GuidePedia


برشيد، أَوهامُ التاريخ والسياسة (الحلقة 6)
بقلم: الجيلالي طهير
بتاريخ 28 نونبر 1976، كتبت جريدة " المحرر" المحظورة، ما يلي: " منذُ إعلانِ النتيجةِ بفوزِ الاتحاد الاشتراكي بأَغلبيةِ المقاعدِ (12 من 22)، والسلطةُ تقومُ بمناوارتٍ مسعورةٍ لانجاح طبختها، بتعيينِ " محايد" على رأسِ المجلس. صباحَ أمسٍ، عُقدتْ جلسةُ تشكيلِ المكتبِ، وقد حصلَ مرشحُ الاتحاد الاشتراكي الأخ محمد بدري على 12 صوتاً، الشيء الذي يؤهلهُ للرئاسةِ. أَمامَ وضوحِ هذا الأمر، لجأَ الباشا إلى استعمالِ العنفِ، حيث أمر الحاضرين بالخروجِ من القاعة، قائلاً لهم أَنهُ هو كل شيء في البلدِ، وأَن عليهم أن يَطرُقوا كل الأَبوابِ، فلنْ يجديهم ذلك نفعا".
تَجمعَ النُوابُ "المحايدون" الفائزونَ في الانتخاباتِ التشريعيةِ لسنة 1977 على الصعيد الوطني، وأَسسوا حزب التجمع الوطني للأحرار، بِقيادةِ الوزير الأول أَحمد عصمان، بناءً على أوامرَ ملكيةٍ، كما يحكيه السيد عبد الله القادري في حوارٍ صحفي. وفي سنة 1983، انشقَ هذا الحزبُ عن نفسه، فانبثقَ عنهُ الحزب الوطني الديموقراطي، حينئذ التحق عبد الله القادري، النائبُ البرلماني لبرشيد بالاقتراعِ غير المباشرِ بالحزب الجديد، ولم يفعل مثله الأستاذ حسن الوزاني، النائبُ البرلماني للمدينة بالاقتراعِ المباشر. وبعد مرورِ عشراتِ السنين، سألت هذا الأخير عن عَدمِ التحاقهِ بالحزب الوطني الديموقراطي لأَجلِ الدفاعِ عن العالمِ القروي، سيما ونحن الاثنين أبناءُ الدوارِ الواحدِ، فأجابني بأَن الانشقاقَ حصلَ لأَجلِ إضعافِ أحمد عصمان، والدولة من أصلها لا تتوفر على أية سياسةٍ فلاحيةٍ . حقيقةٌ، لم يكنْ الحزب الوطني الديموقراطي يخرج للوجود، لولا أَن رأس أَحمد عصمان أَصبح مطلوباً سياسياً، منذ اليوم الذي غادر فيه الوزارة الأولى.
تَشكلَ الحزب الوطني الديموقراطي من برلمانيينَ يصنفون أَنفسهم ب " العروبية"، على خلفيةِ الخطاب الملكي لشهر يوليو 1981، بعدَ أحداثِ الدار البيضاء الدامية، والذي قال فيه عاهل البلاد أن ما حصل من اضطراباتٍ سببهُ " نسيان البادية والسكن الذي لا يليق بالكرامة الإنسانية".
بعد فترةٍ وجيزةٍ على ولادتِه، سيشاركُ الحزب في الانتخاباتِ الجماعيةِ لشهر يونيو 1983، وسيُمنَحُ رِئاسةَ 99 جماعةٍ، على الصعيد الوطني، ولم يحصل الاتحاد الاشتراكي سوى على 09 جماعة، حِصة كل واحدٍ منهما في الخريطة السياسية. ففي مدينة برشيد، سيفوزُ الحزبُ برئاسةِ المجلس البلدي بما مجموعهُ 2.660 صوتاً، متبوعاً بالاتحاد الاشتراكي المُحَصلِ على 2.250 صوتاً، على الرغم من كل المضايقاتِ والإغراءاتِ لهجره. وكان تقدم لمنافسته إلى جانب الاتحاد الاشتراكي، كلٌ من حزب الاستقلال والاتحاد الدستوري اللذانِ عجزا على ملءِ جميعِ الدوائرِ بالترشيحاتِ اللازمة. فقد رشح حزب الاستقلال حميدو لمطاعي، من الوطنيين المعروفين بالدرب الجديد لمواجهة عبد الله القادري بالحي الحسني، وذلك في فترةٍ شهدت عمليةَ توزيعِ بُقعِ الحي الحسني لبعض من لا يستحقونها، وتُرِك آخرون ممن كانوا في أًشد الحاجةِ إليها. ومن جهته، استنجدَ الاتحاد الاشتراكي الذي كان يعاني نقصاً في المرشحين بثلاثة شبانٍ من الدرب الجديد، لملءِ الفراغاتِ بدوائر بالحي الحسني. فلم يكن أَحدٌ يجرؤُ على الوقوفِ في وجه زعيم الحزب الوطني الديموقراطي، خوفاً أو طمعاً. وكنتُ تقدمتُ باحتجاجٍ على عددٍ من النساء اللواتي كن يصوتن عدة مراتٍ، أثناء نيابتي عن المرشح الاتحادي عبد الله الحنفي بالحي الحسني، ودونتُ ملاحظاتي في المحضرِ، المسلمِ نسخةً منه للمسئول الحزبي محمد فرابي، و"على من تعاود زبورك يا داوود".
في شهر ستنبر 1984، وهو موعدُ تاريخ الانتخابات التشريعية، سيكتفى حزب الاتحاد الاشتراكي ب 2.395 صوتاً، وسيضاعفُ الحزب الوطني الديموقراطي من أصواتهِ لتصبح 4.444 ببرشيد المركز. بينما سيرتفع الرقم على مستوى الدائرة، فيصبحُ 18.067 صوتاً في مقابل 4.486 صوت للاتحاد الاشتراكي. لقد أَعطي القلم حزباً بدونِ دعائمَ وهياكلَ، ومن غير صحافةٍ مكتوبةٍ، 71،29 °/° من الأصوات، ومَنحَ الحزبَ الأكثرَ ثقلاً في الحياةِ السياسيةِ المغربيةِ، وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، في البيئة التي تحتضنه 17،70 °/° من الأصوات. لقد كان التزويرُ علنياً، ونتائج الانتخابِ أَعطتهُ صورةَ استفتاءٍ.
خلال سنة 1990، سيعينُ السيد القادري وزيرا للصحةِ في حكومة الوزير الأول عزالدين العراقي، لكنه، وكما تقول بعض الأخبار الصحفية، دخلَ في صراعاتٍ مع مقربينَ من محيطِ القصر، وفي مقدمتهم المستشار أندري أزولاي، الذي كان يرْعى الكثيرَ من التظاهرات الاقتصادية والتجارية، وسيُعفى سريعاَ من المنصب.
بعد سنتين، جاءت الانتخاباتُ الجماعية لشهر اكتوبر 1992، فتجاهلت السلطات المحلية الحزب الوطني الديموقراطي، مما مكنَ حزب الاتحاد الاشتراكي من الفوزِ ب 4.921 صوتا (29,66 في المائة)، وانتزاعِ 17 مقعداً بالمجلس البلدي من أَصلِ 25 مقعداَ؛ بينما لم يحصل الحزب الوطني الديموقراطي سوى على 3292 صوت (19,48 في المائة)، واكتفى بخمسِ مقاعدَ؛ بينما حصلَ حزبُ التجمع الوطني للأحرار على 1.737 صوتا؛ و الاتحاد الدستوري على 1.717 . ومن وقتِها أُغلقت الأبوابُ في وجه السيد عبد الله القادري، ولم يعد له حضورٌ لافت على الساحة.
وفي الانتخاباتِ الجماعيةِ المجراة في شهر يونيو 1997، سترتفعُ أَسهمُ الاتحاد الاشتراكي بشكلٍ مثيرٍ، وسيحصلُ على 10.423 صوتا (54,7 في المائة)، وعلى 26 مقعد بالمجلس البلدي، من أصل 31 مقعد. وأما الحزب الوطني الديموقراطي فحصل على 4.557 صوتا (23,9 في المائة)، والتجمع الوطني للأحرار على 984 صوتا. كل برشيد في سنة 1997 أصبحت " حجرية" بقدرةِ قادرٍ، فمثلاً مرشحون محايدون في سنة 1983، ترشحوا باسم حزب الاستقلال في سنة 1992، عُثِرَ عليهم مستشارينَ، ويحملون صفة المناضل، في مجلس الاتحاد الاشتراكي سنة 1997.
وفي الانتخاباتِ التشريعيةِ لشهر نونبر 1997، سيقدمُ مرشحُ الحزب الوطني الديموقراطي ترشيحهُ بالدائرة الانتخابيةِ الساحل أولاد حريز، خارج برشيد، غير أَنه لم يتمكن من الفوز، وذهب المقعد النيابي لمرشح "الزيتونة" عبد الباقي حريص، ابن الشيخ بوشعيب حريص، بفارقٍ جد ضئيلٍ أمامَ محمد فرابي، المرشح الاتحادي. وأمام الفراغ الذي تركه الحزب الوطني الديموقراطي على الساحة، سيفوزُ المرشح الاتحادي محمد طربوز بالمقعد النيابي لمدينة برشيد، محصلاً على 7.833 صوتا، متقدما على مرشح التجمع الوطني للأحرار ب 2.801 صوت، يتلوه مرشح الحركة الشعبية ب 2.473 صوتا.
كتب حسن نجمي بجريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 22 اكتوبر 1999: " الحزبُ الذي تصنعهُ وتدعمهُ وتغذِيهُ وزارةُ الداخلية ليس حزباً. والحزبُ الذي ينتظرُ الأوامرَ ليتحركَ، وينتظرُالإذنَ ليخطبَ، وينتظرُ الإشارةَ ليقدم أو يُؤخِرَ خُطوته ليس حزباَ." وها نحن نرى الفائز بالمقعد النيابي لحزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1997، والذي اقترن وجوده بهذا الحزب إلى درجة الاستنساخ، يحمل في الانتخابات الأخيرة قميص حزبٍ كانوا ينكرونَ عليه هذه الصفة.
يقولُ الملكُ الراحلُ الحسن الثاني: "عندما أُقلدُ أحداً من الناسِ مهمةً فإني أَجدُ نفسي أَمامَ شخصين، أَحدُهما مستاء، والآخرُ مسرورا، وربما يتحولُ إلى ناكرٍ للجميل". إن زعيم الحزب الوطني الديموقراطي لم يتحول أبداً إلى ناكرٍ للجميل بعدَ إقصائه من وزراة السياحة وغيرها.

Enregistrer un commentaire

 
Top