GuidePedia


برشيد، أَوهام التاريخ والسياسَة (حلقة 2)
بقلم: الجيلالي طهير
ثمة مدرستان في السياسة تشبه ما يجري في حقل التعليم. واحدة، مدرسة خصوصية تعتبر أن النشاط الحزبي هو نشاط سلطوي يتطلب امتلاك عدة حسابات بنكية، و دفاتر شيكات متنوعة، ومحلا تجاريا معلق عليه أسماء آيات الله الحسنى، ومنزلا كبيرا يتسع لعشاء معتبر، يضم خمسين شخصية وأكثر. وثانية، مدرسة شعبية، نراها في طور التراجع، ولم يعد من يمثلها غير حزب العدالة والتنمية، بعد نحر حزب الاتحاد الاشتراكي، تاريخها تضحيات، ونابعة من وجع الناس، وقلقهم والاحساس بمعاناتهم.
 ليس العيب، بالمعنى السياسي للكلمة، الانتماء إلى هذه المدرسة أو تلك، لأن ليس هناك ما يحدد مفهوم التعددية الحزبية، ولأن "عديدا من الناس سيحاولون بيع الجماهير وهم ينادون باسمها" (ماثيو آرنولد). العيب هو أنك خلعت شارة النضال التي تزعمت أستاذيتها لمدة أربعة عقود زمنية، وذهبت للجلوس في آخر المقاعد بالمدرسة التي لقنت الناس طول الدهر أنها غير صالحة لهم، ولأبنائهم، ولجيرانهم، ولأحفادهم. عندما تلتقي المدرستان في رجل واحد، تصبح السياسة بلا سياسة، لأن الإنسان الذي يتنصل من تاريخه، ينتهي به الأمر إلى الفراغ الكامل، ولا يبقى له من تاريخ يتبعه بقية عمره، سوى وجه تلك المدرسة التي أذابت شخصيته.
 مثلا، كان مولاي عبد الله ابراهيم وزيرا أولا،رحمة الله عليه، رئيسا للحكومة، وكان السي أحمد بوستة، حفظه الله، وزيرا للدولة في الخارجية، ينتميان الحزبين من مدرسة الجماهير الشعبية، رفضا أن يذكرهما التاريخ بأقل من هاته الصفتين، في أية حكومة اقترح عليهما الدخول فيها، وستظل صفتي الوزارة الأولى ووزارة الدولة في الخارجية ملازمتين لهما أبد الدهر. أغلق الأول دكانه، والثاني اعتزل، وتركهم يشتغلون ويشتمون الناس.
 نحن نكتب تاريخ الحاضر، صَحيحٌ أن الأُخُوةَ الجديدةَ التي صنعها المالُ أقفلت بابَ الحياةِ السياسية، وخبأتِ المفتاحَ تحت أطنانٍ من الشعاراتِ النضالية، ( أيضا أوصلت رمز الاتحاد الدستوري إلى الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي بدكالة). وصحيح ٌ أنه يمكن أن نأخذ من الناس أفضلَ ما لديهم، والسلبياتُ أمرها متروكٌ لربِ العالمينَ، لكن في حدودٍ معقولةٍ، وليس إلى درجةِ أن يطغى الطموحُ السياسي على التاريخِ النضالي لرجلٍ، كان بالأمسِ يقول كلاماً ، واليوم يقول عكسهُ ، فلا هو يضمن المستقبل، ولا هو يربح التاريخ. إنه مجرد رأي، وعندي ثقة، لا يفسد للود قضية.
المشكلةُ أيضاَ تَكمنُ في المناوئين للرجل، كانوا، منذ مدة، لا يطالبونه سوى بالتشاور معهم، كشركاء في الحكم، قبل اتخاذ القرارات المهمة، والأخذ برأيهم، عوض الانقلاب عليهم والاستخفاف بمكانتهم بداخل الهيئة. كان سقف مطلبهم أنهم يريدون أن يعرفوا بقراراته مسبقاً، لا أن يسمعوا بها من خارج الدار. كان من الممكن الارتقاء فوق الاهتمامات والمصالح الشخصية وتحقيق المُصالحة الحزبية، بإظهار المرونة، في إطار عملية أفقية خالية من التدخل العمودي. ثم أصبحت مُشكلتهم أنهم لا يرىدون رؤيته على الإطلاق، وعداؤهم له، هواجسهم، و مخاوفهم، كلها بلغت مستويات لم تعد مفهومة، وكأنه " عبد الفتاح السيسي والإخوان المسلميون". لم يكن مقدَّراً أن يمضي الحزب بهذه السرعة نحو مربع المخاطر: 426 صوت فقط في الانتخابات الجماعية الأخيرة، ماذا تساوي؟ كم هو عدد مناضلي الحزب المتوفرين على بطائق انخراط حزبية؟ الشماتة فعل صبياني، لا معنى لها في السياسة، و يبدو أن ما حصل على الأرض كان أكبر بكثير مما توقع البعض، أو ظنوا، حتى لا نقول، خططوا. مصادرٌ، من قاعِ البئر حيث ينام السر، تقول أنهم وُضعوا أمام الأمر الواقع، وكان القرار اتخذ، من طرف أهل الحل والعقد، ومن خارج برشيد، بنحو خمسة أشهر قبل إخطارهم به. و للسي أحمد بوقنيطير، في حسرته رأي يكاد يكون هو رأينا، فيما كنا نراه بعيون مفتوحة من البداية: "أعترف أن حزبنا تم اختراقه ونخره من الداخل. وتعرض لمؤامرة محبوكة النسج لإسقاطه. وأعترف بأن المتآمرين نجحوا في مهمتهم الدنيئة لضرب القيم النبيلة". يتطلب كل حزب للبقاء حد أدنى من التسامح بين أعضائه، أي نوع من التوافق. (ويلفريدو باريتو) ويبقى السؤال مطروحا، قبل العودة إلى تحليل قادم، مدعمٍ بالأرقام: من يصنع الآخر، المرشح أم الحزب؟ ولمن يتبع المناضل، للشخص أم للحزب؟ كتب الأستاذ يوسف الطالعي، المرشح بلائحة الوردة: " كاتبُنا الأَول فطن أَن هناك مخْلوقاتٌ تريد السيطرةَ على الحزْب ممتطيةً قوانينهُ وتنظيماتهُ الداخلية". وأجاب زميلنا المحترم إدريس الشيخاوي، وهو من الأوفياء لمحمد طربوز: " أخي الكريم، كاتبكُم الأَول لم يصْغ حتى لمناضلي حزبه وأَغلق الباب في وجههم ورفض استقبالهم". بينما كتب صديقنا المهدي التازي، من الشبيبة الاتحادية الراحل لحزب الحمامة: "غَيًرْنا الوُجهة لنرتاح من نفاق الأَشْرارْ، سيكونُ لحزبنا الجديد وَفيينَ وأَخْيارْ، حَمامةٌ زرقاء وصوتها الهديلْ، في ورقة الانتخابات ولونها الجميلْ".
 في جميع البدايات، يصنعُ الحزب السياسي لنفسه تاريخاً من الروايات التي يختلط فيها الواقع بالأسطورة. وكثيرٌ من المناضلين وبكل براءة لا يشككون، والبعض يؤَلهُ القادةَ وكأَنهم معصومون من الخداع. وقد يأتي الوعي متأخرا، أو على محطات، بحسب نسبة الذكاء، وطول التجربة أو قصرها، فعندما تقرأ مثلا للأستاذ يوسف الطالعي، إضافة إلى ما سبق ذكره: " حبلُ الكذب قصيرٌ"، يمكن أن تقول مع نفسك: لعل الحبل الكبير في باب الكذب متروكٌ لمستويات أَعلى. لكن المناضل الحزبي يعتبر أي تأكيد ذاتي لقائدة حدثا موضوعيا. ويحمل التأكيد والإثبات قيمة مطلقة ، ومسلمة بديهية. هنا نجد قادة يرغبون في تحقيق مصالحهم و مصالح زبنائهم، وهناك نجد شرفاء بصورة عامة، لكنهم طائفيين ومتعصبين، يستخدمونهم كالصابورة لأنهم يمنحون الحزب بعض مظاهر الشرف.القادة المنتفعين الذين لا يكتبونَ أبداً مذكراتهم خشية الإمساك بتلابيبهم. إنهم لا يخشون من أحد غير المؤرخ القادر على كشف عوراتهم وفضح أسرارهم، ولهذا السبب، يكتب الأستاذ عبد الله العروي بأن المؤرخ هو عدو السياسي.
 تخجل أن تكتب دفاعاً عن ... الانتخابات! ولمجرد أن تفكر في الدفاع عنها، تشعرك الفكرة بالخزي والعار، ويصيبك الإحباط من الدرك الذي وصلنا إليه. في ظل مشهد كاريكاتوري لحملة انتخابية حولت الساحة إلى سوق أغنام، يلعب فيها الشناق دور المناضل الحزبي، ترى وكيل لائحة حزب العدالة والتنمية منشرحا في ابسامة عفوية، على عكس بقية الوجوه العابسة أو المتجهمة بالنسبة لوكلاء اللوائح الأخرى، لأسباب متعددة يعيدها البعض إلى حقيقة أنه أبقى نفسه بعيداً عن عالم الأعمال والصفقات المشبوهة، لم ينفق السي بوشنيف، حسب علمنا، القرش الحرام على حملته. وعلى الرغم من تحفظاتي على عدم انفتاحه على جميع مكونات هذه المدينة من غير تمييز حزبي، أقول وبكل نزاهة، أن هذا الحزب أبان في حملته الانتحابية عن الاحترافية السياسية التي يستحق من أجلها الاحترام، كونها حملة راقية بكل معاني الكلمة، من حيث الانضباط النموذجي لمناضليه، والبرنامج الانتخابي الخالي من الأوهام والدجل، يتضمن المشاريع المقترحة، مع الأخذ بالاعتبار بمحدودية الموارد المالية للجماعة والاكراهات الواقعية. أن تحصل على 1830 صوتا يمنحونك 08 مقاعد، ولا يكاد الناس يرون أوراقك وسط غابة الأوراق المرمية في الشوارع، لأمر يستحق منا الاحترام.
لا أفهم بتاتا لماذا يحب أن يظهر بعض المرشحين المغمورين أكثر عدوانية، يحاربون الجميع، مع أن الوصول للمجلس البلدي لا يتم من دون التحالف مع «كعبة» تمثل الشمس التي تدور الكواكب حولها. الكعبة أمن وسلام، والسياسة غصن زيتون.
 كانت الثقافة تهطل على الاتحاد الاشتراكي، وكنا نحب أن نبلل رؤوسنا بمياهه الفائضة. لا أفهم كيف لا يتقبلُ بعض المحسوبين على الاتحاد الاشتراكي، أن نتناولَ صرحهم بالنقاش، على أرضية الاختلاق وكأنه ضريحٌ محروسٌ بواسطة حفظان مبجلين. ربما لا يعرفون أَنهُ كان الحزب الوحيد النابض بالحياة،حظي باحترام جميع المغاربة لتضحياته، وحمولته الثقافية الكبيرة، ومثقفيه الشكاكين المتموقعين بين الطبقات. أين اختفى هؤلاء؟ انقرضوا؟ انشقُوا؟ تمأسسُوا؟ أم تنحوا مؤقتاً حتى تزول الغمة؟ هل تزول؟ متى تزول؟ بمثل العقليات القمعية، لن تزول، ستطول.
 يكتب برنارد هنري ليفي عن مستقبل المثقف بفرنسا: " المثقف: اسمٌ مذكر، ولد في باريس في عهد درايفوس، وتوفي في باريس في نهاية القرن العشرين"، وأخشى القول أن المثقف المغربي ولد في حزب الاستقلال في عهد علال الفاسي، وكبر في الاتحاد الاشتراكي في عهد عبد الرحيم بوعبيد، ومات في الاتحاد الاشتراكي في نهاية القرن العشرين. 
يتبع …


Enregistrer un commentaire

 
Top