GuidePedia




 برشيد نيوز: بقلم نور الذين بوخصيبي

 لتأسيس "نادي الفن السابع" حصل تلاقح بين نواة ابن رشد ( قاسي، أبا الحارث، بوخصيبي، عاهد، الروندا...) و نواة "الإعدادية الجديدة" ( كوبريت، عزوز) منفتحتين و مدعومتين بتجربة "حزب الاتحاد الاشتراكي" بالمدينة. كان الحزب ما يزال في المعارضة، و كان يحظى بشعبية قوية جدا.. كان جل من عرفتهم من أبناء المدينة يفخرون بانتمائهم الاتحادي أو تعاطفهم مع الحزب، و لم يكن ثمة فيما أذكر أي مقر لأي حزب يساري آخر.. و تلاقح ذلك كله و تفاعل  أو استفاد من تجربة الدكتور عبدالله زيوزيو في الحقل الثقافي و السينمائي تحديدا..و من هذا التلاقح، وبعد العديد من النقاشات بين الزملاء، ظهرت إلى الوجود في نهاية 1982 واحدة من أهم المحطات الثقافية بالمدينة ، نادي الفن السابع..

  و صادف أن فتحت القاعة السينمائية الوحيدة بالمدينة أبوابها بعد إصلاحها للجمهور العريض، و أذكر هنا أن "غزيل"  ابنة صاحب القاعة، لعبت دورا مهما في حصولنا على القاعة، و كانت تلميذة لدي، و الحق يقال أنها كانت تلميذة ذكية و نجيبة تحمست للفكرة و دافعت عنها بصدق..

  هكذا شرعنا في عرض مجموعة من التحف السينمائية صبيحة كل أحد بقاعة سينما الريف.. أذكر أننا قمنا بعرض شريط "ألف يد و يد" لسهيل بنبركة، و "الجزار" لكلود شابرول، و "الأسوار" و هو فيلم عراقي  لا أذكر اسم مخرجه، فضلا عن مجموعة من الأشرطة البرازيلية المندرجة ضمن موجة السينما البرازيلية الجديدة، التي فتحت أعيننا على واقع مختلف، كما على مدرسة سينمائية مغايرة ذات حمولات ثقافية و جمالية غنية..

  كانت العروض تعرف حضورا كبيرا و متنوعا، و كان هناك حضور خاص و موسع لرجال التعليم و التلاميذ و الطلبة. و كان النقاش المتوج للعروض نقاشا راقيا و حضاريا ينبش في الأشرطة المعروضة من كل زواياها و أبعادها الثقافية و الجمالية. و لا أنسى هنا صولات الأستاذ الجميل المرحوم قصير ( مدرس اللغة الإنجليزية) الذي كان يقف لحظة لقاء كلمته ليبهر الجميع بتدخلاته القيمة و بلغته العربية الرصينة..

  و أذكر أن تلميذة أسرت لي يوما أنها لم تكن تعلم من قبل أن الأفلام قابلة للنقاش بهذا الشكل، و كان هذا رأي العديد من المتتبعين، و كان دورنا أن نحول صبيحة كل أحد إلى عرس سينمائي و ثقافي جميل بالمدينة.

غير أن الاضطلاع بتسيير ناد سينمائي مسئولية ليست بالسهلة. و عندما قمنا بذلك قمنا به عن حب و تقدير لأهمية و دور التواصل و الانفتاح على المحيط الخارجي عبر القناة السينمائية. لكن ما لبث التراخي أن بدأ يدب تدريجيا بين صفوف أعضاء المكتب المسير، و بات العبء ملقى بكامله على عاتق ثلاثة أعضاء من بينهم كاتب هذه السطور، ثم ما لبثنا أن استسلمنا أخيرا تحت ضغط إكراهات الحياة اليومية، لتنطفئ هذه الشعلة المتوهجة في سنتها الأولى، و هي تجربة أدعو الآن إلى إعادة قراءتها بعمق لأنها  شكلت بالفعل تجربة ثقافية متميزة بكل المقاييس.. و أعترف الآن أنها أطلقت الشرارة الأولى للعلاقة الوطيدة التي ستربطني بالسينما و بالنقد السينمائي لاحقا..

  في بداية الموسم الدراسي 1982 / 1983 أذكر أن إدارة ابن رشد كلفتني بتدريس مادة اللغة العربية ( السلك الأول هذه المرة لأن "لعنة" الفلسفة ظلت تطاردني).. كان هذا الأمر مفاجئا لي، و خلال هذا الموسم انتقيت مجموعة من تلاميذي بقسم الثانية إعدادي، و عملت على ربطهم بإحدى الجمعيات الثقافية النشيطة بالمدينة، هي جمعية "مشاعل و أجراس" غالبا، و أسفر هذا الربط عن تفتح هذه البراعم الصغيرة، من خلال هذا الجسر الثقافي. و الآن، بعد حوالي ثلاثين سنة عن انصرام ذلك العهد الجميل، ما زلت مؤمنا بضرورة زحزحة المتعلم عن فضائه المدرسي الضيق، و نقله إلى فضاءات أخرى بالموازاة مع الفضاء المدرسي، قصد تنمية شخصيته بكل الامتلاء الروحي و الوجداني الممكن.

  و في محاولة مني لتحدي ما اعتبرته بمثابة خنق مدرسي بسبب إبعادي القسري عن "الفلسفة"، بادرت إلى تقديم محاضرة خارج أسوار ابن رشد عن "طه حسين و المنهج الديكارتي"، لأن مؤلف طه حسين "في الأدب الجاهلي" كان مقررا بالسلك الثاني آنئذ. و قدمت المحاضرة بدار الشباب الوحيدة بالمدينة. و أذكر أنني لما اقتربت من قاعة العروض ذهلت كثيرا للأعداد الغفيرة التي حجت لمتابعة العرض. كان التلاميذ يعلمون أن الفلسفة حبي و عشقي الأول، لذلك حجوا بأعداد غفيرة ربما في تواطؤ منهم معي لسماع صوتي الآخر، صوت الفلسفة. و لأنني كنت قد ميزت في هذا العرض بين طه حسين الشاب و طه حسين الناضج صاحب "الإسلاميات" فقد احتج أحد التلاميذ على ما أسميته آنئذ  بـ "الطاهوات"، و ردد هذا التعبير أكثر من مرة بنبرة بالغة الجدية و الانفعال، و كان طالبا نجيبا و محبا للنقاش، فأطلق عليه التلاميذ من يومها لقب "الطاهوات"، و ما زلت إلى اليوم أذكره بهذا الاسم...

  و لا أخفي أنه كانت تجري نقاشات بالغة الأهمية و الحدة بين الزملاء العاملين معي بابن رشد. قلت إن حزب "الاتحاد الاشتراكي" كان سيد الميدان آنئذ على المستوى الشعبي. و كان هناك حضور وازن أيضا على مستوى المدينة للحزب الوطني الديموقراطي. غير أنني لم أكن، مع مجموعة من الزملاء، لم نكن ننظر بعين الرضا للممارسة الحزبية آنئذ، و كانت قناعتنا أن غياب الديموقراطية في مجموعة من الهيئات السياسية الوطنية، هو عائق أساسي ضد قدرة هذه الهيئات على التفاعل بالقوة اللازمة مع الجسم الاجتماعي برمته. غير أن نقاشاتنا مع الأسف كانت تظل بدورها نقاشات نخبوية معزولة، بدون سند اجتماعي حقيقي، مما تسبب في العديد من الانزلاقات و الأخطاء التي سأعود إليها في أوراق قادمة.

Enregistrer un commentaire

  1. عنداك تنساني في مغامرتك. هأنا اتتبع الحلقات من مراكش.

    RépondreSupprimer

 
Top