GuidePedia



وما تلك بيمينك يا مصطفى؟ .. مصطفى ملح
(1)
ـ وما تلك بيمينكَ يا مصطفى؟
ـ هي دمعة أخيرة. دمعة أسكبها الآن حدادا على الشّام
هناك قُتِلَ الإمامُ عليّ وهو يحمل الفجرَ في قلبه. قُتل مغدورا بسيف قذر. فلتذهبْ إلى الجحيم يا عبد الرّحمن بنَ مُلْجم!
هناك قُتل الإمام عليّ وهنا بالشّام بنى معاوية التاريخ بيدين لا تتعبان. تاريخ ممتدّ ممتدّ. الجامع الأمويّ، جرير والفرزدق، الحرب ضدّ الرّوم، أدونيس، دمشق ذات العينين السّوداوين، ثم صباح فخري.
(2)
هأنذا أمرّ من أمام الحريقة، أزحف فوق الرّماد وأستنشق الدّخان. أرى ذاتا أحسبها ذاتي، لكنها عارية مني، عارية من الشعر. ساعتئذ أتوارى، أضمحل، أتصاغر، ثم أعود إليّ محملا بخيبة مطلقة.
أتساءل: ما الذي جعل البحر جافا، والهواء ساخنا، والحب قاتلا، والممرّات طويلة، وأحزان امرئ القيس تباع علنا في المعارض لمن يدفع أكثر؟
أتساءل أيضا: متى تنتهي الرحلة لأصل إلى حيّنا القديم حيث روائح النعناع البريّ تملأ خياشيم الحالمين بالشهوة المطلقة المفترسة؟ متى أصل إليّ/ إليكم، كي أنظف الفراغ من امتلاءاته العبثية؟
من المؤكد جدا أني هنا، بقربكم، والدليل أن المرآة تعكس أنفاسكم طازجة حيّة لم تصب بعد بوابل الرصاصات التي يطلقها الجنود السريون: المغول الجدد قتلة حدائق سوريا العذراء، الفينيق الحديدي الذي يرمي عناقيد الموت الجماعي، الحداثة ذات الرؤوس السبعة مثل ثعبان أسطوري يبتلع الغيوم دفعة واحدة، الجفاف، الطغاة، أنتم، أنا..
أنا هنا منتظر نهاية المسرحية. السيناريو مكتمل والراقصة بيعت وروما تقود المتفرّجين إلى ساحات الإعدام الواسعة المنصوبة هناك في العراء المرّ القاحل الممتدّ منكم ومني..
(3)
إبريق الشاي أمامي. ساخن ساخن. دم الشام على الجزيزة مباشر. قتلى يدخلون قصيدتي من باب الفراهيدي تارة ومن باب المجاز المفتوح تارة أخرى. الجفاف أو ما يشبه الجفاف يطال الحقول والمعجم والسحنات والمقاهي؛ المقاهي التي يجلس فيها الموتى ينتظرون غودو الذي يأتي ولا يأتي. لن يعودوا أبدا يا صمويل بيكيت.. لن يعودوا.
(4)
ماذا تكتب الآن يا مصطفى ملح؟
قصيدة (الرّوح) التي ألامس عبرها عالما غيبيا طالما كان محظورا من وجهة نظر شعرية.. بتّ أشعر أن واقعنا أكثر تعقيدا من الخرافة ذاتها وأكثر لبسا من العدم واللاجدوى والعبث الضّاري. لهذا لا مانع من مساءلة عوالم أخرى مفترضة ووجودها غير فيزيائي بالمرّة بل هو برزخ بين عالمين اثنين حيث الرّوح هي المادّة والأبدان مجرّد لا أشياء.. مجرّد ميتافيزياء.
آخر كتاب قرأته..؟
لم تسألني أيها الأنا الساكن حواسي؟ اتركني أفني كل مقروءاتي في جحيمي الشخصي. أقصفها بالرصاص حينا وبالصمت الغادر حينا. كل قراءة هي قصف متعمّد لبرج ما. كل تأويل لجرح النص هو اغتيال ليليّ لشجيراته الباسقة؛ الشجيرات التي عناقيدها الحروف ودمها النزيف.
ولكن لا بأس يا أناي المشاكس المعاكس. لا بأس..
أقرأ ديوان المتنبي.. ربما القراءة العشرين.. غير أن هذه المرّة كنت أقف عند بعض التيمات التي فجّرها المتنبي كأنّها من بنات اليوم.. وهذا عمّق لديّ الإحساس بأنّ الأدب هو إزميل لازمني يمكن الحفر به بعمق استثنائي في صخرة وجودنا الشخصي والجماعي خارج الطقوس والأعراف.
لكني أتمنى أن أقرأ كتاب الموتى الفرعوني.. قرأت بعض المقاطع منه في كراريس متفرّقة من أجل الاقتباس أو الاستشهاد فقط.. أرجو الاطلاع عليه كاملا لربطه بشرطه التّاريخي..
(5)
على مهلك يا أنت، يا أنا، أيّها الآخر الذي هو أنا: ما الكتاب الذي دغدغك، لسعك، أيقظك، جرحك، ثمّ داواك..؟
أكثر من كتاب؛ رأس المال لكارل ماركس.. الرّوح لابن القيم الجوزية.. أحد عشر كوكبا لمحمود درويش.. سيرة سيف بن ذي يزن؛ الملحمة الشّعبيّة الشّهيرة التي لا تقلّ جمالا عن ألف ليلة وليلة..
غير أني أتمنى أن أعيد قراءة إنجيل يوحنّا.. قرأته منذ عشر سنوات قراءة فتى متأمّل للعهد الجديد دون رؤية انتقاديّة أو نقديّة. أريد إعادة القراءة لسبب وحيد وبسيط لأضع اليد على مكمن التّلاقي والتّعالقات النّصيّة والتّيماتيّة بينه وبين كتابات جبران خليل جبران الإشراقيّة التّأمّليّة. ثمّ لأتحقّق من جديد أنّه مجرّد كتاب أرضيّ وليس كائنا لغويّا سماويّا.
(6)
صبرا يا أناي صبرا، دعني أستنشق بعض الأوكسجين الداخل من النافذة. لا زالت الجثث المحروقة بالنار والغاز والكبريت تملأ شاشة التلفزيون. هل أتهيأ لكتابة مرثية للشام، وحمائم الشام، وجغرافيا الشام، وعذارى الشام، أم أكسر يراعي وأضرم النار في كراريسي ثم أحمل رمادها وأرميه في قلب الأبحر السبعة؟
صبرا صبرا.. ثمة ربيع عربي يتأرجح بين قمة بعيدة وهاوية سحيقة. كم يلزمنا من الدموع لنغسل العار والشنار.. كم يلزمنا من الحنين لنوقظ الكرامة المدفونة فينا منذ الأعصر الحجرية الأولى؟ كم يلزمني لأكتب نصي الخاص المشتهى؟ هل أكتبه بالأقلام أم بالأظافر أم أشِمُهُ بأسناني حفرا على عظام الكون؟ كم يلزمني لأعيد إنشاء الأبجدية من حصوات الذات ومن غبار السماوات؟ كم يلزمني لأخيط كفنا لمن مات سهوا في منتصف القصيدة حيث الارتطام الهائل المفاجىء بين فيزياء الكناية وبين جسد النص؟ كم يلزمني لأغير قوانين الكون الذاتي الصرف: لا جاذبية، لا موازين ثلاثية وغير ثلاثية لاشتقاق الأسماء والمفاعيل من مصادر مدفونة في غيابات اللغة الأولى، لا علائق منطقية تنشب بين الأسباب والعلات لولادة الأفعال والأسماء والحروف لتكوين كيمياء النص الباذخ، لا أصابع ترتعش تحتها ثداء الورقة البيضاء، لا شيء، لا شيء..
(7)
ذاك نص مستحيل. لم أكتبه بعد ولن أكتبه بالأحرى وكلّما اقتربت من تخومه ألفيتني من جديد قد أضعت البوصلة فأعدت الكرّة ثانية. نصّي المشتهى هو نصّ زئبقيّ صعب المراس شديد الشّكيمة. الشهوة الّشعريّة المشاكسة تتحقّق دوما في مطاردته العنيفة في صحراء اللاوعي الشّاسعة كما تُطارَدُ الأيائلُ الخائفة.
إن الاعتقاد بأنّا كتبنا نصّنا الكامل المكتمل هو اعتقاد يقتل الشّاعر. حياة الشّاعر تستمرّ بلحاقه الأبديّ بذلك النّصّ الأسطورة.
(8)
الكتابة هي حرث في تربة غير مطروقة. تشييعُ رجالٍ شاختْ محاريثهم واستقبالُ أطفال يحملون في صرختهم الأولى وجودا عنيفا لمادة الشعر. حرب معلنة ضد الفراغ الذي يمحو الكيان الأبيض، كيان الفعل والقوة، كينونتي الأخيرة، كينونتكم الأخيرة.
الكتابة عرس امرأة تُزَفُّ إلى المطر. عرس مطر يزفُّ إلى امرأة. عرس مطر وامرأة بينهما نهر الأبدية العميق العميق.
الكتابة انفجار يحدث في شريان الكلام. انفجار كليّ، سريع، خاطف، لغويّ. انفجار يحدث مرة في العمر لذلك فهو يترك في القلب ندوبا وفي الورقة مزقا وفي الوعي لاوعيا وفي التاريخ صدى وفي الجغرافيا تحولات تطال النهر والجبل والمرعى والهضبة. هو انفجار الأنا في الآخر، انفجار الآخر في الأنا. هو الانفجار.
لكنني لا أتقن غير الكتابة. حتى ولو طلقت الورقة بالثلاث فإني لا أتقن غيرها. رايتي المرفوعة في حروبي الصغيرة. كأسي المملوءة بالروح والريح والراح، كأسي التي أشربها دفعة واحدة في عيد ميلاد النار.. النار التي تحرق التلفاز، والشام، والقبائل، والأمم المتّحدة، والجامعة العربيّة، والحمام، وكلّ شيء.. كلّ شيء.. كلّ شيء.
سأختار الكتابة بالطّبع، سأختارها. لن أمتهن غيرها لأنّي لا أتقن إلاّها. القصيدة توأمي الصّغير الذي يقاسمني دفء الصّيف وبرد الشّتاء وعواصف الخريف والرّقص الرّعويّ البدائيّ بمناسبة زفاف الفراش في الرّبيع.
(9)
وماذا أحبّ؟ ماذا أكره؟
أحب سقوط جاك بريل على خشبة المسرح مضرّجا بالخجل الطفوليّ وبتصفيق الجمهور الهائج مثل رعدة شتويّة. جاك بريل وهو يذبح أوتار الغيتار بأصابع تشير إلى الشّمس. شمس الرّبيع العربيّ حيث زغاريد نسوة فقدن الرّجال تلو الرّجال في معركة يخضنها ضدّ قتلة الحسين وقتلة الورد وقتلة القصيدة. لمّا قتلوني رأيتني في برزخ بعيد أتلصّص على حديقة الشّهداء. كلّ شهيد في حوصلة طير يحلّق قرب العرش. قرب الخلود. قرب العلياء التي لا حدود بعدها ولا جغرافيا..
جاك بريل يسقط على الخشبة. الخشبة تئنّ. الأصابع تدمى. الأعين المتحجّرة تسيل حديدا. مصطفى الشّاعرُ، الشّارعُ، الشّراعُ. مصطفى بنُ الطّين والصّلصال يقبض القصيدة من خصرها صارخا:
ـ رويدك رويدك أيّها العمر.. ما زال بصيص من حياة يزحف في الرّوح.. سأفعل أشياء كثيرة.. أقول مساء الخير لآخر نجمة تسطع في ليل الأيتام والأرامل. أقول صباح الخير ليد لمّا قُطِّعَتْ التقطتْ أناملَها ممزوجة بتراب القبيلة ووشمت كينونتها العليا في عظام الزّمان..
وماذا تكره يا أناي؟
أكره أن تخرج القصيدة عن السّكّة فيرتطم المسافرون بالمجاز. أكره أن تنطفىء الشّمس الأخيرة قبل أن أرى وجه حبيبتي التي محاها الغدر الأسود ودفنها في جرح العتمة الغائر. أكره أن أموت قبل أن أنزل إلى الهاوية كي التقط حبّات الرّمان التي دفنتها القرون الأولى.. قرون عاد وثمود. وأصعد إلى قمّة ما، أيّة قمّة، لأحلّق سويعة بمعية الأرواح السديميّة السّابحة في بحور الهواء العالية العالية. أكره أن أكون ما أريد أن أكون: كائنا يبيع المفردة مقابل الرّغيف، الرّغيف المغمّس في عرق النّهارات الحارقة. وأن أكون سوطا على العباد وعلقما مرّا في فم الفؤاد.
(10)
عفوا قارئي.. سأكتب رغم الغيمة. الغيمة التي تحجب عني وجه الشّمس.
ولأنّ الفلسفة محطّة مغلقة والتّذاكر ممزّقة والسّكّة مصطدمة بقدم الحياة.
ولأن الحياة هي وجودي الفيزيائيّ حين لا أكون ميّتا.
ولأن الحبّ بياض يتقنّع به الليل.
ولأن جسدي لاوعيي الثاني. قصيدة لم أكتبها بعد.
ولأن الشعر منارة.. امرأة.. حريق.. بستان.
ولأن الرواية هي السّفر الرّمزيّ في اصطدام العلاقات بحائط الزّمن.
ولأن الموسيقى كائنات تُلمس بحاسّة لا نملكها جميعا.
ولأن المسرح اختزال العالم داخل خشبة.
ولأن العولمة وحش يتربّى في أقفاص أمريكا ويطلق في حقولنا العربيّة.
ولأن المرأة بياض لا بدّ منه لطرد العتمة عندما تصادر الشّموع.
ولأن الكتابة تميمة ضدّ الموت.. قربان نتقرّب به من نهر الأبديّة.. ترياق ضدّ السّمّ.
لكل هذه الأشياء سأواصل حفرياتي. التّلفاز يتحول من الرماديّ إلى الأخضر. تشرق الشّمس في حقول الشّام وتغرّد فيروز من أجل الذين ضيّعوا البوصلة في اليمّ. الرّجال الذين عادوا من السّفر يحملون الأخبار عن موت الطاغية. الرّجال الخضرُ البيضُ الميامينُ. يستندون على جدار الرّبيع العربيّ ويغرّدون خلف فيروز. يغرّدون للعذارى والضّحايا والقمر الذي كان مختبئا وراء التّلّ خوفا من خيل يزيد. لكنّها سوريا تنتفض من وراء الصّمت لترفع الرّاية عاليا خفّاقة مثل أرواح الشّهداء في السّماوات.
هأنذا أكتب القصيدة..
هأنذا أكتب الحياة..

Enregistrer un commentaire

 
Top