GuidePedia


بقلم: الجيلالي طهير
لم تكن برشيد في عيون أبنائها لتشبه أي بلدة في العالم، وهم الدين كانوا عليها أشد غيرة من السلطات العمومية، يحبونها حتى الثمالة، منذ أن كانت، وكيفما كانت، وستكون، لا يرضون عنها بديلا. فعلى الرغم من انتمائهم لأحياء مختلفة، إلا أن انتماءهم لبلدتهم الصغيرة كان الأقوى. تجد الشباب يتنافسون في كرة القدم، وعند الأوقات الحرجة يتناسون الخصومات العابرة ويتطوعون للدفاع عن كرامة بلدتهم وأهلهم جميعا. واليوم، لم يعد ثمة حراس كرامة. قدماء أولاد برشيد مسخوا، استسلموا للمال اللعين، شيطان المدينة. أكثر ما يحزنني سماع البعض يتباهون بحفلات التكريم، موضة العصر، في كل وقت وحين. سادتي الكرام، وبكل احترام، عن أي تكريم تتحدثون ومدينتكم أصلا فاقدة الكرامة؟ سيغضبون من الكلام المباح، ومن هم بدون قيساريتهم حتى يغضبون؟ سقطت ولا يسألون، وتستغيث فلا يجيرون، ثم أدخلناها جميعا في متاهات التناسي والنسيان، وغدا عليهم سيصوتون.
ها هي اللعنة المزدوجة تنزل، صبا صبا، على العاصمة الأبدية للمجانين: لعنة الديموغرافية ولعنة الديموقراطية. الأولى عرتها من سكانها البسطاء لآخرين اكتشفوها صدفة في بيع السطوح وأصوات الناخبين؛ والثانية، أودت بحكام وجاءت بآخرين، لا فرق كبير بينهم، وهم الأقرب جميعا إلى المنجمين العقاريين منهم إلى السياسيين المبدعين. فلا غرابة أن تجد أبرز نقطة سوداء لتجميع القمامة، تثير انتباه المارة بروائح البول الكريهة، تلك التي أمام المركز التجاري لرئيس المجلس البلدي. ويقولون، النظافة من الإيمان.
أنا عبد الله الجيلالياه، بما تبقى له من قواه العقلية، أراهم يتصرفون مثل البوم والغربان. طيور تحجر في الخراب ولا تعشش، وأخرى بدون أوكار ثابتة على الدوام، تكون حيث الفريسة تكون. وهل الرأسمال المتوحش كان له يوم وطن؟ كلما طال الهدم بناية بعبق التاريخ، أحس بوجع الألم، وأبحث عن العزاء في كلمات الشاعر الفيلسوف، عبدالله زريقة:
" حتى ولو ذهبنا لغير رجعة
حتى لو ذهبنا كلنا
نحن ضحايا الحجر
هناك أطفال لم يولدوا بعد
سيمرون من هذا المكان".

إلى جانب الدور التجاري الموكول للقيسارية، كانت بحكم موقعها المتميز، بمثابة بورصة لتداول الأخبار، ومركز لقاء وتلاقي، يختلط فيها صوت المذ كوري الدلال بصوت الحمداوي البراح. يقصدها بعض سكان البوادي لاقتناء "العشبة" التي يخاطر ببيعها شبان الدرانة، وهم بناصر والمخيطير والعيرج والكوشي؛ وآخرون يلجئون إليها للترويح عن النفس بالتفرج على مباريات الملاكمة التي يديرها الطنجاوي؛ و"طروح الضامة" التي تجمع الحاج الحريزي، ومحمد بلحطاب خليفة، و الكلاكش بو النواقص؛ والحلقة المخصصة للأزلية التي يرويها الصحصاح (الحكواتي)، أو للتنكيت الذي يرتجله الحسناوي، واخليفة، وبوغطاط، الخ.
شكلت القيسارية الملاذ الآمن للمجانيين المسالمين والمتسولين. ففي أزقتها كان يتجول عنتر، وقونوفو، ولمعيطيطي، واحميدة، وعلي الشيكي، ولوبيز، وعبد الرحمان، ووكال الفيران، الخ. وفي زواياها ومقاهيها الشعبية كان يرابط عبد القادر الظالمين، وسيد الحاج، والصحراوي بوقلة، وجمي، والهبطي، واسمهان، والفقرية، والعونية، وبويكرا، وبري، وشيبوب، ورويسة، والتبيصر، واللباق، والهادي بنعيسى، وسويليكا، واشقيفة، والحجوي، وفيشفيشا، والسي محمد الفكاك الملقب ب " بلعكدة". الخ.
كان السي بوشعيب فيشفيشا، والله أدرى بحال الفقراء والمساكين، شاب في عمر العشرين، يتكبط معطف المحاربين، يخفي تحته السويطة، ( قنينة كحول الحريق)، ويمشي متمايلا، لإصابته في إحدى رجليه. كنت أتفرج عليه وهو ينزل بحفرة في ساحة القيسارية، يرمي فيها الخضارة الطماطم الفاسدة، ويطلع منها بدجاجتين، يحتار في أيهما يختار، فيمسك الأولي بيمناه والثانية بيسراه، ويقول: " هادي اثقل من هادي". وفي طريقه نحو مقر سكناه، كان يبتسم في وجهي، بعيون سوادوية تلمع، ويقول: " لا باس آولد السي بوبكر".
اختار السي بوشعيب عنوانا له حفرة بجوار مقبرة سيدي زاكور. هناك ، مع صمت الأموات، كان يزرد في عزلته على الدجاجة الميتة يشويها، والكحول الممزوج باللبن يحتسيه. في أحد الليالي، استسلم المسكين للنوم وترك الشمعة مشتعلة بجانب قنينة الكحول. وفي صباح الغد، عثر عليه جثة مشوية، والله أعلم.
ما الفرق لو مات المستضعف مشويا، أو بسكتة قلبية وهو يبيع البرتقال؟ يحترموننا، هو الأهم. الأول كان يكبرني سنا، لا أعرفه، ومع ذلك يقول لي: " لا باس آولد السي بوبكر". والثاني، من جيل آخر، لا أعرفه ومع ذلك يقول لي: " آش خصك استاذ ؟". يرحمهم الله.
.

Enregistrer un commentaire

 
Top