GuidePedia



عبد المغيث بصير، رئيس المجلس العلمي لمدينة برشيد: الإسراف في تزويق وتأنيق القبور مكروه
برشيد نيوز: بقلم هاجر الريسوني/ جديد بريس
المعروف في الشرع هو أن القبر يرفع قدر شبر فقط، ليعرف أنه قبر، فيتوقى ويترحم على صاحبه، ولأن قبره صلى الله عليه وسلم رفع نحو شبر كما روى ذلك ابن ماجه في صحيحه، وروى الشافعي عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وروى أبو داود عن القاسم بن محمد قال: “قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لامشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء”.
وتسنيم القبر عند الجمهور أفضل من تسطيحه أي تربيعه، لقول سفيان التمار فيما رواه الإمام البخاري:”رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما”، وكذلك قبور الصحابة من بعده”، وروى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه: ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها”.
وبناء على ذلك، فإنه يكره تجصيص القبر والبناء عليه أي تبييضه بالطلاء بالجبس، ومثله تزويقه ونقشه والبناء عليه كقبة أو بيت، فمكروه للنهي عنهما في صحيح مسلم، وإن كان البناء على القبر للمباهاة فيحرم، لأنه في حالة المباهاة فذاك من الإعجاب والكبر المنهي عنهما، ولا بأس بوضع حصى على القبر، أو عند رأسه حجر أو خشبة، أما وضع الحصى فلما رواه الشافعي مرسلا: “أنه صلى الله عليه وسلم وضعه على قبر ابنه إبراهيم”، وأما وضع الحجر ونحوه لتعليم القبر، فلكون النبي صلى الله عليه وسلم، ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة، وقال: “أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي”، ولابأس عند اللخمي من المالكية ببناء حاجز بين القبور ليعرف به.
ولمناقشة هذا الموضوع من الناحية الواقعية أقول: بأن الناس اليوم اعتادوا التسنيم باللبن صيانة للقبر عن النبش ورأوا ذلك حسنا، وفي الأثر: “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن”، وأضيف: بأن كراهة البناء يستثنى منها تمييز قبور الأنبياء والصحابة وأمراء المؤمنين والصالحين والصالحات من الناس عبر العصور، فالبناء على قبورهم بقصد التمييز والتعظيم لقبورهم ومقامهم بالتزليج والتزويق وغيرهما من المحسنات، جائز بل مطلوب كما ذكر في النوازل الجديدة للعلامة أبي عيسى سيدي المهدي الوزاني رحمه الله، لأن فيه جلب مصلحة الانتفاع بالصالحين ودفع مفسدة امتهانهم بالحفر والمشي وغير ذلك، إذ لولا البناء لاندرست قبورهم، كما اندرست قبور الأنبياء عليهم السلام، وفي نوادر الأصول عن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تأتي قبر حمزة رضي الله عنه في كل عام لترمه وتصلحه لئلا يندرس أثره فيخفى على زائره، وعند النظر في الكتب التي اهتمت بسير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة منهم المدفونين بالبقيع، نجد بأن قبورهم في غالبيتها كانت عبارة عن أضرحة ومقامات مميزة، هدمت بعد ذلك، واندرست أسماء أصحابها، وعكس ذلك يظهر في بعض البلاد الأخرى المجاورة التي توفي فيها بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم، حيث بنيت لهم مقامات تليق بمقامهم ومكانتهم، ولازال حالها على ما كانت عليه إلى اليوم.
والخلاصة، مادام هؤلاء الناس يتملكون تلك البقع الأرضية بالشراء فجائز، فحكمها حكم بناء الدار، فالبناء اليسير الذي يقصد به التمييز وحده جائز مطلقا كما قال القاضي عياض، فلا بأس بتحسين البناء بإتقانه وتوثيقه وتجصيصه، لأن ذلك أدعى لطول بقائه وامتداد مدته بحيث لا يأوي إليها أهل الفساد كما قال ابن عرفة، وأما إن كان بما ذكر من التزويق الكثير والتأنق، فيظهر أنه من السرف المنهي عنه، ومن إضاعة المال فيما لا يعود بطائل ولا يستجلب مصلحة دينية، فالنهي المذكور عن البناء وعن الكتابة على المقابر محمول على عدم الحاجة، وأن البناء بغير عذر والتأنق والتكلف ونحو ذلك، فهو مكروه، فشراء الأسر المغربية لبقع أرضية داخل المقابر ليدفنوا فيها أقرباءهم وأهلهم لا بأس به، ولا بأس بأن يوصوا بدفنهم فيها، ويتأكد ذلك بفعل سيدنا عثمان وسيدتنا عائشة رضي الله عنهما، ومن فوائد وثمرات ذلك:
أولا: الاستعداد للموت، فقد روى ابن ماجه بسنده عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبرا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه، وقال: “إخواني لمثل هذا فأعدوا”،أي تأهبوا واتخذوا له عدة، وهي ما يعد للحوادث.
ثانيا: لتبقى قبور أهل الأسرة الواحدة متميزة ومعروفة بقبورها وبأسمائها لدى من يريد زيارتها للدعاء والترحم عليها من أهلهم وأقاربهم، فدفنهم في مكان واحد يسهل على ورثته وأقربائه زيارته، ويصبح هذا الأمر ملحا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بحكم التزايد السكاني والتوسع العمراني للمدن والقرى وندرة الوعاء العقاري المناسب لاتخاذه مقبرة قريبة من المدينة أو القرية كما كان عليه الأمر سابقا، فجمع الأقارب في موضع واحد أمر مستحب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة، وقال: “أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي”، ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم كما مر، ولأن سيدنا عمر رضي الله عنه فيما رواه الإمام البخاري استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن مع صاحبيه، أي النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، والله أعلم وأسلم وأحكم.

Enregistrer un commentaire

 
Top