GuidePedia


المرحوم الحاج عمر بوعود، رجل حزب الاستقلال الأول خلال سنوات الرصاص
بقلم: الجيلاني طهير
في غياب أي نشاط فعلي للأحزاب الوطنية، وأمام منعها من المشاركة في الحياة العامة، خلال الفترة المسماة حالة الاستثناء التي دامت زهاء عشر سنوات ابتداء من سنة 1965، تشكل عقل سياسي معارض في أوساط الطلبة الجامعيين، على هامش الأحزاب السياسية، يؤمن بالعنف الثوري من أجل التغيير. أدى هذا الوضع إلى تمكين الشبيبة الماركسية من اكتساح الجامعة فأعلنت عن ميلاد تنظيمها السري "إلى الأمام"، معبرة عن القطيعة مع حزب التحرر والاشتراكية، أي الحزب الشيوعي المغربي سابقا. بداخل هذا التنظيم السري اشتهر عبد اللطيف زروال، وهو شاب مثقف من مواليد مدينة برشيد، كعضو بارز في السكرتارية الوطنية لمنظمة "إلى الأمام"، إلى جانب القادة البارزين للمنظمة، مثل أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي وعبد الله زعزاع.
ولد عبد اللطيف زروال بمدينة برشيد يوم 15 ماي 1951، من أبيه عبد القادر بن زروال بن الجيلالي، مدير مدرسة حرة تحمل اسم " مدرسة النصر"، كانت توجد بجوار حلاق من شباب الحي القصديري دوار الحاج عمرو، اختار لصالونه اسم " حلاق الجماهير". حصل على الشهادة الابتدائية بمدارس برشيد وهو في سن العاشرة، ثم انتقل إلى الدار البيضاء لمتابعة الدراسة بمعهد الأزهر، وبعدها إلى مدينة الرباط حيث حصل على شهادة الباكالوريا بمدرسة محمد الخامس (القسم الداخلي). مما مكنه من دخول كلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط والحصول على شهادة الإجازة في الفلسفة، أهلته للالتحاق بالمدرسة العليا لتكوين الأساتذة التي تخرج منها أستاذا للفلسفة.
خلال دراسته الجامعية تمكن عبد الطيف زروال من تعميق معرفته ودراسته لمؤلفات ماركس ولينين وهيجل. وفي ماي 1972 دخل في السرية وحمل اسمين مستعارين وهما محمود ورشيد، وكتب رسالة إلى والده جاء فيها : " سلم على أمي وعلى أختي التي تركت عندها جنينا لست أدري هل وضعت أم لا ؟ أهو ذكر أم انثى ؟ اعذرني يا والدي العزيز لقد صنعتني ثوريا. كان بودي أن أعمل إلى جانبكم لأساعدكم على الرفع من مستوى عيش الأسرة لكن يا أبي صنعتني ثوريا. أنت الذي صنعتني ثائرا يا أبي …»
يحكى عن عبد الطيف زروال تميزه بالعزم والصرامة والانضباط الذاتي الذي أصبح عنده أمر طبيعي. إذ يصنفه رفاقه ضمن صفوة الماركسيين الأممين أمثال ماتسي تونغ وتشي غيفارا وجورج حبش، وهو القائل: " إن مهمتنا هي الثورة في المغرب لكن دون عزل هذه المهمة عن الثورة العربية والثورة العالمية ". ما لبث عبد اللطيف زروال أن تعرض للاعتقال وذاق التعذيب من طرف الجهات الأمنية التي كانت تحاول انتزاع معلومات بخصوص رفاقه الدين يشكلون خطرا على النظام السياسي بالبلاد. وفي مخفر الشرطة، لفظ أنفاسه بتاريخ 14 نونبر 1974، دون أن يعترف بشيء، ومن ثمة أخرج جثمانه من المستشفى ودفن باسم "البقالي أستاذ للفلسفة".
تنبأ عبد اللطيف زروال بسقوطه مرات عديدة، وعن ذلك يقول رفيق دربه عباس المشتري، شاب مثقف من مواليد أولاد سعيد، أنه ذهب مع عبد اللطيف زروال لطبع منشور بمدينة برشيد، فقام زروال بوضع نسخة من المنشور فوق لوحة خبز يحملها على رأسه طفل صغير يتوجه نحو فرن الحي. وبينما هما في الطريق باتجاه المحطة لركوب سيارة الأجرة والعودة إلى مدينة الدار البيضاء، لفت انتباههما أن الطفل الصغير يسير خلفهما ويتتبع خطواتهما فقال عبد اللطيف زروال: " ياله من اعتقال بليد"، مقلدا بهذه الجملة الزعيم البولشيفي لينين الذي قال وهو على وشك السقوط بفنلندة بسبب دوبان الثلوج: " يالها من موتة بليدة " . ومن جهتها نشرت مجلة "أقلام" في عدد ماي 1972 قصيدة لعبد اللطيف زروال بعنوان "عن الحب والموت" يقول في أحد مقاطعها:
ها أندا أسقط في الساحة
أحمل قلبي وردة حمراء، تنزف دما
ها أندا عريان، أزحف فوق القتلى
والم أطرافي ... كي أمسك بالراية الممزقة
وأنفخ بدمي في رماد الشرارة المحترقة
ها أندا أدفع الضريبة، فلتباركي موتي يا حبيبة.

بات المد الماركسي يهدد المعتقد الاسلامي في المغرب البلد الإسلامي، ومن أجل تطويقه، وفي إطار الوحدة المغربية من أجل استرجاع الصحراء المغربية، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن نهاية حالة الاستثناء والسماح للأحزاب السياسية بالمشاركة في الحياة العامة، فكان ميلاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي عقد مؤتمره الاستثنائي سنة 1975، متبنيا خط المعارضة البناءة والنضال الديموقراطي كطريق لممارسة السلطة بالبلاد. وفي غياب أية إيديولوجية رسمية معلنة، ترك الحزب المجال مفتوحا لاجتهاد المنظرين يدلو كل بدلوه، والسباحة مباحة في بحر التناقضات، من التيار العروبي الاسلاموي الذي يعبر عنه محمد العابد الجابري إلى التيار الماركسي الفرانكفوني الذي يمثله عبد الله العروي. فبرز اسم عمر بن جلون كقائد منظر في الفكر الماركسي بداخل الحقل الاعلامي للحزب.
في يوم 18 دجنبر من 1975، وعلى الساعة الرابعة والنصف زوالا، خرج عمر بن جلون من بيته متوجها إلى سيارته بأحد شوارع مدينة الدار البيضاء فتربص به الشاب أحمد سعد صحبة شخص آخر وهما يريدان " النصيحة والنهي عما كان ينشره في جريدة المحرر من أشياء يعتبرانها مخالفة للشريعة الإسلامية"، حسب زعمهما. غير أن الأمور تطورت بشكل تراجيدي لما طعنه أحد المعتدين بقطعة حديدية على رأسه والثاني بخنجر، مباشرة فارق على إثرهما الحياة.
أثناء إقامته ببرشيد حيث كان يتابع دراسته بثانوية برشيد المختلطة، كان أحمد سعد، الشاب اليتيم، يعيش مع أمه وإخوته بالدرب الجديد ويتلقى في نفس الوقت الدعم من الجمعية الخيرية الاسلامية ببرشيد. عرفناه شابا مستقيما وخلوقا، يتمتع بقوة البنية، لا يدخن ولا يحتسي الخمر، ليس في مخه غير حب كرة القدم التي يلعبها حافي القدمين، وهو الشاب العاشق لفريق النهضة السطاتية لدرجة الجنون. ولما حط الرحال بمدينة الدار البيضاء عند خاله والاشتغال كإسكافي بدرب السلطان، لعدم تمكنه من متابعة التعليم الثانوي، تم استقطابه لصفوف "الشبيبة الإسلامية"، وهي منظمة دينية أصولية، وبين عشية وضحاها وجد نفسه متورطا في قضية سياسية كبيرة، وهي اغتيال شخصية يسارية بارزة. تضاربت المواقف الحقوقية بخصوص إضفاء صفة معتقل سياسي على "سيدي أحمد" الذي حكم عليه بالإعدام المخفض للسجن المؤبد. فبينما ظلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تعتبره متابعا في قضية الحق العام، كان التجمع الوطني من أجل كرامة الإنسان يعتبره معتقلا سياسيا، إلى أن صدر في حقه العفو الملكي بتاريخ 17 يناير 2004.
يعتبر التطرف اليميني لأحمد سعد والتطرف اليساري المناهض لقضية الصحراء لعبد اللطيف زروال من الحالات الشاذة التي تتحرك في دائرة خارجية مغلقة، ومن غير تأثير على شباب مدينة برشيد. إن أحد المشتبه في انتمائه لمنظمة " إلى الأمام" وهو أحمد بن موسى، تلميذ بثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء، تم اعتقاله بمنزله بالدرب الجديد، بينما والده الحاج آمحمد أثناء الصلاة ببيته، وأخلي سبيله بعد التحقيق. وكذلك اعتقل استاذنا لمادة الفلسفة بقسم الباكلوريا بثانوية بن عباد بسطات، الأستاذ هديبي الشرقي، مجند مدني من مواليد الفقيه بنصالح، مدير المركز الجهوي لتكوين الأساتذة بمدينة الجديدة لاحقا، وأخلي سبيله بعد التحقيق. ومن المؤكد أن الوسطية وعدم تباعد الأفكار، لدى شباب برشيد الراغبين في المساهمة في الشأن العام المحلي هي ما يفسر ظاهرة ترحال المرشحين للانتخابات الجماعية، في الاتجاهين بين الاتحاد الاشتراكي والحزب الوطني الديموقراطي خلال مرحلتي السبعينات والثمانينات، وبين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي خلال المراحل التالية. ما الفرق أن يكون المرشح عيسى دمكال مرة يمينيا مع حزب الاستقلال ومرة أخرى يساريا مع الاتحاد الاشتراكي، وعمور الحواتي وعبد الرزاق العثماني مرشحين يسارين مع الاتحاد الاشتراكي قبل انتقالهما لحزب الاستقلال؟ إن الاعتدال هو سر الترحال، و"أرض الله واسعة"، قالها عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب العام السابق لحزب القوات الشعبية، بعد مرور سنين طويلة عن هجرة المنتخبين الاتحاديين نحو الحزب الوطني الديموقراطي. أحل لكم اليوم ما حرم عليكم البارحة.
قبيل تدشين المسلسل الديموقراطي بفترة وجيزة، انطلقت أفواج المشاركين في المسيرة الخضراء لتحرير الأقاليم الصحراوية المغتصبة، تلبية لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، فشاركت مدينة برشيد في " المسيرة الخضراء" بفوج يضم خمسين متطوعا، منهم خمسة وعشرون شابة تؤطرهن أمينة بوخال، وخمسة وعشرين شابا يؤطرهم عبد الطيف كنزي، يضم خيرة من أبناء برشيد، وعلى رأسهم اسمعلي نور الدين ( ديدين)، غفور قاضي، خالد فرحات، محمد حبشي (بعيز)، المرحوم حميد ولد الواسطية، عبد الرزاق فحصي، عمر الصبار زوج أخت أحمد سعد، الخ. وفي ظل القطيعة مع سنوات الرصاص، قامت التشكيلات السياسية المغربية بتنظيم صفوفها وتنصيب الأجهزة المسيرة لفروعها. كانت كلمة " السياسة" لوحدها تشكل خطرا على الناطق بها، لا يستطيع أي مخلوق الجهر بها، اللهم إلا الجهابذة وبعض الأساتذة والطلبة وتلاميذ السلك الثاني. وها هو حزب الاستقلال الذي كان قرر التخلي عن أحد مقراته بالقيسارية بسبب عجزه عن تسديد واجبات الكراء المتراكمة عليه، ينتفض على يد عمر بن بريك بوعود، الرجل الأول للحزب خلال سنوات الرصاص. من الدلائل على انفتاح هذا الرجل الوطني أن أحد أبنائه وهو عبد المولى بوعود، كان يحاول خلال سنوات تكميم الأفواه كسر الجمود السياسي ببرشيد، بواسطة مقالات ينشرها بجريدة " العلم"، لسان حال حزب الاستقلال، وكان هو أول مراسل صحفي لهذه الجريدة ببرشيد، بينما التحق أخوه محمد بوعود، خريج كلية الحقوق بالدار البيضاء، بصفوف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فور تأسيسه، وتطوع للنيابة عن سعد الله صالح، مرشح الحزب في الانتخابات البرلمانية لسنة 1977، بأحد مكاتب التصويت ببادية أولاد آمحمد. وهي السنة التي حطت فيها طائرة هليكوبتير بملعب التنس بالدرب الجديد، وعلى متنها وزير الداخلية ادريس البصري، ضيفا عند صهره رئيس دائرة برشيدـ، ادريس العموني. في الوقت الذي كانت فيه مدينة برشيد لا تزال تنقل مياهها العادمة من البيوت بواسطة صهريج منتصب فوق عجلات، يجره بغل يأويه حارس المحجز البلدي "بابا علي".
لقد تشكل خلال تلك الفترة حزب جديد، على أنقاض حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تحت مسمى " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية"، بزعامة محمد بوعبيد، أحد أصدقاء الدراسة بالمرحلة الابتدائية بمدارس برشيد. وحين الإعلان عن خوض الانتخابات الجماعية بدا واضحا من خلال مواصفات مرشحي حزب الاستقلال الذين عايشوا مرحلة الكفاح الوطني بأن هذا الحزب يعيش حالة انزلاق نحو الشيخوخة وأن آلته الانتخابية القديمة قد أصابها الصدأ والتآكل. ففي الدائرة الانتخابية الدرب الجديد مثلا، حضر عضو المجلس البلدي القديم عن حزب الاستقلال، عبد القادر بكري من مكان بعيد، لمؤازرة مرشح الحزب عبد المجيد الطرفاوي، فلم يتعرف عليه شباب الحي، على الرغم من المواقف التاريخية المشرفة التي أبان عنها، وهو الذي فضل النفي الاختياري خارج برشيد للإبقاء على طهارته السياسية، بدل تلطيخ السمعة وبيع الحزب الذي ينتمي إليه، مقابل وظيفة مرموقة ومبلغ مالي محترم كما فعل غيره. حيث أن أحد الشباب المناصرين للمرشح الاتحادي، وهو الأخ أحمد العماري، حال بينه وبين وضع الملصق الدعائي للمرشح الاستقلالي عبد المجيد الطرفاوي على جدران فرن الحي، فقابله البكري بابتسامة هادئة مليئة بالعبر.
أمام الحضور القوي لحزب الاتحاد الاشتراكي في أواسط الشباب، والذي رشح أشخاصا حديثي السن، أدرك الجميع أن الشخصيات التقليدية المرشحة للانتخابات بصفتها من المحايدين، رغم ما لهل من سمعة طيبة، قد تجاوزها الزمن، ولم يعد لها أي تأثير معنوي على الجيل الجديد، مثل: خليفة جمال الدين، عبد القادر زروال، أمال الحاج الحسين، محمد سيمو، فضلي أحمد المعروفي، براهيم باموس، موحدي بوشعيب، عبد السلام الهواري، الحاج عبد القادر الخزاني، الخ.
وبمناسبة الحملة الانتحابية تم تنظيم مهرجان خطابي من طرف حزب القوات الشعبية بالملعلب البلدي حضره أحمد الحليمي واليازغي وآخرون، وخطب فيه سعد الله صالح، أحد رموز الاتحاد الوطني السابقين ببرشيد، فنطق بالجملة الشهيرة: "تشرئب له الأعناق"، للدلالة على الجموع الغفيرة الحاضرة، ولم ينتبه للقول أحد، بسبب التأثير المنغاطيسي للقادة على الحاضرين، باستثناء الأخ بوشعيب بلمقدم، وكان لا يتأثر بكل ما يقال، لأنه قهقه ضاحكا وظل يردد الجملة فيما بيننا لمدة طويلة. أثناء ختم المهرجان، حاول أحد المرشحين المدعمين من طرف السلطة، وهو الأستاذ حسن الوزاني، الاقتراب للسلام على أحمد الحليمي بهدف التشويش على الحملة الانتخابية، لكن الأخير فطن له، وتفاداه ولم يحصل اللقاء.
خلال الحملة الانتخابية أيضا، تحدثت جريدة المحرر عن "ظهور شخصية مرموقة على مسرح الأحداث ببرشيد أخذت تتحرك للحصول على كرسي الرئاسة معلنة عن فتح التسجيل لمن يرغب في الحصول على عمل بمصنع تريد بناءه". وقبيل أيام من تاريخ الاقتراع، أعلن المرشح الاتحادي عبد القادر نيوف فجأة عن انسحابه من الحلبة بدوار الحاج عمرو، لفائدة منافسه المحايد عبد الله القادري. وبدائرة مدام تيتي، تزعم خالد المكي، مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي الحملة الانتخابية لصديقه المرشح المحايد محمد الحطاب خليفة، في مواجهة رفيقه بحزب الاتحاد الاشتراكي محمد بن الشهباء. لم يكن خالد المكي عضوا في مكتب الاتحاد الاشتراكي الذي يرأسه محمد بوعبيد، ولكنه سيصبح كذلك عند تجديد المكتب برئاسة محمد طربوز.
أسفر فرز الأصوات عن تمكن بعض مرشحي الاتحاد الاشتراكي من الفوز بسهولة على منافسيهم المباشرين من "المحايدين" بما يعادل أو يفوق نصف الأصوات المعبر عنها، وعلى رأس هؤلاء: حمو بلمقدم ، اسمعلي بوشعيب، بدري محمد، تاكاديرت عبد الكريم، ، الحلوي لحسن، بوركبة محمد. ولأن حزب الاتحاد الاشتراكي كان يركز على هزم عبد الله القادري بدوار الحاج عمرو كي لا يصل لسدة الرئاسة وفوجىء بانسحاب مرشحه من السباق، فإنه قدم الدعم للمرشح المحايد محمد بن الشايب المباركي، صاحب متجر صغير بالدوار، فجاءت النتيجة لصالح اعبد الله القادري ب 81 صوتا مقابل 51 صوتا لمحمد الشايب و08 أصوات فقط للمرشح الرسمي للحزب عبد القادر نيوف الحجاجي، صوتت له أسرته وجيرانه، مما يفسر أن هذا الرجل تعرض لضغوطات ولم يلعب اللعبة القدرة. وجاءت نتائج الفرز جد متقاربة بين بعض المتنافسين مثل المرشح "المحايد" مصطفى الحسيني الذي تقدم على المرشح الاتحادي الحاج بادل (ولد غزالة) بصوت واحد فقط: 54 ضد 53 صوتا، والمرشح "المحايد" محمد بلخدير الذي تقدم على المرشح الاتحادي العربي الحريري (ولد مسعود) بصوتين: 81 مقابل 79 صوتا. فيما انهزم المرشح الاتحادي محمد بوعبيد (بوشعيب ولد الهبطي) الكاتب العام للفرع المحلي بفارق مهول أمام المحايد حسن الوزاني: 60 مقابل 121 صوتا بثقل المال. وكان من أبرز الشباب الراسبين بصفتهم محايدين: المعطي لطفي (حروش) ومحمد بن الشيب، الرئيس الحالي للمجلس البلدي باسم حزب الاستقلال.
ومن جهة أخرى، لم يحالف النجاح المرشحين المتمرسين والذين سبق لهم رفع راية الكفاح الوطني من أجل استقلال البلاد، وعلى رأسهم عمرو بوعود، محمد عراف، محمد بلمكي خدام، عبد القادر الادريسي (الدجايجي). فقد خسر المرشح عمرو بوعود مقعده الانتخابي أمام منافسه الثري "المحايد" محمد بن ربيعة، حيث جاء في المرتبة الثانية، والمرشح الاتحادي خالد المكي في المرتبة الثالثة. ولما كان رفاقه بالحزب يحاولون إثارة غضبه بالقول أنه خسر الانتخابات، كان يجيبهم مازحا على الطريقة الاستقلالية القديمة: " أنا الرابح، شوفو ولد ربيعة شحال جاب من صوت، وشحال خسر عليها ديال الملايين. وشوفو شحال جبت من صوت وما خسرت حتى فرنك، وصرفو ليا أصواتي فلوس، وشوفو شحال ربحت وشحال ولد ربيعة خسر " (رواه المرحوم عبد القار البكري). شتان بين استقلاليي الأمس والحاضر، وكأنه الفرق بين النضال من أجل الاستقلال وتكديس المال من أجل الاستغلال. حكى لي المرحوم الحاج عبد القادر البكري وكان أجرى عملية جراحية لعينية، فقال: " إن الطبيب الذي أجرى لي العملية الجراحية ليس غير ابن السي الحبيب، كاتب فرع حزب الاستقلال ببرشيد خلال فترة الستينات. قال له والده وأنا بين يديه في غرفة العمليات: هذا هو والدك، اعتبره والدك، واشتغل الله يرضي عليك وكأنك تعالج والدك". إنهم هكدا رجال حزب الاستقلال الدين أحببناهم لأننا احترمناهم بصدق. ورحم الله الفقيد عمرو بوعود، هذا الرجل أيضا لم تفارقه مسحة المرح حتى وهو في لحظة الوداع الأخير. فبينما كان على فراش الموت، لا يقوى على الحراك، أحس بلمسات ابنه الأكبر وهو يدلك له رجليه، فاستفاق وقال وله مبتسما: " ماذا تفعل يا ولدي، هل تريد أن تطرد الموت؟ ". لقد مات حزب الاستقلال بموت أهله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالعودة إلى الأجواء الانتخابية، فقد فاجأ المد الاتحادي باشا المدينة محمد برشيد الذي كان يتوقع فوز "المحايدين"، فسلط جام غضبه على المقدم السي الهاشمي، وقال له: " دوي يا بلغة الشيطان، سولتك آش ظهر لك، وقلت لي هادوك عا دراري". وأكيد أن الباشا كان لا يعلم أن الشاب محمد هشام ابن المقدم السي الهاشمي، (شيخ متقاعد حاليا) كان يشارك أقرانه في الحملة الانتخابية لفائدة مرشحي الاتحاد الاشتراكي الدين أحكموا سيطرتهم على دوار الحاج عمرو. ولعلها كانت أحد الأسباب التي أدت إلى نقل محمد برشيد إلى باشوية مدينة أزمور وهو غير راض عن الشغل بهذه المدينة. هناك، زاره في بيته وفد من دوار أولاد علال، ممن كانوا يبيعون التبن في الأسواق، ليباركوا له التعيين الجديد، فقال لهم: " ادعيو ليا مع جدكم يهزني من هنا".
في ظل حكم الباشا محمد برشيد تم التلاعب بنتائج الانتخابات لفائدة " المحايدين"، وذكرت جريدة المحرر الناطقة بلسان حزب الاتحاد الاشتراكي بأن مرشح الحزب محمد بدري حصل على 12 صوتا التي تؤهله للرئاسة وبأن الفائزين الاتحاديين وجهوا برقيات احتجاج للدوائر العليا وقدموا طعنا قضائيا في المكتب المفروض من طرف الإدارة. وبعد أيام قليلة فوجئ الرأي العام المحلي بتنازل عدد من المنتخبين الاتحاديين عن الطعن القضائي، وقاموا بتوجيه رسالة احتجاج إلى مدير جريدة "المحرر" يطالبونه بكف حملاته ضد تكوين مكتب المجلس البلدي، مدعين أنهم لم يجدوا بينهم رجلا يتوفر مواصفاة الزعامة، فاختاروا السيد عبد الله القادري رئيسا لهم، لانهم يرونه هو اللائق لبرشيد. وكان المجلس البلدي يتكون مما يلي:
أ. رئيس المجلس: عبد الله القادري (محايد)
ب. النواب: خليفة محمد(محايد)، السالمية مصطفى (الاستقلال)، فهمي الحاج أحمد (محايد)، بلمراكشي عبد القادر(محايد).
ث. المقرر والكاتب: تاكاديرت عبد الكريم، عبد القادر بنقدور (ا.ش.ق.ش).
ج. المستشارون: حسن الوزاني، محد بلخدير، محمد حسيني، محمد بنربيعة، أحمد فتيتة، خطيب ادريس (محايدين) حم بلمقدم، محمد بدري، محمد بوركبة، علي الطويسي، لحسن الحلوي، العربي عامري، بوشعيب اسمعلي، أحمد كمالي، الجيلالي قديري، الحطاب العباسي (ا.ش.ق.ش).ا.ش.ق.ش).

ومن خلال تتبع مواقف المنتخبين تجاه التصويت على الحساب الإداري لسنة 1979، يمكن أخد فكرة عن حالة عدم الانضباط السائدة آنذاك في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي بداخل المجلس البلدي:
1. المصوتون بنعم: محمد بوركبة، خطيب ادريس، قديري الجيلالي، الطويسي علي، عبد القادر بنقدور، عبد الكريم تاكاديرت، العامري العربي، أحمد كمالي، أحمد فتيتة، عبد القادر بلمراكشي، أحمد فهمي، بوشعيب اسمعلي. (08 اتحاديين و04 محايدين).
2. الممتنعون عن التصويت: مصطفى بن السالمية، الحلوي لحسن، حسن الوزاني (01 استقلالي، 01 اتحادي، 01 محايد).
3. المتغيبون: محمد بن ربيعة ، محمد خليفة ، محمد بلخدير ، والحسيني محمد (04 محايدون).
4. المصوتون بلا: حمو بلمقدم، محمد بدري، والحطاب العباسي (03 اتحاديين).
قال لي الحطاب العباسي شاكيا عن تلك الفترة: " أذهب إلى البلدية وأجد أصحاب القادري يتحدثون، وعندما يروني يسكتون، وكانوا يقولون: " هذا معانا، وداك معاهم". والنزاهة تقتضي منا القول، أن الكثير من الاتحاديين كانوا ولا يزالون أيضا يعاملون الغير بمثل هذه الطريقة، وهم في تخيلاتهم يعتقدون أن كل من ابتعد قليلا عن دائرة الفقر وأصبح يأكل جيدا، فهو ليس منهم، وبالتالي من الفاسدين.
يا لها من مفارقات عجيبة في تاريخ الاتحاد الاشتراكي الحديث: لقد قامت الدنيا ولم تقعد من أجل منع الحطاب العباسي من الترشح في انتخابات الثمانيات بدعوى أنه من أتباع الرئيس عبد الله القادري، فأجبر الرجل على الترشح بصفته محايدا، وفاز بفضل شعبيته الشخصية ولم يتخل أبدا عن حزبه الاتحاد الاشتراكي. وفي بداية التسعينات، جاء الحكم بالإعدام السياسي على حمو بلمقدم، من طرف أولاد الدرب الجديد اشتكوه، ولمن؟؟! فاعتزل الرجل الشأن العام، ولم يتخل عن انتمائه لحزب الاتحاد الاشتراكي. ثم بعد ذلك، وربما قبله، بدأ التقزيم الممنهج لمحمد بدري بداخل المجلس البلدي الاتحادي، فاضطر هذا الرجل الذي نعتبره الأكثر نقاء ونزاهة في الوسط ااتحادي إلى الاعتزال، وقبله كان العبور لحزب المؤتمر الوطني المنشق عن الاتحاد الاشتراكي، سنة 2003.
يتبع ...
.

Enregistrer un commentaire

 
Top