامتناهية.  حقا، كان علماء المسلمين يقولون " حب الوطن من الايمان"، ولكنهم يقصدون بالوطن المدينة المنورة  مركز الاسلام.
في تلك الحقبة التاريخية، كانت تامسنا، وهي الشاوية حاليا، أرضا سائبة تجوبها القبائل المتنقلة التي تعيش حياة الرعي.  ولم تدخل  التاريخ الحديث إلا في عهد السلطان المولى سليمان، لما قرر  أولاد حريز  الاعتراف بحكمه  فعين عليهم صهره وابن عمه عبد المالك بن ادريس. غير أن  قبيلة أولاد حريز بقيت  تتأرجح بين  حالة السيبة والخضوع  للمخزن، تبحث  باستمرار عن سلاطين الدمى كي يقاسمونها  موارد مرسى الدار البيضاء. وأخيرا، عرفت القبيلة حالة الاستقرار والالتزام بطاعة السلطان المولى عبد الرحمان، بعد  أن جعل منها إيالة قائمة الذات، عين عليها  صهره القائد محمد برشيد العلالي.
كانت الأرض السائبة من المنظور الفقهي تعتبر "بلاد الجاهلية"، لأنها كانت تستند على الأحكام العرفية  في النزاعات بين الأفراد والجماعات  عوض الشرع الاسلامي. حتى إذا جاء السلطان المولى عبد الرحمان، وبدأ الجزائريون وقتها يسمون المغرب ب " بلاد مولاي عبد الرحمان"، أمر عامله   محمد برشيد  أن  يعين على  رأس كل دوار  " طالبا" ،بصفة قارة ودائمة، ليفصل بين الناس بالشرع ويعلم الأولاد القرءاة والكتابة و تعاليم الدين الاسلامي. ومنذ ذلك الوقت،أصبحت مؤسسة الفقيه آلية إيديولوجية للإدارة المخزنية، تسعى لتقوية المعتقدات الدينية والتنظيم السياسي المحلي بأولاد حريز. وبعد وفاة هؤلاء الفقهاء، ولأنهم كانوا حملة القرءان ومحاطين بالتبجيل، تحولت  قبورهم  إلى مزارات  للتبرك والتوسل لشفاء المرضى وطلب الغيث.
إن أهم ما ميز حقبة المولى عبد الرحمان القصيرة  هو بداية الحياة المستقرة  فوق أرض أولاد حريز. وكانت حالة جديدة فرضها توسيع الأراضي الزراعية على حساب المساحات الرعوية، من أجل تصدير الحبوب وتقوية الموارد الجمركية. وقد ظهرت التجارة الخارجية وقتها كشكل من أشكال  التغلغل الأوروبي في مفاصل المجتمع التقليدي، إلى جانب التهديدات العسكرية والقروض  المرتبطة ببرنامج الاصلاحات.
بدا المجتمع المغربي، الخارج من الانغلاق المعاش طيلة فترة الحكم السليماني، غير مهيء للتعامل على قدر المساواة  مع الأجنبي القادم من بعيد. فالحجاج المغاربة على سبيل المثال أصيبوا بالذهول وهم يرون ولأول مرة المسلمين في بلاد المشرق يلبسون ثيابا أوروبية واعتبرو لباسهم بدعة.  وفي بلاد أولاد حريز نزل قنصل انكلترا  ضيفا على القائد  محمد برشيد فطلب منه هذا الأخير المشاركة أحد سباقات ركوب الخيل. فاز القنصل  الانكليزي بالسباق وقال بأن السر في فوزه يعود إلى تخلصه من الملابس الفضفاضة.  فقد كان رجال المخزن يلبسون السلهام بينما كان عامة الناس بالشاوية يلبسون الحايك. لكن ركوب الخيل كان يقتصر على أصحاب السلهام الأثرياء، وحينما يأتي الطاعون ويحصد أرواحهم  كانت تبقى خيولهم هائمة ، فيتملكها  الناس البسطاء من أصحاب  الحايك (الأغنياء الجدد)، ولا يعرفون كيف يركبونها لأنهم  متعودين على " الفطحاء" (السير على الأرجل). يقال مثلا، في عهد  الحماية،  جاء أحد البسطاء  لسوق اثنين برشيد مرتديا سلهاما، فصادره منه الشيخ أحمد بن الجيلالي، وقال له: " البس من سهمك".
كانت البلاد خالية من الطرقات وبدون مدارس ولا مستشفيات. وكان  لمعلم أحمد بن علي الحجام، جد المستشارة سعيدة شكيب،  الذي يستقبل زبناؤه في قيطونٍ مضروبٍ بمدخل قصبة برشيد، يرافق القائد عبد السلام برشيد في الحركة السلطانية، ويقوم بدور الطبيب المعالج للحراك، يجبر كسورهم  ويخيط جراحهم  بالطرق الجراحية البدائية. ولما أرسل السلطان المولى الحسن قائد أولاد حريز عبد السلام بن  محمد برشيد في سفارة لألمانيا لشراء 6 مدافع ثقيلة نوع " كروب" حمولتها حوالي 40 طن. كلفه بوضعها على مشارف المحيط بمدينة الرباط، وأمره  ببناء البرج.  اشترى السلطان باخرة خاصة،  سماها "سيدي التريكي"، لحمل المدافع من ألمانيا إلى الرباط.  لكن  عبد السلام برشيد لم يستطع نقلها مسافة أقل من  كيلومتر ونصف الفاصلة بين الميناء والحصن، بسبب عدم  وجود الطرقات والعربات. فقد كان  العلماء يعارضون بناء السكة الحديدية (بابور  البر)  حتى  لا يتشبهون بالعجم. فاضطر عبد السلام بن محمد برشيد إلى استعمال 160 جمل من أجل نقل تلك المعدات الحربية ولوازمها من الميناء إلى برج المحيط.
وبعد أقل من نصف قرن، أي في مطلع القرن العشرين، جاءت قوات الاحتلال الأجنبي  لتحتل مجال الشاوية عبر البحر، فأصيب المغاربة بالدهشة وهم يشاهدون البارجة الحربية  تخترق عباب المحيط ، بينما كان الأوربيون يعرفون  حينها أهم الاختراعات العلمية التي تفسر التقدم الحالي (عمرو منير).  ولقد تردد  سكان الشاوية  سنوات طويلة  في اللحاق بالسبل المؤدية إلى التقدم، وظلوا يمتنعون عن ارسال أبنائهم للمدارس العصرية، ويرفضون  قبول الخدمات  الأجنبية المعروضة عليهم في ميدان التعليم والتطبيب. بل ظل فقيه الدوار بالنسبة إليهم هو المعلم والطبيب وخياط الأكفان، وكل شيء في الحياة. وكانوا في غالبيتهم يلتزمون  بالفتاوي  الفقهية  التي تدعو  إلى مقاطعة المغاربة  الدين يتعاملون مع التجار الكفار فيحرمون مصاحبتهم واستضافتهم والأكل عندهم ومصاهرتهم.
بعد الاستقلال،  فوجئ الجميع  بالانتخابات  المحلية  وهي تقوم بتعرية  الواقع  الثقافي المفزع ببرشيد ، كونها  جاءت بمستشارين أميين للمجلس المنتخب، أغلبهم لا يعرفون القراءة والكتابة. وفي السنوات الأخيرة لرحيل الفرنسيين، أي في منتصف الستينات،   كنا نحن  الأطفال الصغار  نشاهد أمتعتهم  معروضة للبيع بجوطية برشيد بالقرب من طاحونة العيان تباع بسهولة، ولم يكن أحد يهتم بالكتب الثمينة المرمية في كل مكان. فهل نصف قرن الذي عشناه  تحت ظل الاستقلال يكفي لممارسة الديموقراطية وصناعة أدمغة قادرة على مسايرة العصر؟  
  على وجه السرعة تشكلت في بلادنا مدرستان لتأهيل الوعي عند الشباب الصاعد. وهما  المدرسة الليبرالية السلفية للسي علال الفاسي، تقابلها المدرسة اليسارية التقدمية للمهدي بنبركة.  لم يسوعب  الجيل الجديد وقتها أفكار السي علال الفاسي  وأعاب عليه وعيه المزدوج.  كان ينتقد  المجتمع الغربي مستعملا أساليب ليبيرالية ،  دون اعتبار للأصول الدينية المسيحية. ومن جهة أخرى، كان ينظر للمجتمع المغربي من زاوية دينية خالصة ولا يطبق عليه المفاهيم الليبرالية الغربية. أي بمعنى آخر،  كان السي  علال الفاسي يحلل على المجتمع المغربي ما يحرمه على المجتمع الغربي والعكس صحيح. لم يكن السي علال الفاسي  هنا  يمثل أفكار الطبقة البورجوازية، فهذا محض توصيف سياسي جاهز لا  يمت للواقع بصلة. إنه مثقف كبير وموسوعة علمية فائقة يرمز لحقبة تاريخية معينة.  وعلى العكس من ذلك، انساقت غالبية الشباب إلى الفكر التقدمي اليساري قبل أن يصطدم الكثيرون، مع توالي الزمن، بالنفق المسدود.  إن المدرسة اليسارية  تلغي حرية الاختيار، وتفرض الرأي الواحد، و تلجأ " للتسوية" كتكتيك مرحلي  le compromis. وهي  أيضا تبغض التاريخ والتقاليد، غير آخذة  بعين الاعتبار علم الاجتماع وعلم النفس (عبد الله العروي).  إنها تعتمد فقط على التخطيط الاقتصادي  الجاف من دون مراعاة لخصوصيات المجتمع المغربي، والأخذ بعين الاعتبار تجدر المخزن في الوعي الجمعي.  يقول ادريس بنعلي: " ما يميز المخزن أنه ليس وليد الاستقلال  السياسي، بل على العكس خرج من أحشاء المجتمع المغربي في لحظة من تاريخه. وأصبح يحظى بمشروعية مسجلة عبر التاريخ وراسخة في مخيلة الجماهير المغربية التي تعترف له بقدرته على تجسيد وحدة الجماعة وعلى استعمال بعض الرموز الدينية".  هذا الغوص في الجذور هو الذي جعل المخزن قادرا على إنتاج ذاته في الحاضر، يسهر على تعايش البارحة باليوم بأسلوب تارة واضحا، وتارة غامضا، في كل المجالات ( هند عروب).  
لقد حاولت كل مدرسة أن تفرض شرعيتها على الكل، فلم تفعل سوى أن أضعفت نفسها وأضعفت الكل. يقول الأستاذ عبد الله العروي في ذلك :" المقاومون أضعفوا النقابة التي أضعفت  المهدي بنبركة الذي أضعف علال الفاسي الذي أضعف رضا كديرة، آخر سد منيع ضد عودة التلسط والحكم الفردي". 
مع الانفتاح السياسي، أي منذ منتصف السبعينات،  تسيدت مدرسة ادريس البصري  التي قامت بتجفيف المدارس الفكرية السابقة، وتبنت العودة  لمفاهيم القرن التاسع عشر المخزنية. فأي مخزن نعني بذلك؟  يميز  محمد الطوزي بين  المخزن ودار المخزن  وسلطان هذه الدار.   وهكذا عمل  ادريس البصري على مخزنة  وزارة الإعلام  وجعلها رديفة لوزارة الداخلية،  فأصبحت وظيفة الإخبار  والوشاية في المجال الإعلامي، كما في سائر الحياة العامة، أحد الوظائف للتقرب من السلطة. فعلى سبيل المثال، عندما أصبح ادريس البصري رئيسا لفريق النهضة السطاتية،  في منتصف السبعينات،  اجتمع حوله  18  شخصية  كلها كانت تقوم بمهمة نائب الرئيس (؟؟) فظهر في واقعنا المؤسف تصنيف جديد  للمثقفين والأطر السياسية والإدارية والتقنية،  قوامه ثلاثة فئات وهم: الوصوليون الذين يولدون  عدة مرات طوال حياتهم، وهم في كل عصر  جديد يولدون بشكل مختلف؛ والمضطهدون الذين كانوا يمارسون تحت الضغط حبا في الوطن؛ والمهمشون الدين لا ينتمون لأي جماعة سياسية،  جاء آخرون لا يشبهونهم  واحتلوا مكانهم، بينما هم لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم،  وبقوا خارج السرب .
أين نحن الآن؟  لا أعرف أدق ولا أصدق من التوصيف الذي تقدمه لنا الأستاذة مليكة العاصمي وهي تكتب ما يلي: " فيما يخص الوضعية السياسية الراهنة، أعتقد هناك خرابا حقيقيا لا يمكن ترميمه وإصلاحه في الظرف الراهن. هناك خراب فكري ايديولوجي كبير؛ وهناك أيضا خراب بنيوي مؤسساتي شنيع اعتبارا للمرتزقة المكلفين بداخل الأجهزة ؛ وهناك أخيرا خراب تربوي  ناتج عن تزييف الحياة السياسية وتنصيب الوصوليين والانتهازيين والفجار في محور السياسة المغربية؛ الخراب أيضا ناتج عن حالة القمع  وظروف القهر التي أنتجت أجيالا  مائعة منحرفة مسطحة . إن الثقافة هي صناعة التاريخ، وعندما يتخلف المتعلمون عن الوعي بالتاريخ يكون الرعاع هم صانعوا التاريخ. ولكن الثقافة ليست هي تداول التعليم وليست هي معالجة الكلام.  الثقافة وعي ومسؤولية واستقلال الرأي ونزاهة فكرية. وبهذا المعنى تكون المؤسسات الحزبية في المغرب مفرغة من المحتوى الثقافي ، وتكون تبعا لذلك، مؤسسات مأزومة ومعادية للمثقف وللثقافة".

(****)
المراجع:
عبد الله العروي؛ " الايديواوجية العربية المعاصرة"  (فرنسي)
عبد الله العروي؛ " الجدور الثقافية والاجتماعية للوطنية المغربية".(فرنسي)
عبد الله العروي؛ المغرب والحسن الثاني- شهادة "(فرنسي)
عمرو منير؛ " ترجمة وفاة القرن العشرين- محاولات عن المغرب" (فرنسي)
هند عروب؛ المخزن في الثقافة السياسية المغربية

مالكة العاصمي؛ " نحن وأسئلة المستقبل".

Enregistrer un commentaire

 
Top