GuidePedia



المرحوم بلقرقافي من الرعيل الأول لحزب الاستقلال (م .البرشيدي)
بقلم: الجيلالي طهير
تحيل تسمية أولاد حريز في ذهنية البعض إلى الجد الحقيقي أو الوهمي، التائه في أدغال التاريخ، والدي لم يهتد إلى مدفنه أحد. إن المعنيين بالتسمية لا ينسبون أنفسهم إلى رجل عادي ولا يحفلون بالانتساب للرجال العاديين، مع أن التفاخر بالألقاب والأنساب مسألة فيها نظر، قد تكون صادمة وغير متوقعة، لأن أصل الهجرة الجفاف. يروي صاحب كتاب "الأغاني" عن الشاعر جرير كونه قال أجمل الشعر مفتخرا بأبيه، فقهر فحول الشعراء، حيث أضاف إليه من الخصال والأخلاق ما لم يكن يتوفر عليه. ولما ظن الناس أن أباه يساوي العظمة، أخرجه إليهم من تحت الخباء وهو يرضع معزة. " قال أتدري لما كان يشرب من ضرع العنز؟ قال لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب ويطلب منه لبن". والآن، أو ليست مظاهر الحاضر، ومنها الجوع الذي يملأ قلوب أثرياء القرن، برهانا على الماضي المنسي؟
وأما بالنسبة لأهل لحباشة وغيرهم كثير، فأولاد حريز هي أرض الترس، السلطانة الكريمة. والتسمية تعني لهم الموضع الذي نزلوا به، فهي الأرض والتراب، والسماء والمطر؛ يتشرفون بالأرض وهي تتشرف بهم، أعطتهم القيمة ومنحوها القيمة المضافة، تماما مثل العلاقة الحميمية التي تربط الفارس النبيل وفرسه المقدام.
" من الذي أستطيع أن أفعله؟
لأخفف عنك وجع الهزيمة
ومرارة السقوط عن العرش
أيتها السلطانة التي فقدت سلطانها
ما الذي أستطيع أن أفعله؟
لأحررك من مركبات العظمة الفارغة
عشقي لك بدائيا، همجيا، انتحاريا
كما كان... في سالف الأزمان". (نزار قباني)

عند هؤلاء المستعربين، كان التباهي بالفحولة وتعدد النسوة هو القاعدة. كانوا يكاشون الزيجة البيضاء صيفا والضرة السوداء شتاء، لكن قلما تجد في ذريتهم رجلا أسودا داع صيته واشتهر بين الناس، إن لم يكن هو إدريس بلغزواني، أحد الأغنياء بدوار أولاد سعيد أمحمدـ ، أو رئيس مجلس المستشارين السابق. ومن الطرائف، أنه خلال أول انتخابات جماعية أجريت بالمغرب بعيد الاستقلال، عزم رجل ذو بشرة سوداء على الترشح بإحدى الدوائر الانتخابية بجاقمة لحباشة، لكن المرشح للرئاسة، الاستقلالي محمد ولد الحاج العربي الحكيم، طارده وطرده.
لا نتوفر على قائمة أعضاء المجلس القروي لجماعة جاقمة المنتخب سنة 1961؛ وكل من طرحنا عليهم السؤال كانوا يختفون وراء ستارة النسيان؛ وحتى رئيس المجلس الحاج محمد حكيم قال لنا أنه نسي أسماء الأعضاء الدين انتخبوه. تم تقسيم تراب الجماعة ل 11 دائرة وهي: كمكم، لحداية، الزواتنة، عبارة، كريز، أولاد سعيد امحمد، التشايش، اجدد،أولاد مومن، لبصاصلة، الشواتي. ولا نعتقد بأن تركيبة هذا المجلس تختلف كثيرا عن تركيبة المجالس التي أعقبته. إنه بكل بساطة مجلس الأعيان الدين احتواهم حزب الاستقلال، بعد استصداره لقانون يمنع ترشيح قدماء الشيوخ والمقدمين المبعدين من السلطة. إن أعيان أولاد حريز، ومن غير استثناء، كانوا يحظون بالاحترام الشديد، وما كان أحد ليتجرأ على القفز عليهم وهم في معاقلهم الحصينة. وفقط لم تكن لهم أحلام في السياسة التي عندهم الوسيلة وليست الغاية. فهم بطبعهم يتميزون بالتعالي، يهادنون ولا يخضعون. زد على ذلك، أن بيئة أولاد حريز القديمة ليست ثقافية، أو قوية الثقافة، ورجالها لم يكن لديهم تعلق بالسياسة والآداب، بقدر ما كان لهم من شغف في تكديس الأموال، وتبديدها في ما لذ وطاب من فنون الأكل والشراب والزهو في الطرب. فلا غرابة أن يشتهر في هذه البيئة رجال عاقروا أشهر الخمور وكاشوا أروع النساء، ولا تجد فيهم قادة حزبيين أو رجال دين مرموقين، إلا المقاومين وكان مصيرهم الاستشهاد.
ساهم كبار أولاد حريز في ملأ خزينة حزب الاستقلال بالأموال، ليس عن قناعة واقتناع، بل كانوا يخشون من سلب ممتلكاتهم في حالة السباحة ضد التيار الجارف؛ وعندما دخل حزب الاستقلال في أزمة مع القصر، أصبح لأعيان أولاد حريز موقف آخر، على الرغم من كون الحزب وضعهم تحت القسم على المصحف. هي هنا الطوطمية السياسية والدنيا بالمقلوب. ليس الزعيم من كان يؤدي القسم للشعب، بل الشعب الحريزي من أدى القسم للصنم غير المرئي. الإيمان والتسليم الأعمى بدل الاختيار الحر .
روى لنا المرحوم الحاج إدريس اسمعلي، وكان ذاكرة قوية لها مصداقية، وله الجرأة في الحكي عن المحظور، بأن الخلية السرية الأولى لحزب الاستقلال نبتت في رحم لحباشة على يد بوشعيب بن سماعيل الحبشي، الملقب بولد الشلحة. كان لهذا الرجل دكان يبيع فيه السكر والمواد الغذائية في المكان الموجود فيه حاليا مقهى بلفقيه، وكان تمكن من ربط الصلة مع محمد اليزيدي، عضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، خلال الزيارات التي كان يقوم بها هذا الأخير لبرشيد. كان محمد اليزيدي يمتهن الترجمة، وعائد للتو من قلعة السراغنة حيث وضعته السلطة الاستعمارية تحت الإقامة الجبرية. ومن غرائب الصدف، كان يعيش ببرشيد شخص اسمه عبد الله صالحي الواسطي، متزوج من ممرضة يهودية تشتغل بمستشفى الأمراض العصبية. لم تكن لمحمد اليزيدي حساسية زائدة تجاه اليهود مثل باقي الاستقلاليين، سيما وأنه كان صديقا لنجل كارل ماركس بباريس. وبدوره، كان عبد الله صالحي الواسطي يشتغل على الترجمة ويتاجر في الحبوب لفائدة الشركة الفرنسية الوهرانية، حيث كان من ضمن مستخدميه عبد القادر المدني وأحمد فهمي الحبشي. ولما كان محمد اليزيدي يتردد على المستشفى لزيارة أحد أقربائه من النزلاء المقيمين فيه لأجل التداوي، فقد سعى لربط الاتصال مع بوشعيب بن إسماعيل الحبشي، عن طريق الممرضة اليهودية وزوجها عبد الله صالحي. أثمرت تلك اللقاءات عن ولادة الخلية السرية، نواة حزب الاستقلال، بمنطقة أولاد حريز. ولاحقا، سيصوت يهود القيسارية على مرشح حزب الاستقلال بتلك الدائرة، وهو الحاج بوشعيب موحدي، ليصبح أول رئيس مجلس بلدي منتخب في تاريخ برشيد. أما في مدينة الدار البيضاء، فصوت اليهود المغاربة على مرشحي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ضد حزب الاستقلال.
عند حصول المغرب على الاستقلال، كان صوت أصحاب حزب الاستقلال يعلو ولا يعلى عليه، وهم الدين أطاحوا بالقائد ولد شميشة، وعينوا الباشا الجديد لحبابي على رأس مدينة برشيد، ثم شيوخ ومقدمين جدد بالوسط القروي. وكان لا بد من انتظار سنة 1959 كي تسن قوانين الحريات العامة بالمغرب، ويعلن عن الولادة الرسمية-القانونية للحزب ونقابته الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، يترأسها عبد القادر بكري، من لحباشة أولاد رحال. وتبرز عائلات بأكملها من لحباشة في القوائم الأولى للحزب، مثل: اولاد الستي، أولاد قنون، أولاد السالمية، أولاد القرقافي، أولاد البكري، أحمد بلمعطي فهمي، محمد العمري ولد سليمان، الخ.
ومنذ أول انتخابات أجريت بأولاد حريز، طرحت مشكلة الزعامة. أين الزعيم؟ هاتوا الزعيم. الجواب: لا أحد . فالأحزاب لا تثق في الأعيان، وهؤلاء من جهتهم لا يثقون في الأحزاب. وهكذا وجد حزب الاستقلال الزعامة الحزبية في السي لحبيب شكيب المستورد من دكالة، والزعامة البرلمانية في رئيس الجماعة القروية النواصر؛ ووجد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الزعامة السياسية في حلاق قديم مستورد من الكارة؛ ووجدها حزب الحركة الشعبية في شخص السي عبد السلام الشتيوي، أستاذ من مدن شمال المغرب؛ ووجدت السلطة المحلية ضالتها في أحد الأعيان، هو أكبر "نشيطي" من لحباشة، يتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية.
ففي الخامس والعشرين من شهر مايو 1963، كان موعد سكان أولاد حريز مع أول انتخابات تشريعية في تاريخ المغرب، خاض فيها ثلاثة مرشحين التنافس على المقعد النيابي ، وهم: 1) سعد الله صالح، ازداد بالمذاكرة ونضج بالدار البيضاء، صاحب اللون الوردي، ويمثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ 2) - محمد العماري الريحة، رئيس الجماعة القروية النواصر، صاحب اللون الحجري، ويمثل حزب الاستقلال؛ 3- محمد بنسماعيل قايدي، " نشيطي محترم" من لحباشة أولاد حريز، صاحب اللون الأصفر، ويمثل حزب الجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الحركة الشعبية+ أحرار مستقلين + منشقين عن الاتحاد الوطني).
أسفرت النتائج عن فوز المرشح الاستقلالي محمد العماري الذي أصبح يعرف بأصغر نائب في مجلس النواب، ساعده على الفوز عدة عوامل نذكر منها ثلاثة: عدم اهتمام مرشح السلطة/ الجبهة الذي كان " ما عندو سوق" على حد تعبير الاستقلاليين أنفسهم؛ قوة الآلة الانتخابية القوية للحزب بجماعات ساحل أولاد حريز وسيدي المكي والرياح والنواصر حيث اكتسحت المجال بشكل رهيب؛ ارتداء المرشح الاستقلالي لعباءة الزواية الناصرية التي كانت تحظى بنفوذ قوي في المنطقة. وكذلك فعل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بدائرة مزاب بن أحمد ، حيث استثمر المرشح الحاج بلمعطي انتماءه للزاوية التاغية، وحصل على أكثر من 90% من الأصوات في مقابل أقل من 10% تقاسمها باقي المنافسين.
وهذه تشكيلة المجالس المنتخبة لجماعة جاقمة سنة 1963 و1969.
1. المجلس القروي جماعة جاقمة سنة 1963.
ألرئيس: حريزي محمد بن لحسن. المستشارون: الهاشمي لوطار ، لحديي العربي ، زياد بوشعيب ، رزقي علي ، البلهلول بنحمادي ، لبزيوي الحاج محمد ، بنقدور عبدالقادر (مرشح اتحادي ببرشيد سنة 1976)،الطيبي الحاج علي ،خشان لحسن ، قاضي أحمد.
2. المجلس القروي جماعة جقمة سنة 1969:
الرئيس:الحاج محمد بن اسماعيل قيدي. المستشارون: الحاج محمد لبزيوي، لحديي العربي، لوطار الهاشمي، زهير محمد بن الحاج بوشعيب( فقيه وإمام)، عمر بن الطاهر(من كبار عائلات أولاد حريز بالدار البيضاء)، عزمي الجيلالي بلمصطفى( ثري)، حمو بلبصري بن علال، الطيبي الحاج علي، فخري الحاج أحمد بن الجيلالي، شهاب الحاج الشافعي.
ونذكر من باقي مشاهير جقمة خلال نفس الفترة: بليماني بناصر بلحاج الوعدودي (كمكم)، الباهي خليفة، خاتيري الحاج ادريس (لحداية)، توزي عبد السلام بلحاج التازي (لخمالشة)، جنان سعيد بن موسى بلحاج موسى (لعوامر أولاد رحال)، زياد محمد بنعيسى (أولاد رحال)، زيادي بوشعيب، رزقي علي (الزواتنة)، شافية محمد (عبارة)، السيتلية المعطي بلحاج بوشعيب (أولاد مومن)، حمادي لبهلول (أولاد عمرو)، بليماني بوشعيب بلحاج الوعدودي، الراوي محمد بلحاج الراوي، جمال الدين السي عبد الله بلحاج عيسى (أولاد سعيد محمد)، البيدوري أحمد بن بوشعيب (لمباركيين)، برشيد المصطفى بلفاطمي (لبصاصلة- دار السي عبد القادر الأمريكي).
الجيلالي طهير
.

Enregistrer un commentaire

 
Top