GuidePedia


في سوسيولوجيا الفرجة الرياضية ملاحظات حول ظاهرة الشغب بالملاعب الرياضية.
ـ التهامي حبشي.*
# ما يدفع سلوكك هو رد الفعل الغريزي إزاء الألم والمتعة، وليست الحسابات العقلية.#
ـ المحاضر العالمي: أنتوني روبنز.
1ـ لماذا سوسيولوجيا الفرجة الرياضية؟:
لا شك أن قضايا وأسئلة وانتظارات وتطلعات ورهانات الشباب توجد في مقدمة إشكالات المغرب الراهن، المغرب المتحول بشبابه ونسائه وأطفاله ومراهقيه، بأسره وعائلاته ومدارسه وجامعاته، وأنديـته وأحزابه وجمعياته.إن الاهتمام بسوسيولوجيا الشباب ينبغي أن يكون في صلب اهتماماتنا وانشغالاتنا بحاضر ومستقبل المغرب، ذلك أن قضايا المجتمع المغربي المضارع والآتي، هي في جزء كبير منها قضايا الشباب: تربية وتعليما وسكنا، وصحة وثقافة، وإنتاجا وترفيها...لأن الشباب هو، أولا وأخيرا، الرأسمال البشري الأساسي في نمو وتطور المجتمع، ومن تم، فإن تركيز الاهتمام على هوايات وممارسات الشباب في الوقت الثالث، أو الوقت الحر ـ تجاوزا ـ، معناه الالتفات إلى إحدى أكبر بؤر الاجتماعي/le social في مخيالات وسلوكات، وأوقات وفضاءات الشباب و الأطفال واليافعين والمراهقين.
لقد لاحظ بعض الباحثين في مجال أوقات فراغ الشباب، أن هوايات الشباب الذكور المنحدرين من الطبقات الشعبية والوسطى، غالبا ما تتركز حول علاقات الجوار المحلي التي تنسج نوعا من الالفة الاجتماعية ببعض الفضاءات العمومية المفتوحة كالمقاهي والملاعب الرياضية. أنظر في هذا الصدد مؤلف الباحث:Ollvier Galland ;sociologie de la jeunesse.Armond Colin.Paris.1991.p.217 فمن نافل القول، إن ممارسة الرياضة عموما، والفرجة الرياضية بالخصوص، هي من صلب انشغالات الشباب في أوقات العطل والفراغ. ويبدو هذا الأمر جد عاد في الأوساط الأسرية الشعبية والمتوسطة، والمجتمعية عامة، إلا أن المسألة تخرج عن المألوف عندما تتحول هذه الهواية، المفضلة عند غالبية الشباب الذكور، من مجرد فرجة تفريجية وترويحية عن النفس، إلى بؤرة من القلق الاجتماعي أو الغضب الجماعي، أو الشغب الجماهيري أو العنف اللارياضي. هنا نكون أمام ظاهرة سوسيولوجية فريدة، تستدعي منا ضرورة الفهم والتفهم، للإحاطة بتمظهراتها الملموسة وميكانيزماتها الخفية، في سبيل محاولة القبض على دينامياتها الداخلية والخارجية، ودلالاتها الرمزية وامتدداتها المجتمعية. وعلى سبيل المثال والتخصيص، تشكل ظاهرة الجماهير/ الحشود الرياضية، وخاصة منها جماهير كرة القدم بالملاعب الرياضية، وما ينتج عنها من أحداث عنف وشغب، قد تمتد أحيانا خارج الميادين الرياضية، ميزة أو علامة جديرة بالتأمل والملاحظة، والدراسة والتحليل، بغية استكناه عوالمها واستجلاء تمظهراتها، وفهم وتحليل ميكانيزماتها وسيرورات اشتغالها؛ خاصة أن الأمر أصبح يتعلق بظاهـرة
في طور الخروج عن مألوفيتها ومحدودية ميادينها وتأثيراتها، لتكتسح العديد من الأوساط والمجالات المجتمعية. فصخب الملاعب الرياضية لم يعد فقط مجرد طقس عاد يملأ الفضاء الزمكاني لعطلة نهاية الأسبوع ـ يومي السبت والأحد بالخصوص ـ بل نجد أصداءه وتداعياته تمتد اليوم داخل بحرالأسبوع كله. كما أن الشغب الناتج عن الجمهور، أصبح، يوما عن يوم، يثير اهتمامات الجماهير نفسها واللاعبين والمسيرين، مثلما يثير انشغالات المسؤولين عن السلطة والشرطة وأمن المواطنين. فهل يتعلق الأمر هنا بظاهرة طبيعية ومألوفة في حياتنا اليومية، ظاهرة تستمد بعض أنماطها وأشكالها من ظاهرة الهوليغانز العالمية التي تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر الميلادي بأوروبا وإنجلترا بالخصوص؟،أم أن الأمر يتعلق بظاهرة قديمة في جوهرها وأشكالها، جديدة وعنيفة في مظهرها وامتداداتها المجتمعية؟، مما يتطلب مواجهتها والتصدي لها، لا فقط بالارتكاز على المقاربة الأمنية القمعية الأحادية الفهم والحل، بل بإحلال المقاربة السوسيولوجية التفهمية، الموحية بالعديد من المقترحات والبدائل من أجل تطويق الظاهرة ومحاصرتها على الأقل في حدود مساحاتها الجغرافية المألوفة والعادية، أي داخل الميادين الرياضية، وفي إطار من إشاعة الروح الرياضية التنافسية الراقية، حتى لا تخرج الظاهرة عن مألوفيتها ومحدوديتها وتصبح خارج المجتمع/hors jeu sociale، وبالتالي تغدو ظاهرة عنيفة خارج الضبط والمراقبة، تهدد أمن وحرية الناس والدولة والمجتمع بصفة عامة.

2ـ نبذة تاريخية حول ظاهرة الشغب بالملاعب الرياضية:
نحن أمام ظاهرة قديمة نسبيا، فظاهرة الهوليغانز/HOOLIGANISME، كظاهرة للعنف الملاحظ على هامش ممارسة بعض الرياضات، وخاصة منها رياضة كرة القدم، ظهرت في إنجلترا في نهاية القرن التاسع عشر. وقد استعمل هذا المصطلح منذ 1898 للإشارة إلى اللصوص المتسكعين بمدينة لندن، ليتطور ويشيع استعماله للإشارة إلى الجمهور الرياضي المندفع والمتهور في ملاعب كرة القدم، الجمهور المرتبط بطريقة عمياء بفريق رياضي معين، أو ببعض لاعبي هذا الفريق، والذي يميل إلى استعمال العنف نتيجة إفراطه في الشعور بالهوية المحلية أو الوطنية، وخاصة في فترة الأزمات الاقتصادية والسياسية.. وليست صدفة أن يكون السبب في نشوء هذه الظاهرة، هو الحشود الغفيرة المنحدرة من الطبقة العمالية التي جاءت لمساندة أحد الأندية الرياضية أثناء إحدى مبارايات بطولة كرة القدم الإنجليزية سنة 1880، فكانت الوضعية السيئة والهامشية التي خصصت لهذه الحشود في الملعب، سببا مستفزا لمشاعرها ومؤججا لانفعالاتها التي خرجت عن المألوف وتسببت في أحداث شغب عارمة. وقد تكاثف ظهور هذه الظاهرة في الخمسينيات من القرن الماضي بالملاعب الرياضية الإنجليزية، لتنتشر الظاهرة في باقي دول أوروبا كألمانيا وهولاندا وبلجيكا وإيطاليا واليونان وتركيا، وبل وأيضا في دول أمريكا اللاتينية بعد ذلك. ففي العاصمة ليما بالبيرو، لقي حوالي 320 مشجعا رياضيا مصرعهم، سنة 1967، نتيجة حريـق مهول
اشتعل في الملعب. وفي نفس السنة قتل حوالي 40 شخصا بتركيا، في لقاء محلي لكرة القدم استعمل فيه السلاح الأبيض. وفي إنجلترا، كان سقوط أول ضحية بالميادين الرياضية سنة 1974 ببلاكبول. بيد أن مأساة ملعب هيزل ببروكسيل سنة 1985 تبقى راسخة في الأذهان. فقبل انطلاق المباراة بين فريقي ليفيربول الإنجليزي وجيفونتس الإيطالي برسم نهاية كأس أوروبا، اعتدى المشجعون الإنجليز على المشجعين الإيطاليين، فأسفرت المواجهات حول شبابيك الملعب عن مصرع 39 شخصا من بينهم 37 إيطاليا. وقد كانت هذه الأحداث بداية تراجع ظاهرة الهوليغانز على إثر منع الأندية الرياضية الإنجليزية من المشاركة في مباريات الكؤوس الأوروبية لمدة خمس سنوات، كما أن الشرطة البريطانية ضاعفت من طرق رصدها ومراقبتها للجمهور المشاغب بإحداث ملفات حول المشجعين الأكثر تهورا وعنفا. وقد قادت بعض الأحداث إلى الوقوع في خلط بين العنف الرياضي وظاهرة الحشود، ونسبت خطئا مأساة شيفيلد، التي أودت بحياة 95 شخصا سنة 1989، إلى الهوليغانز، في حين أن هذه المأساة، نتجت عن خطأ فادح في التنظيم، بحيث عمل المسؤولين عن الملعب على إدخال حوالي 4000 متفرج بدون تذاكر إلى مدرج مسيج، مزدحم و بمنافذ صعبة للخروج. وفي سنة 1998، عاشت الجماهير الرياضية حادث الاعتداء الوحشي على دركي، من طرف شاب ألماني على هامش لقاء كأس العالم في مدينة لانس، وهو ما زاد من حدة النقاش حول أمن الملاعب الرياضية، وطرح ضرورة منع استهلاك الكحول واستعمال كاميرات التصوير من طرف الجمهور بمدرجات الملاعب.

3ـ في التشخيص السوسيولوجي للظاهرة:
3ـ1ـ الوقائع والمكونات:
المستوى الأول لفهم ظاهرة العنف الجماهيري بالملاعب الرياضية، هو مادية الوقائع نفسها، فنحن أمام مشاهد شتى من عنف جماعي غير منظم، يتجه بتهور واندفاع قوي نحو الأشخاص ـ سب وقذف وضرب لاعبين، مسيرين، مشجعين، ونحو التجهيزات والممتلكات ـ اقتلاع كراسي المدرجات، تكسير الأبواب والسياجات وزجاج الواجهات والمحلات التجارية والحافلات والسيارات..وغالبا ما يحدث هذا بعد نهاية اللقاء الرياضي، وخروج الجمهور في زحمة شديدة وغليان مرتفع مرتبط بنتيجة المباراة. فنحن هنا نكون أمام ظاهرة سيكوسوسيولوجية فريدة ومعقدة، هي ظاهرة الحشد/ la foulle، كما شخصها وعالجها الباحث غيستاف لوبون/GUSTAVE LE BON في مؤلفه: la psychologie des foulles.puf.paris1963. فالجمهور الرياضي في الغالب، لا يكون جماعة متجانسة ومنظمة ـ فبالأحرى مؤطرة ـ، فهو عبارة عن تجمع جماهيري أو مجموعة بشرية، توجد في وضعية جماعية متميزة عن الجماعة العادية. إن الحشد الرياضي كائن اجتماعي مؤقت ـ وينبغي النظر إليه ومعالجته من هذا المنظور النفسي الاجتماعي الخاص ـ، إنه كائن جماعي مكون من عدة عناصر متنافرة بالنسبة للحظة مؤقتة، هي زمن ما قبل وأثناء وما بعد المباراة، وهــذا الحشد يضخ في ثنايا أفراده، غير المتجانسين طبعا، ما يسميه لوبون بالروح الجماعية، التي تذيب الاختلافات والفوارق العرقية والطبقية واللغوية والمجالية بين الجماهير أو الحشود، مما يجعلها تحس وتفكر وتتصرف بطريقة مختلفة، عما كان عناصرها أو أفرادها يفكرون ويتصرفون به، عندما يكون كل واحد منهم معزولا عن الآخر. وبعبارة أخرى، فإن سيكولوجية الأفراد لوحدهم، تختلف عن سيكولوجتهم وهم منحشرون داخل الحشود الغفيرة. فهنا يشعر الأفراد بكثير من التلقائية والاستقلالية، مما يقودهم إلى التجمع والانصهار في الآخرين، وتشكيل روح جماعية تحت ضغط اللحظة والحدث.

3ـ2ـ الديناميات الداخلية والخارجية:
إن الملاحظة الأولى تجاه الجماهير الرياضية، هي أن هذه الحشود خاضعة لقانون الوحدة الذهنية أو الاتحاد العاطفي والذهني القوي، ومن هنا نجد مشاعر وانفعالات الحشود تعبر عن نفسها بميولها نحو تحقيق الإجماع واتفاق الآراء، فتكون النتيجة في الغالب هي الدوغمائية/ التعصب واللاتسامح، والكراهية والعدوانية تجاه الآخر/ الخصم الرياضي بلاعبيه ومسيريه وجمهوره وممتلكاته. ويمكن أن نستثمر هنا مفهوم الليبيدو في التحليل النفسي، لنقول بأن العلاقات أو الروابط بين الأفراد هنا، تتأسس تحت تأثير النزوات الفردية/ الجماعية، بحيث أن قوة الانصهار والذوبان داخل الحشود، تعود إلى الحب الموحد بين أفرادها، وإلى النزعة العدوانية التي تستشعرها تجاه الجماهير أو الحشود المضادة.
الملاحظة الثانية، هي أن الحشود الرياضية تموضع الأفراد تحت ضغط إكراهات وضربات الانفعالات المفاجئة أو الفجائية، المكثفة والحادة والمغيرة لمسارات اللحظة الفرجوية الجماعية. كما أن هده الحشود، غالبا ما تتبنى في تعبيراتها ما يمكن أن نسميه بالمنطق الفطري البدائي والمتخلف * G,N,FISHER ;les concepts fondamentaux de la psychologie sociale.Dunod.Montreal.1986.p.8. فحسب لوبون، هناك على الأقل سببين رئيسين في تفسير سلوكات الحشود: سبب داخلي يتعلق بالعدوى الذهنية، حيث الانفعالات والآراء تتواصل بين الأفراد وتتضاعف وتتقوى، مما ينتج نوعا من التوالد والتناسل والشيوع لهذه المشاعر الجماعية الواقعة تحت ضغط وإكراه اللحظة الفرجوية الساخنة؛ ثم سبب خارجي، يتعلق بوجود أشخاص قاصرين داخل هذه الحشود، يتجهون بكل عفوية إلى التعبير عن ذواتهم الجماعية بطريقة تتمركز حول الحظوة الشخصية أو الاعتبار الذاتي المميز، للتعبير عن نوع من سلطة الإغواء والجذب والافتتان الساحر، التي تريد أن تطرح طرقا وأساليب جديدة ومتميزة في تعبيرات وعلامات ورموز الحشود الغفيرة. ومن هنا يمكننا أن نفهم طبيعة الشعارات المرفوعة داخل وخارج الميادين الرياضية، وطريقة ترديدها، وكل العلامات المميزة للجمهور، من ألوان وأصوات وإيقاعات، وتقليعات اللباس والحلاقة..وما إلى ذلك.إنها علامات للفت أو لإثارة الانتباه، وكأن هؤلاء الشباب يقولون: نحن هنا.إننا موجودون. أنظروا إلينا..إننا متميزون.. لنا قوة وخطاب ولغة...

3ـ3ـ الأفعال، السلوكات والمسببات:
غالبا ما نكون أمام وقائع وأحداث عنيفة، مرتبطة بأفعال وتصرفات تبدو عفوية غير منظمة، عشوائية وطائشة، صادرة عن شباب ويافعين ومراهقين قاصرين في الغالب الأعم.أفعال عنيفة ومتهورة بدون دلالات في حد ذاتها، أحداث يغيب عنها الخطاب المنظم، لأنها نابعة من وسط متنافر وغير مؤطر، تغيب عنه لغة العقل والحكمة والتبصر، وبالتالي فلا خطاب له في الغالب الأعم إلا خطاب العنف، الذي قد يمتد من السب والقذف إلى الضرب والجرح والإتلاف، مع ترديد شعارات وكلمات نابية عنيفة تجاه الآخر، من لاعبين ومسيرين وشرطة ومشجعين...ومع ذلك، ألا يمكن القول بأن هذه تعبيرات الضواحي الاجتماعية والمجالية المهمشة بالمدن الكبرى؟. إن هذه الأحداث لا نكاد نجدها إلا في ملاعب كرة القدم بمددنا الكبيرة: الدارالبيضاء، والرباط، وفاس ومراكش وأكادير والجديدة..وغيرها. أليست هذه المدن مجالات ترابية منتجة لأشكال عديدة من صعوبات وإكراهات الدخول أو الاندماج في الحياة المجتمعية عامة، خاصة بالنسبة لشباب ومراهقي ضواحي المدن؟ ـ إن أغلب الشغب في الملاعب الرياضية يأتي من الأحياء المهمشة والفقيرة ـ سيدي مومن، البرنوصي، درب السلطان، الحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء، وأحياء يعقوب المنصور، اليوسفية، التقدم، تمارة...بالنسبة للرباط على سبيل المثال. وهو يجعلنا نتساءل ألا يكون شباب هذه الأحياء لا يعبرون عن أنفسهم إلا في الملاعب الرياضية؟ أليست هناك أزمة صمت اجتماعي لدى هؤلاء اليافعين القاصرين، الذين لا يناهز سنهم في الغالب 17 سنة، والذين مع ذلك، نطالبهم بالحس المدني أو المديني، وبالوعي الحضري والحضاري، وبالرشد الرياضي والثقافي وحتى السياسي، دون أن نكلف أنفسنا عناء التفكير والتساؤل عما أنتجته سياساتنا واستراتيجياتنا الحكومية وغير الحكومية على صعيد تربية وتكوين، وإعمار وإعلام، وتثقيف وترفيه هؤلاء الشباب؟.لا شك إذن، أن ظاهرة الشغب الخارج عن حدوده بالملاعب الرياضية، ظاهرة تطرح ـ أو يجب أن تطرح ـ داخل مجتمعنا المغربي المركب، الذي يمور بالعديد من الفوارق الاقتصادية، والتفاوتات المجالية والاجتماعية، والتمايزات المادية والرمزية. إننا نعيش في صلب مجتمع ينتج باستمرار التفاوت الاجتماعي، ويسعى إلى تعميمه من خلال آليات ومؤسسات وعلاقات عديدة، بما فيها المؤسسات المدرسية والجامعية، والصحية والسكنية، والتثقيفية والترفيهية. إن الغالبية العظمى من جماهير أو حشود الشغب بالملاعب الرياضية، تنحدر من الفئات الشعبية القاطنة بالأحياء السكنية الهامشية المحيطة بالمدن الكبرى، أحياء لا شك أن معدلات الفقر والبطالة والأمية، والهدر المدرسي والفشل الدراسي، وعدم الاندماج اللغوي والثقافي والرمزي..معدلات جد مرتفعة داخلها. وبالتالي، فعلينا ونحن نتفرج على أفعال الشغب بالملاعب الرياضية، أن نفكر في ما أعددناه من فضاءات سوسيوجماعية للألفة الشبيبية، من ملاعب وحدائق ومركبات رياضية وترفيهية، وقبل ذلك في ما وفرناه من مساكن بمواصفات معمارية وهندسية وجمالية، تليق بمددنا وبشبابنا، وقبل ذلك، في ما أنتجناه من قيم إنسانية وتضامنية على صعيد نظمنا الأسرية والعائلية، وأنساتقنا التربوية المدرسية والجامعية والمهنية. فقبل أن نتساءل عن درجة الوعي الاجتماعي المدني والسياسي عند هؤلاء المراهقين واليافعين، سواء شاركوا أو لم يشاركوا في عنف الميادين الرياضية، علينا أن نعترف بأن لهؤلاء الشباب تجارب مشتركة، قاسية ومؤلمة ومؤثرة، وأن لهم مشاكل تتعلق بالإقصاء الاجتماعي والاجثتات الثقافي، وبالهدر المدرسي، وعدم التأهيل الجامعي والمهني..،إنها صعوبات الاندماج المجتمعي التي يوجد فيها وعليها شباب ومراهقي وأطفال الطبقات الشعبية، وحتى المتوسطة، بالمجتمع المغربي المزيج والمركب على حد تعبير بول باسكون.إن شغب الملاعب الرياضية، هو تعبير عن غضب الجماهير الرياضية، وعن ردود أفعال احتجاجية كامنة تريد المطالبة بالمساواة المجالية والترابية والاجتماعية والثقافية، ولما لا نقول إنها تعبيرات عن الذات الجماعية في خضم تأزم اقتصادي، وشبه فراغ مؤسساتي وسياسي، ووسط شرود اجتماعي وتيه ثقافي، في غياب وضوح الرؤية المجتمعية عامة/ وصعوبة الاستشراف الإيجابي للمستقبل. إن أطفال ومراهقي وشباب الطبقات الشعبية والمتوسطة المنحدرين من أحزمة الفقر بأطراف المدن الكبرى، تتنامى لديم صورة سلبية عن ذواتهم ووجودهم، إنها صورة تحقير أو تبخيس الذات التي تسكن جزءا لا يستهان منهم، صورة تعبر عن نفسها وسط الحشود الرياضية بالعنف والعدوانية والشغب، وبالتالي فإنها تمارس العنف والاعتداء وهي مجتمعة ومنصهرة، وناقمة ولا تميز بين اليأس والعدمية، فبالأحرى بين التسامح واللاتسامح أو بين الفرجة/ المتعة والفوضى العارمة. إن تخريب الملاعب الرياضية والممتلكات والمؤسسات العمومية، يندرج في سياق التشاجر والتطاحن المحلي، و يدخل ضمن منطق التخريب الذاتي والاقتتال أو الانقتال الذاتي/ الجماعي.إنها تمظهرات عنيفة، مادية ورمزية، ملموسة في خضم مجتمع مغربي، مخترق بصعود قيم اجتماعية وثقافية جديدة ولكنها غير متساوية، قيم مرتبطة بالفردانية ومتصادمة مع مسلسل من التذبذبات والتفككات، والتمزقات والاقتلاعات من الجذور، التي تتعرض لها مختلف أنساقنا الأسرية والمدرسية والثقافية، المغربية الأصلية أو القديمة، عبر جرعات زائدة من قيم العولمة المتوحشة الزاحفة عبر الإعلام والاقتصاد والمؤسسات..لقد لاحظ الباحث السوسيولوجي المغربي الدكتور محمد جسوس أن ما يحدث للمراهقين والشباب يجب أن يطرح في إطار شمولي، يجب أن يطرح لا كمسألة فئوية أو قطاعية، بل كمسألة تهم تحول وانتقال المجتمع ككل..وأن المغرب يمكن وصفه كمجتمع القديم فيه لا يموت بسرعة، والجديد فيه لا يزداد بسرعة، وبالتالي فمن الجوانب الباتولوجية لمرحلة الانتقال والتحول، أنها مرحلة حيرة واضطراب، وإكراهات وانعدام التوازنات، ومرحلة انحرافات، ويأس وخوف، وهذه هي التعبيرات التي نجدها عند شباب اليوم.* محمد جسوس، الشباب وتحولات المجتمع المغربي، ضمن مؤلفه: طروحات حول المسألة الاجتماعية، كتاب الشهر، منشورات الأحداث المغربية، مطبعة دار النشرالمغربية، نونبر2003 ،ص.ص.84ـ85.*
3ـ4ـ الأبعاد،الامتدادات والإجراءات:
قد تكون ظاهرة الحشود الرياضية المشاغبة ببلدنا ظاهرة محددة الزمكان، ومحدودة التأثير والتأثر، بالشكل الذي لا يجعلها تصل إلى درجة ظاهرة الهوليغانز العالمية. وذلك بالنظر إلى حجم تظاهراتنا الرياضية الكروية، الوطنية منها والدولية. لكن، ومن باب التنبؤ والاستباق السوسيولوجي، في محاولة للمساهمة العلمية في تطويق ومعالجة الظاهرة ببلدنا، يمكن القول إن إجراءات سياسية سوسيوثقافية موازية، وأخرى استعجالية، أمنية وتنظيمية بالخصوص، لا بد وأن تتخذ للحد من الظاهرة، والحيلولة دون خروجها عن المألوف وعن مجالها أو مجراها الطبيعي، الذي هو الملاعب الرياضية ومحيطها القصير، حتى لا تتعداه، بالعدوى الجماعية الغاضبة، إلى المحيط الواسع لشوارع وأحياء المدن، مما قد يهدد الأمن الجماعي والسكينة العامة...
إن الحشود الغفيرة للمتفرجين داخل الملاعب الرياضية، بحكم طبيعتها المركبة، المتنافرة، الساخنة والملتبسة، من شأنها أن تنمي سلوكات وتصرفات مضادة، فبانفلات الجماهير الغاضبة أو المشاغبة من مراقبة السلطة المنظمة للمؤسسات، فإن الأمر قد يتحول إلى رفض وتمرد متزايد تجاه التزامات اجتماعية وقيم ثقافية، ضرورية بالنسبة لكل مجتمع يدعي المواطنة والحداثة والديمقراطية. فقد لاحظ أحد الباحثين في ديناميات الوقت الحر بالمغرب، أنه بإمكان الفاعل الاجتماعي بحكم وقته الحر، الذي يساعده على التعبير الحر عن ذاته، بعيدا عن كل مراقبة مؤسساتية، أن ينحرف ويسقط في قيم مضادة للإجتماعي أو متعارضة مع المجتمع. وقد أصبح هذا الاتجاه مقلقا في الأوساط المجاورة للمدن، حيث يخلق فيها النقص الحاصل في التشغيل والسكن ووسائل الترفيه، والبطالة الدورية أو الدائمة، ظروفا مواتية لتفشي مثل هذه القيم المضادة، التي يسيء بواسطتها هذا الفاعل الاجتماعي المنحرف لنفسه، كما يفكك الروابط الاجتماعية في نفس الوقت. فالإدمان على المخدرات..وتناول الكحول..والاعتداءات المتعددة على الممتلكات والأشخاص، كلها مؤشرات تنذر باحتمال حدوث قطيعة اجتماعية تهدد التضامن الضروري لكل مجتمع. لهذا السبب، تفرض مسألة وضع سياسة للوقت الحر ووقت الفراغ نفسها بإلحاح في مغرب اليوم. وكل تهيئة إقليمية لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة الاجتماعية، سوف يكون مآلها الفشل إن على الأمدين المتوسط أو الطويل. ويجب أن تبدأ مثل هذه السياسة باعتماد بنية للتنشيط السوسيوثقافي والرياضي، تسعى إلى التنمية المجتمعية، تلك التنمية التي ستدفع الأفراد والجماعات من جهة، نحو التعبير الحر عن فرديتهم، مع احترام الالتزامات الاجتماعية، وستساعد، من جهة أخرى، على مراقبة وضبط القيم المضادة بكيفية تحفيزية وغير قمعية. * عبد الله الوارثي، الوقت الحر وتحولات المؤسسات الاجتماعية، المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع: تقرير حول الاجتماعي لسنة 2000، منشورات عكاظ، أكتوبر2001.ص.228*.
وفي هذا الإطار، لا بد من التركيز على أهمية ودور الجمعيات المدنية النشيطة في تفعيل بنيات التنشيط الرياضي والثقافي هذه. فبدون شك، أن جمعيات رياضية من قبيل محبي أو مشجعي الأندية الرياضية الوطنية، مدعوة اليوم ،أكثر من أي وقت مضى، إلى
التكثيف من حملات توعية وتأطير منخرطيها وجماهيرها بأهمية ضبط النفس و التحلي بالروح الرياضية العالية أثناء وقبل وبعد المباريات أو اللقاءات الرياضية، مهما كانت النتيجة، مادام منطق الرياضة وكرة القدم بالخصوص هوأنها عبارة عن لعبة فيها الخاسر والرابح. وأن منطق الربح والخسارة موزع بين الجميع، وأن الحظ قد يحالفك اليوم وقد يدير ظهره عليك غدا. و بالتالي، فإن الجميع معني بالنتيجة مهما يكن الأمر. فعلى هذه الجمعيات الرياضية أن تكثف من اللقاءات والندوات التوعوية والتأطيرية والتنظيمية، من أجل بث قيم التسامح والتضامن، والحوار والجوار والتساكن بين الجماهير الرياضية، لتلافي تأجيجها المغرض وانزلاقها و سقوطها في ما لا تحمد عقباه. ولعل أحداثا من قبيل ماعرفه مركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ومركب محمد الخامس بالدار البيضاء بالخصوص، والتي ذهب ضحيتها أطفال ويافعين قاصرين بسبب هيجان حشود المتفرجين، تدعونا إلى التأمل والعمل على تلافي ما قد يخلق من الملمات والويلات للأسر والعائلات المغربية المكلومة، بل والمسارعة إلى إعلان التضامن المادي والمعنوي مع عائلات الضحايا للتخفيف عنهم، وأخذ العبرة من مآسيهم وآلامهم في فقدان أبنائهم وفلذات أكبادهم..واستحضار أن الرياضة والفرجة الرياضية هي أولا وقبل كل شيء، متعة تفريجية ونزهة ترويحية عن النفس، وليست حلبة للصراعات العنيفة الدرامية والدموية أحيانا.
إن مسؤولية الأمن هنا جديرة أيضا بالمناقشة، ذلك أن إجراءات أمنية عادية وغير استثنائية لا تستفز الجماهير الرياضية ولا تثير حفيظتها، أحسن بكثير من حالات الاستنفار القوية الموسومة، في كثير من الأحيان، بمنطق الأوامر المتسرعة الداعية إلى القمع والتدخلات "العنيفة" التي تزيد في الطين بلة، وتفشل في محاولة تجفيف بقع الشغب داخل الحشود الرياضية.( العنف لا يولد إلا العنف المضاد). كما أن اعتماد تقنيات الرصد الخفي عن بعد، باستعمال كاميرات للتسجيل في الأماكن الساخنة، وإعداد جدادات وملفات حول العناصر المشاغبة المترددة باستمرارعلى الملاعب...كلها إجراءات من شأنها محاصرة المد المتزايد للظاهرة.
كما أن مسؤولية الجامعة الوطنية المشرفة على اللعبة تابثة هنا أيضا، بدءا بحث المسؤولين على ضرورة توفير وإصلاح وتجهيز الملاعب الرياضية الكبرى بالخصوص ـ كيف يعقل أن تظل مددنا الكبرى بمركبات يتيمة في وضعية يرثى لها؟ـ للتخفيف من سخط الأندية والجماهير الرياضية على الوضعية المتدهورة لأرضيات اللعب؛ ومرورا بضرورة النهوض بقطاع التحكيم داخل الميادين الرياضية، فكم من حكام أفسدوا اللعبة السليمة، فحولوا بقراراتهم المتحيزة أو الخاطئة، الفرجة الكروية النظيفة إلى فوضى ميدانية عارمة...طالت اللاعبين والمسيرين والحكام أنفسهم، وامتدت خارج الميادين لتأتي على الأخضر واليابس، من حدائق وواجهات عمومية وسيارات وحافلات..
ومن جهة أخرى، لا بد على المسؤولون عن التنظيم، من ضبط طريقة الدخول إلى الملعب وطريقة الخروج منه. فلا ينبغي التحيز لأي كان في بيع التذاكر، ولا ينبغي الإفراط في التشديد أو التساهل مع بعض المجموعات ذات التصرفات الطائشة والخارجة عن اللياقة..كما ينبغي فتح جميع أبواب الملعب ساعة خروج المتفرجــين، لتلافــي
الاكتظاظ المؤدي لوحده، في بعض الأحيان، إلى حالات من الإغماء والسقوط في صفوف الجماهير الرياضية.أضف إلى ذلك أن خلق أو إبداع أساليب جديدة في التأثير على الحشود في الاتجاه الإيجابي المطلوب، مثل بث أو نشر بعض الأغاني الخفيفة أو النوتات الموسيقية الرائعة، وسط الجماهير داخل الملاعب الرياضية باستعمال مكبرات صوت دقيقة، من شأنه أن يشنف أسماع المتفرجين ويطربهم، وبالتالي يزيد من درجة الهدوء والاسترخاء لديهم، ويخفف عنهم من شدة التوترات والتشنجات الناتجة عن المتابعة الدائمة والقلقة لمباراة شديدة الحساسية.
وأخيرا، وليس آخرا، لا بد من التأكيد على دور الإعلام الرياضي في هذا السياق، سواء منه المكتوب أو الإلكتروني، أوالإعلام السمعي البصري.فالإعلام غالبا ما يكون في الواجهة، قبل وأثناء وبعد إجراء بعض المباريات الصعبة و الحاسمة، الشيء الذي يقتضي منه التعامل بروح من المهنية والاحترافية العالية، التي تعطي أهمية قصوى للموضوعية والتوازن والمسؤولية في نقل الخبر والصورة، وفي نشر/وبث الرأي أو التعليق، بعيدا عن كل أشكال التحيز والمحاباة لهذا الفريق أو ذاك، وتجنبا للوقوع في أية استفزازات لمشاعر الجمهور الرياضي، التي من شأنها تأجيج الحشود الرياضية الملتهبة و الدفع بها إلى السقوط في منزلقات خطيرة. إن الإعلام الرياضي فوق هذا وذاك، مدعو هو الآخر أن يخرج من قوقعة وظيفته الإخبارية والتعليقية في الغالب، إلى وظائف أخرى أكثر أهمية في تطوير وتأهيل الحياة الرياضية ببلادنا، والمساهمة في مسلسل التنمية السوسيوجماعية والثقافية بالمغرب، وظائف تتعلق بالتنوير والتوعية والتأطير، في صفوف الجماهير والجمعيات والصحفيين، والمصورين واللاعبين والمسيرين... بالتركيز على أهمية أخلاقيات الرياضة، وعلى أهمية التضامن والتسامح، والحوار وحسن الجوار في المدرجات وداخل الملاعب الرياضية...، ففي ذلك تطوير لممارساتنا الإعلامية والثقافية، وتخليق لجزء أساسي من حياتنا اليومية، وتهديب لشعورنا الجماعي ولحسنا المدني الثقافي والحضري. أوليست الرياضة، في أول الأمر وآخره، مجرد وسيلة أو لعبة، لاختبار إنسيتنا وروحنا الجماعية والحضارية، وإثبات انتسابنا إلى هذه القيم السلمية الإنسانية المشتركة، و المبثوثة بين البشرية على الصعيد الكوني؟.

• باحث في سوسيولوجيا الشباب والإعلام والاتصال.

Enregistrer un commentaire

 
Top