GuidePedia




بقلم التهامي حبشي: مقالة في نقد الوهم البيوغرافي في العلم الإسطوغرافي ( الحلقة الاخيرة)
3ـ أهمية وحدود الرواية الشفوية في الكتابة التاريخية...
   ولعل الأدبيات الإثنوغرافية والسوسيولوجية والهيستوغرافية الكولونيالية قد لفتت الانتباه إلى أهمية المتن الشفاهي في الكتابة التاريخية الاجتماعية بالمغرب، منذ كتابات ميشوبيلير إلى كتابات جاك بيرك وروبير مونطاني. فقد أشار هذا الأخير في مقدمة كتابه البربر والمخزن، باريس 1930، إلى أهمية الرواية الشفوية قائلا:" إن الاسخبار في عين المكان، هو القمين بأن يزودنا بما تحرمنا منه النصوص المكتوبة". وهي فكرة تقنية منهجية جديرة بالإحياء، مع حذر ابستمولوجي شديد، نظرا للفائدة النسبية للرواية الشفوية في استكمال بعض الروايات المكتوبة، أو في إلقاء الضوء على بعض النصوص، أو في الاستفسار عن بعض النظم الاجتماعية والعادات التي لم تتغير كثيرا قبل منتصف القرن العشرين"..ـ أحمد التوفيق، مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر إينولتان من 1850 إلى 1912، ج1، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، دار النشر المغربية، 1978،ص.60 ــ.
      واليوم، توجد الرواية الشفوية في قلب إيقاع البحث التاريخي الجديد المتجه نحو الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات وتاريخ المهمشين..أي الاهتمام بجزئيات المعيش والحياة اليومية أو ب "اللامرئي اليومي" في حياة الأفراد على حد تعبير بول لويليو. ذلك أن الموضوعات التاريخية لم تعد مجرد أحداث سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، بل بدأت تكتسب أكثر فأكثر "لونا وجوديا" واتجهت الكتابة التاريخية الجديدة من البحث في الفعل التاريخي، كموضوع تقليدي حدثي وكرونولوجي، إلى الاهتمام بهذا الفعل كموضوع يتعلق، قبل كل شيئ بحيوات ومسارات الأشخاص وبالمعيش اليومي للأفراد والجماعات، على مستوى الأسرة، والعمل، والمدرسة، والهجرة، والسياسة، والنقابة، والتدين..ــ المختار الهراس، منهج السيرة في السوسيولوجيا، ضمن مؤلف جماعي.. إلا أنه وحتى ولو كانت الرواية الشفوية في خطاب السيرة الذاتية مثلا تعرفنا بالواقع، فإنها لا تفسره لوحدها. إنها تجعلنا نعيش ثانية الواقع المتحدث عنه، لكنها لا تبين لنا الأسباب البنيوية المتحكمة في إنتاجه، وبالتالي، ومن منظور  الباحث الأنثروبولوجي البنيوي الفرنسي المعاصركلود ليفي ستراوس، ينبغي التعامل مع خطابات سير الحياة أو سير الأشخاص، لا بوصفها تعبيرا عن ذوات فردية لا ترقى إلى مستوى الموضوع العلمي، بل يجب التعامل معها كما لو كانت أشياء مساعدة لبناء نسق العلاقات الذي يفسرها، والعمل على تحليل السيرة كتاريخ جزئي وضعيف، في إطار تاريخ أقوى وأشمل..ليتسنى بذلك الانتقال من مجرد معطيات خام إلى المعرفة السوسيولوجية العميقة. ـ أورده المختار الهراس، في مقاله المشار إليه ـ.
        هذا من جهة، ومن جهة ثانية، وفي إطار العلاقة بين الرواية الشفوية والذاكرة والتاريخ، يحق لنا أن نتساءل: إذا كنا لا نستطيع الحديث عن ذاكرة جماعية بدون الحديث عن ذاكرة فردية، فهل نستطيع الحديث عن نسيان اجتماعي، مثلما نتحدث عن نسيان الفرد (فقدان الذاكرة/ أو مرض الزهايمر)؟ كيف يعيد كل من الفرد والمجتمع إنتاج ذاكرته؟ وبالتالي هل الذاكرة الجماعية المعتمدة على الرواية الشفوية والسير الذاتية أو المسارات الفردية، كافية لوحدها في كتابة تاريخ أو تواريخ ومونوغرافيات محلية أو جهوية؟؟.
       إن التاريخ من منظور فيلسوف التأويل والهيرمينوطيقيا، الفرنسي بول ريكور، هو وارث مشكل يطرح نفسه بشكل ما من أسفل التاريخ، على مستوى الذاكرة والنسيان..على مستوى التجربة الإنسانية التذكرية أو الاستذكارية، من يتذكر؟ من يظهر سلطته على الذاكرة بتمثل الأشياء الماضية؟ لقد طرح موريس هالبواش في كتابه "الذاكرة الجماعية" ارتيابا وشكا منهجيا صائبا في كون الذاكرة الفردية قد لا تكون سوى فرع أو مكان معزول من الذاكرة الجماعية..أي مجرد استذكار أو تمثل ذاتي عن الماضي منسوب إلى كل الأشخاص: أنا، هي، هو نحن، هم...ـ بول ريكور: كتابة التاريخ وتمثل الماضي، جريدة لوموند الفرنسية، تعريب محمد خير الدين، الملف الأسبوعي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد6184 ليوم الأحد 16 يوليوز2000 ـ.إن الاستذكار عملية معقدة يمكنها أن تنجح أو لا تنجح. والنجاح هو التعرف على الذكرى كما خبره الفيلسوف الفرنسي بيرجسون في كتابه المهم (مادة وذاكرة). ومن هنا تكون الذاكرة تركة لابستمولوجيا التاريخ، وهي إما ذاكرة محظورة، أو ذاكرة مستغلة، أو ذاكرة حتمية أو ضروية كما يري بول ريكور: الأولى يعتريها الكبت والمقاومة والتكرار أو الاجترار بالمفهوم الفرويدي، كما في حالات وانفعالات الحزن والحداد، والسجن والاعتقال والجنون والضياع..والثانية يعتريها الصمت و الضعف الناتج عن حالات التقاطع بين مشكل الذاكرة ومشكل الهوية (الإثنية والسياسية والإيديولوجية)..والثالثة: يعتريها واجب الذاكرة فتكون إلزامية في إطار الانتساب إلى الخيط الطويل للأجيال (واجب أن يحكي الأب لأبناءه في إطار الأسرة أو العائلة/ القرابة الدموية، أو واجب أن يحكي المريد عن شيخه ـ بلغة الباحث الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي ـ وواجب أن يحكي الزعيم (ملك أو رئيس أو أمين عام حزب سياسي، عن أبنائه أو أتباعه أو رعاياه السياسيين...ولتحرير الذاكرة من الكبت والاستغلال والواجب الأخلاقي التحفظي، وبالتالي تحريرها من وهم امتلاك التاريخ، يقترح علينا بول ريكور الحديث عن ورش اشتغال الذاكرة بدل واجب الذاكرة...وذلك من خلال عمل المؤرخ على استدخال وتحديد أحداث ووقائع ومواقف لم تكن إلى حد ما ذكرى لأي شخص والتي بإمكانها أن تساهم في بناء "ذاكرة تاريخية" تمييزا لها عن "الذاكرة الفردية/الجماعية، النفسية الاجتماعية"...وكذا استحضار الشواهد أو الشهادات والوثائق التي تتحدث، كما يقول المؤرخ مارك بلوش، لا لكي نميز بينها بل لكي نفهمها ونفسرها...فبالاستناد على الحجة الوثائقية والبنية الائتمانية للشهادة (المكتوبة منها والشفاهية)، والمقارنة النقدية بينهما، يكون في مستطاع المؤرخ السياسي والاجتماعي أن يقف على عتبة حاسمة في حجيته التاريخية..وهكذا تطرح الكتابة التاريخية الجديدة في مجالات التاريخ الاجتماعي والتاريخ السياسي والتاريخ الحزبي والتاريخ الديني والتاريخ الثقافي...مسألة في غاية الأهمية البحثية وهي المنافسة المفتوحة بين الذاكرة والتاريخ في تمثل الماضي. للذاكرة يبقى امتياز تذكر الماضي كما كان رغم أنه لم يعد كائنا. بينما ترجع للتاريخ سلطة توسيع النظرة داخل الزمان والمكان، وقوة النقد ضمن ترتيب الشهادات، والمزاوجة بين الفهم والتفسير، والتمكن البلاغي من صياغة النص التاريخي على ضوء النض التذكري الشفاهي والوثيقة التارخية المكتوبة..وبالتالي ممارسة الإنصاف والمساواة بين النصوص المكتوبة والذاكرات المجروحة والذاكرات المتعامية تجاه الآخرين. ــ بول ريكور، نفسه. ـ.
   وبغير سلك المقدمات المنهجية الآنفة، وبغير الانتباه إلى التحوطات الإبستمولوجية السابقة، يكون كل من المؤرخ المبتعجل والصحفي المتسرع على شفا حفرة من "الخبطة أو اللخبطة التاريخية"، فتضيع بذلك الأمانة العلمية والوجاهة المعرفية في هذا الحقل الشاسع والشره ألا وهو علم التاريخ...وبالتالي تجد الكتابة التاريخية نفسها ساقطة في فخ الوهم البيوغرافي بدل اعتناقها للعلم الإسطوغرافي. إنه من الوجاهة المعرفية والنسبية المنهجية أن نتحدث هنا عن نسيان الجماعة في مقابل ذاكرة الجماعة، مثلما نتحدث عن نسيان الفرد في مقابل الذاكرة الفردية...فهل المجتمع ينسى؟ وهل التاريخ ينسى؟. إن تساؤلات من هذا القبيل تفرض علينا الوقوف على المحدودية المعرفية والتاريخية للرواية الشفوية الناتجة عن الذاكرة الفردية/الجماعية، كمادة وثائقية شفاهية في كتابة تاريخ اجتماعي أو سياسي محلي أو جهوي أو وطني. لقد لاحظت المؤرخة والباحثة الأنثروبولوجية الفرنسية المعاصرة لوسيت فالنسي أنه إذا كانت الذاكرة هي ورش التجربة في الحياة، فإن النسيان هو ما فضل أوتبقى من هذا الورش الحيوي ــ في محاضرة لها ألقيت أمامنا كطلبة باحثين في السوسيولوجيا والتاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، السنة الجامعية 1991/1992 ـ. إن النسيان المجتمعي والتاريخي يحدث عندما تغيب الأطر المجالية والاجتماعية للذاكرة، حيث تعجز الذاكرة عن استذكار جزء من الماضي. إن الذاكرة أكثر عرضة للتلف والاندثار، مادام المجال (الترابي والعمراني والاجتماعي والسياسي) الذي يحتويها في تحول مستمر. ولهذا نجد الباحث الألماني موريس هالبواش يؤكد في كتابه "الأطر الاجتماعية للذاكرة" على أن أي اختفاء أو تحول في أطر الذاكرة يتسبب في في اختفاء أو تحول لذكرياتنا..وبالتالي فإن نسيان فترة معينة من الحياة، يكون نتيجة لفقدان التواصل مع أولئك الذين كانوا يحيطون بنا في تلك الفترة.ـ Maurice Halbwachs, Les Cadres Souciaux de La Mémoire,P.P.88-89. وتتمظهر إرادة النسيان الجماعي في ذاكرة الجماعة أيضا، عندما تتواجد الذات/النحن المتذكرة أمام وضعيتين اجتماعيتين وتاريخيتين هما: وضعية "الكبت الكثيف" كفترة حرب أو إضراب نقابي جماهيري عن العمل مثلا..أو وضعية "الرفض التلقائي للكلام" كما في حالات المقاومة والسجن والاعتقال السياسي..وفي الحالتين معا نكون أمام ذاكرة بكماء، ولكنها ملموسة فيزيقيا في سحنات وحركات الراوي، مادام الانفعال هنا يكون حاد وشديدا" ـ Lequin(Y) et Metral(J)…P.155.، مما يحتم على الباحث الصحفي أو المؤرخ أن ينتبه، من منظور بسيكوسوسيولساني (علم اللسانيات النفسية الاجتماعية)، إلى " أن صمت الخطاب ليس صمتا للذاكرة" في الكثير من الأحيان. ـ نفسه،ص.155. وبالتالي، فإنه ومهما حفز مبحوثيه عن الكلام، فإن عملية التذكر (الاستذكار) لا تتم بشكل شمولي مترابط الحلقات والسلسلات، بل إن الراوي/المتذكر يستحضر الماضي بشكل تقطيعي أو تجزيئي (احتلاب الذاكرة)، ذلك أن " الذاكرة تنتقي، تنظم وتختزل المدة الزمنية التي استغرقتها الأحداث أو الوقائع... مما يجعل خطاب الراوي نوعا من التطرية (المكياج) فوق تجاعيد وجه ذاكرة لها زينتها الخاصة. ـ ". ـ Abasado Claude, Raconte..Raconte..les récits de vies comme objet sémiotique, in Revue des sciences humaines,Tome1,N°191,juillet-septembre,1983,p.15..
   وهكذا، فإن الرواية الشفوية، كمنتوج لذاكرة فردية أو جماعية، تتميز بالنسيان، وبالانتقاء، وبالمناورة، والتطرية، وبالتحوير والإخفاء..وبالتالي، ومن هذه الطبيعة المعقدة لتشكلات الوعي والإدراك والتذكر في نتاج الذاكرة، يكون لزاما على الصحفي/المؤرخ أن يتوخى الحذر الإبستمولوجي بما يسميه السوسيولوجي الفرنسي المعاصر بيير بورديو ب"الوهم البيوغرافي/L’illusion boigraphique أثناء عملية إعادة بناء المحتوى أو المساحة الاجتماعية التي يتحرك فوقها الراوي داخل العالم الاجتماعي ـusages de la biographie, P.1326 Giovani Levi, Les. إن الوهم البيوغرافي هو "هذا الوهم المزدوج للواقع، وهم ملامسة المعيش نفسه، ووهم ملامسة الشمولية (الاجتماعية والتاريخية)...فلا شيئ يمكن أن يقال ما دام المعيش يوجد دوما بالجوهر، وهو غير محدد بدقة، علاوة على أن العلاقة بين الستجوب/ الباحث أو الصحفي والمستجوب/الراوي تحرف السرد. ـSchnapper (D) et Hanet (D), P.194.. إن الذاكرة تمنحنا وهم العيش داخل الجماعة، على حد تعبير موريس هالبواش، وبالتالي فعلى المؤرخ أو الباحث الاجتماعي أن يجتنب وهم اعتبار أن متن الرواية الشفوية يوجد في شكل مجموع كلي/Somme، بل عليه أن يعتبره فقط مجرد وحدات من كل، أي أجزاء صغيرة من الشمولية، انتقتها ذاكرة الراوي أو المبحوث "وفق استراتيجية للكلام" بعبارة كلود اباستادو. أي تحت إثارة وتأثير أسئلة الباحث التاريخي أو الصحفي المؤرخ، وذلك حسب نظام المواضيع أو التيمات المقترحة في المقابلة أو الاستجواب، كعلاقات لتسهيل عملية التذكر وتنظيم الحكي حولها..ذلك أن نظام الأسئلة الجاهزة المستفسر عنها، هو في نفسه تفتيت للشمولية/Détotalisation وبسط لاحق/Déroulement لما تم عمليا بشكل جزئي أو دفقة دفقة. ـ محمد بودودو، مناهج البحث في السوسيولوجيا، سلسلة دروس ملقاة أمام طلبة السنة الثالثة علم اجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، سنة 1992/1993، مطبوع غير منشور ـ.
4ـ خلاصة القول:
  صفوة القول إن تحرير نصوص أو متون الرواية الشفوية، كنتاج للذاكرة الفردية/الجماعية، من أوهام امتلاك الحقيقة الواقعية و الإمساك بالشمولية التاريخية والمجتمعية، يعني الاعتراف بالنسبية المنهجية والمحدودية المعرفية للرواية الشفوية ووضعها على محك النقد التاريخي والإبستمولوجي، وذلك بمقارنتها ومقابلتها مع معطيات المعالم المادية والوثيقة المكتوبة الرسمية منها والخاصة، من أجل إدراك أعمق وفهم أمثل وتفسير أشمل ل"الحقيقة التاريخية"، على اعتبار أن الوثيقة الشفوية، مثلها مثل المصدر المكتوب، ينبغي أن تدرس وتنتقد بالمعنى القوي للنقد التاريخي ـ فالوثيقة الشفوية ليست غاية في حد ذاتها، إنها ليست هي التاريخ، بل إنها وثيقة من أجل المؤرخين المعاصرين أو مؤرخي المستقبل، ومن هذا المقياس ينبغي أن تخضع إلى نفس شروط الاستعمال العلمي، كما في المصادر الأخرى.
  في دراستنا للظاهرة الحزبية بالمغرب الحديث وللتاريخ السياسي (الحزبي) أو الممارسة السياسية الحزبية على المستوى المحلي أوالجهوي والوطني، يمكننا الركون إلى المنهج التاريخي التراجعي، أي الانطلاق من الحاضر باعتباره نهاية تطور وقع في الماضي، على غرار ما فعله جاك بيرك في دراسته الاجتماعية التاريخية لقبائل سكساوة بالمغرب في منتصف القرن العشرين. ـ راجع:Jacque Berque, Les structures sociales du haut-Atlas,PUF,Paris,1955,P.414.. إلا أن الانحدار إلى الماضي، لا يعني تقديس الأصل كما لا يعني رفضه، وإنما يعني الانشغال بالكينونة التاريخية للإنسان كمشروع على حد تعبير الفيلسوف الوجودي الفرنسي المعاصر جون بول سارتر. إننا لا نلتفت إلى الماضي إلا لكي نجيب على أسئلة الحاضر..وعندما نركز على هذا الحاضر، فنحن نهتم به كحصيلة لسيرورة أفرزت تفاعلا بين عناصر الاستمرارية وعناصر التحول. نلتفت إلى الماضي كي نربطه بالحاضر، ونربط الحاضر بالمستقبل، للوقوف على عناصر التركيب في مجتمع يعرف منذ الفترة الاستعمارية/ الصدمة الكولونيالية حركية اجتماعية وسياسية واسعة وتحولات بنيوية عميقة في نظام المؤسسات والأدوار والوظائف والعلاقات والرموز والعلامات. نلتفت إلى الماضي من أجل تفكيك عناصر التركيب في مجتمع لا زالت تشده قيم المراوحة إلى الخلف، رغم اتساع دائرة "التحديث" المادي والتقني. وبلغة جاك بيرك مرة أخرى، فإننا ننحدر من الحاضر إلى الماضي لنعود إلى الحاضر "من أجل التوافق مع الآخرين واستمرار الوفاء للذات، هذه الضرورة المتناقضة التي لا تجعل المطالبة بالحداثة رفضا تاما للتقليد". ـ Jacque .Berque, Les Arabes d’hier à demain,PUF,Paris,1960 .أي ملامسة التحولات الجذرية للبنيات الاجتماعية والسياسية في إطار العلاقات والتناقضات والتعارضات والتوترات الدينامية بين حقلي التقليد والحداثة، مع الأخذ بعين الاعتبار ذاك التفاعل الحاصل بين العام والخاص، بين المحلي أوالجهوي والوطني، أو ما يسميه الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر جورج بالاندييه بتفاعل دينامية الداخل ودينامية الخارج. ـ George Balandier, Sens Et Puissance, PUF,Paris,1971,P.P.105 et 110، مادام التطور التاريخي بشكل عام هو انتقال مجتمع ما من حقل معين للتاريخانية(champs d’historicité) ) إلى حقل آخر منه على حد تعبير السوسيولوجي الفرنسي المعاصر ألان تورين. ـAlain Tauraine,Pour la sociologie,Ed.Seuil,paris,1974,P.59..
                                                      (*) التهامي حبشي/ إعلامي وباحث سوسيولوجي.






Enregistrer un commentaire

 
Top