GuidePedia


مستشفى الرازي ببرشيد .. مَعْلمةٌ تطمح إلى نفض غبار الإهمال

مستشفى الرازي ببرشيد .. مَعْلمةٌ تطمح إلى نفض غبار الإهمال
مستشفى الرازي ببرشيد .. مَعْلمةٌ تطمح إلى نفض غبار الإهمال
برشيد نيوز: عن موقع هسبريس
كلما سألت شخصا عن مدينة برشيد، التي تبعد عن مدينة سطات بـ 30 كيلومترا في اتجاه الدار البيضاء، إلا ويتبادر إلى ذهنه مستشفى الرازي للأمراض العقلية، حيث ارتبط اسم الإقليم بالمستشفى المذكور منذ القدم، باعتباره معلمة صحية تاريخية أنشئت سنة 1918، حقق عبر التاريخ إشعاعا جهويا ووطنيا وقاريا، وشكل مرجعا في الخدمات الاستشفائية المهمة التي قدمها "ولازال" للمرضى، منذ أن كانت طاقته الاستيعابية تتجاوز 2000 سرير، إلى أن بدأت في النقصان بعد إنشاء مستشفيات مختصة في الطب النفسي بمدن أخرى.
طاقة المستشفى حاليا لا تتعدى 240 سريرا، موزعة على خمس مصالح وهي: جناح أبي السماح رجال، وأبي السماح نساء، وجناح أبي جعفر الذي يضم المحالين على الطب النفسي الشرعي من مختلف محاكم المغرب، وجناح أبي الحكم الذي يأوي المسنين والمتخلى عنهم، بالإضافة إلى مصلحة كرامة التي استقبلت 50 مريضا من نزلاء "بويا عمر"، بعد عملية كرامة خلال الصيف الماضي. يسهر على المرضى فريق من الأطر الطبية مكون من 4 أطباء مختصين، واثنين للطب العام، و64 ممرضا وممرضة، و17 إداريا.
وأنت تتجول داخل مستشفى الرازي للطب النفسي ببرشيد، تلاحظ تغييرا على بنيته التحتية، مقارنة مع الوضعية السابقة، التي كانت محط انتقاد الزوار، وموضوع احتجاجات سابقة لكونها تشبه "خربة"، لوجود أتربة هنا وهناك، ومتسكعين، ومستنقعات، وكلاب ضالة، ومواطنين اتخذوا المستشفى ممرا، بسبب السور المهدم، واعتداءات على الموظفين، وفرار نزلاء غالبا ما يكونون من المحالين من طرف القضاء على الطب النفسي الشرعي.
فقد جرت إعادة تأهيل عدة بنيات تحتية، وتم إصلاح المرافق. وبينما تتنقل بين مصالح المستشفى، تسمع أهالي المرضى يطلبون من الطبيب المختص الإبقاء على المريض بالمستشفى، "أنا بْغيتُو يبقى عندكم راه كَيْضربْ مُّو"، تصيح إحدى قريبات المريض، بينما توقفت سيارة إسعاف خاصة قادمة من مدينة سطات، تحمل نزيلا قديما جديدا، يتوافد على المستشفى منذ سنوات عدة، حيث تم الاحتفاظ به، في ذلك المساء، بعد اضطراب حالته الصحية إلى مستوى الحدة والهيجان.
مثل هذه الحالات غالبا ما يتم توجيهها من طرف الشرطة القضائية أو السلطات المحلية، وفق الظهير الشريف المؤرخ في 30 أبريل 1959، الذي يرخص بمقتضاه توجيه المرضى ووضعهم داخل مؤسسات علاج الأمراض العقلية، بعد اضطراب حالاتهم الصحية، تفاديا لأي مكروه يمسهم أو يؤذي غيرهم.
وأنت تتنقل داخل أروقة المستشفى، تصادف زوارا يتوافدون على المؤسسة الاستشفائية، تُقدَّم لهم تسهيلات وتراعى معاناتهم رغم انقضاء الوقت المحدد لهم، لكون بعضهم من مدن بعيدة. ما يثير انتباهك أيضا أن جميع الأبواب حديدية ومحكمة الإغلاق. التصميم والأجواء شبيهة بأجواء زنازين المعتقل. سيارات محسنين محملة بالألبسة والأغذية، غالبا ما يأتون من مدينة الدار البيضاء. مرضى يتبادلون التحية مع الأطقم الطبية، في علاقة تجاوزت الوظيفية إلى العائلية، وممرضون يطالب أغلبهم بمزيد من الاهتمام وتحسين وضعية المستشفى للرقي بالصحة النفسية.
هسبريس تجولت داخل أروقة مستشفى الرازي للطب النفسي، وقضت يوما بين النزلاء، ونقلت عدة أسئلة إلى الموظفين والإداريين والمسؤولين الإقليميين والجمعويين، معظمهم نوه بعملية كرامة وثمنها، مطالبا بمزيد من الاهتمام بالصحة النفسية، والرقي أكثر بمستشفى الرازي للطب النفسي ببرشيد.
احتجاجات الأطر الطبية
يعرف المستشفى، بين الفينة والأخرى، احتجاجات أطره الطبية والنقابات العمالية، التي تشخص المشاكل وتندد بالواقع الذي يعيشه المستشفى المذكور، كان آخرها الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها النقابة الوطنية للصحة العمومية بإقليم برشيد، منتصف دجنبر الماضي.
حسن رامي، الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بإقليم برشيد وممرض مجاز من الدولة من الدرجة الأولى، أفاد بأن مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد "يحتاج إلى كثير من الاهتمام والالتفاتة لأنسنة ظروف الإيواء من طرف وزارة الصحة"، مشيرا إلى كونه يمثل معلمة تاريخية في الصحة النفسية، كانت تستوعب ما يقارب 3000 مريض، مطالبا وزير الصحة بـ"تخصيص ميزانية قارة لهذا المستشفى بالنظر إلى ارتفاع طاقته الاستيعابية"، وبالتدبير المالي الجيد، ورفع ما اسماه "الإقصاء والتهميش بسبب النقص في الأسرّة والأفرشة، وغياب سيارة إسعاف خاصة بالمستشفى، وغياب مصلحة الصيانة وآلة التصبين".
المتحدث أوضح أن المشفى يأوي 200 مريض، ويعرف اكتظاظا على مستوى مصلحة الاستشفاء "أبو السماح رجال"، التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية القانونية بـ 24 مريضا، "ينامون فوق أفرشة على الأرض"، وطالب بمد المستشفى بالأدوية والحقن الكافية، "في الوقت دون تأخير، حتى لا يؤثر ذلك على المريض الذي كان يتسلم الأدوية بانتظام في المستشفى، لكن بعد مغادرته لتتبع العلاج بمنزل عائلته، لا يجدها، سواء في صيدلية المستشفى بسبب تأخر وصولها أو الصيدليات الخاصة، ما يجعله يصاب بانتكاسة ويدخل في حالة هيجان"، فيضطر أهله إلى إعادته إلى المستشفى من جديد، يقول رامي.
الممرض والفاعل النقابي طالب بالرفع من الموارد البشرية، سواء على مستوى الأطباء أو الممرضين المتخصصين أو المساعدين الاجتماعيين، حيث هناك مساعدة اجتماعية واحدة، وكذا الأطباء النفسانيين، وإمداد المستشفى بالأنشطة الموازية المساعدة على العلاج، بإنشاء قاعة خاصة بالأنشطة على غرار باقي المستشفيات.
وعبر المتحدث عن أسفه لاهتمام الجهات المعنية بمستشفيات أخرى وتهميش مستشفى برشيد، وطالب بتكافؤ الفرص في الاهتمام بجميع المستشفيات الخاصة بالطب النفسي، مثمنا عملية كرامة، ومنتقدا عدم مد المستشفى بميزانية إضافية للوافدين من "بويا عمر"، الذين "كانوا مستغلين من طرف آخرين، يتاجرون فيهم، ويكسبون المال على حساب كرامتهم الإنسانية"، بحيث، يضيف رامي، "يتقاسمون اليوم الميزانية الضعيفة أصلا مع إخوانهم القدامى"، منتقدا غياب المواكبة القبلية لعملية كرامة، ونافيا أن تكون هناك معاناة كثيرة مع هؤلاء النزلاء، بحكم توفر مصلحة سابقة جرى تأهيلها وملاءمتها لاستقبالهم، وتساءل عن "مصير برنامج تأهيل الصحة النفسية 2012 و2016 الذي لم تظهر نتائجه بعد؟".
جمعويون صاحبوا المرضى النفسيين لما يزيد عن ثلاثة عقود
كانت الصعوبة كبيرة في الحصول على معلومات تفيد بوجود جمعيات تهتم بمجال الطب النفسي، نظرا لقلتها، لكن أحد الموظفين دلنا على أن بعض المحسنين، وإحدى الجمعيات الشريكة للمستشفى، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة برشيد يداومون على زيارة المستشفى، خاصة مصلحة المسننين والمتخلى عنهم.
خالد فرحات، موظف متقاعد، قضى 34 سنة من العمل إلى جانب نزلاء مستشفى الرازي للأمراض النفسية ببرشيد، يرأس حاليا جمعية حديثة العهد، "جمعية الخير"، التي تضم الممرضين والعاملين المتقاعدين، وتشتغل بتنسيق مع مندوب وزارة الصحة وعامل إقليم برشيد.
تهدف الجمعية، بحسب رئيسها، إلى الاهتمام أكثر بالمرضى الذين قضى معهم جزء من عمره إلى أن أصبح يحمل همومهم ويتألم لمعاناتهم أو مرضهم، ويقوم إلى جانب باقي الأعضاء بتحسيسهم، مركزين على جناح "أبي الحكم" الذي يأوي المسنين والمتخلى عنهم، وذلك بتنظيم أنشطة، وإحداث بنيات، في المستقبل، كإنشاء ملعب لكرة السلة والشطرنج.
"معظم هؤلاء المرضى يعتبرون أن الحياة الدنيا هي كل ما يوجد في المستشفى، وأنها محدودة داخل فضاءاته، لا يعرفون ما يقع في العالم الخارجي، لكونهم لم يسبق لهم أن غادروا المستشفى"، يقول خالد، الذي يعود بالذاكرة إلى فترة الخمسينيات، حيث "جرت العادة أن الناس كانوا يتخلصون من المشاغبين داخل الأسرة بتوجيههم نحو أطباء أجانب لا يعرفون التحدث بالعربية، فتغيب الحقيقة ويحتفظ بالشخص على أساس أنه مريض نفسيا، ومنهم أناس ميسورون".
رئيس "جمعية الخير" عبّر عن سعي تنظيمه إلى "تحسيس المريض كأنه في منزله، وأن يتمتع بكل ما يحتاجه"، موضحا أن الجمعية قامت، في هذا الباب، بتزويد بعض النزلاء بالأغطية والأفرشة والملابس، في انتظار إنشاء ساحة للاستراحة بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مع البحث عن شراكات مع جمعيات ذات الاهتمام المشترك من أجل الرقي بهؤلاء المرضى.
الموظف السابق بمستشفى الرازي للأمراض العقلية ببرشيد، وجه نداء إلى كافة المسؤولين، طالبا مد يد العون والمساعدة للرفع من مستوى الاهتمام بهذا النوع من المرضى، ليس على مستوى الصحة النفسية فقط، بل للعناية بكرامتهم الإنسانية عموما.
المندوب الإقليمي يوضح
المندوب الإقليمي للصحة ببرشيد استعرض، في تصريحه لهسبريس، معطيات عدة، مسنودة بالوثائق والصور، تدل على الاهتمام بمستشفى الرازي للطب النفسي، مقارنا واقعه الحالي بالوضعية السابقة، ومشيرا إلى التحسن التدريجي الذي عرفه المرفق الصحي المذكور منذ قدومه سنة 2012، مستدلا على ذلك بالإصلاحات التي همت المستشفى بعدما تصدعت بنيته التحتية.
في هذا الإطار، نوه المندوب الإقليمي للصحة ببرشيد بـ"الدور الذي قامت به وزارة الصحة في إعادة بناء السور وإصلاح الإنارة الداخلية والخارجية وتهيئة الممرات، مع ربط المستشفى بالواد الحار، وتأهيل المطبخ وجميع مصالح المؤسسة، وهدم البنايات المهجورة والمهترئة، وإصلاح قاعة خاصة بالعلاج بالأنشطة الرياضية والموسيقية، وإعادة بناء صيدلية المستشفى، التي تستقبل حصة دوائية قيمتها 7 ملايين درهم سنويا من الوزارة تخص الطب النفسي من الجيل الثالث ذات جودة وفعالية في العلاج دون مضاعفات، وتزويد المؤسسة بسيارة إسعاف جديدة"، يقول المندوب مستعرضا مجهودات الوزارة.
وعلى مستوى الموارد البشرية، فإن الوزارة الوصية، يقول المندوب، "زودت المستشفى، ما بين 2013 و2015، بـ28 عنصرا بشريا، أغلبهم ممرضون مختصون في الطب النفسي"، مقرا بالاكتظاظ، الذي برره بالضغط الذي تعرفه المؤسسة، "خاصة من المرضى الوافدين من جهتي دكالة عبدة وتادلة أزيلال سابقا".
ونوه المندوب بعملية "كرامة"، معتبرا إياها "نعمة وقيمة مضافة للمستشفى الذي استقبل خلالها 50 مريضا كانوا في أوضاع سيئة، والآن يقيمون في مصلحة (كرامة) التي تم تجهيزها باللوازم المطلوبة"، مفيدا بأن هناك "مشروعا قيد الدرس، سيخرج إلى حيز الوجود قريبا، يتعلق بإعادة بناء المستشفى وفق المعايير المعمول بها دوليا"، يقول المندوب الإقليمي للصحة ببرشيد في تصريحه لهسبريس.

Enregistrer un commentaire

 
Top