GuidePedia


 3


الشيخ الوزاني وابنيه أحمد وحسن بفرنسا 1952


بقلم: الجيلاني طهير


كان الباشا يعرف الجميع، وكل شيء،  من خلال النظرة السحرية الفريدة،  وهو الذي  حمله الفرنسيون  على صهوة جواد أزرق ليحكم أولاد حريز رغم أنفهم سنة 1908. في كل صباح، كان يخرج من خلف أسوار القصبة الجديدة ممتطيا عربته باتجاه  برشيد،  وعند مروره  لم يكن أحد يجرؤ  على الاقتراب منه أو التطلع إليه. كان الناس  ممن لهم  أقارب محبوسين في سجن الباشا  يختبئون خلف الأشجار  التي صفت على حاشية الطريق، وعند دنو العربة  يهرعون من مخابئهم ويرمون إليه بالقطع النقدية والأوراق المالية التي تسقط في عبونه،  فلا ينظر إليهم ولا ينظر إليها، ولكنه يتذكرهم ويتذكرها،  ثم يحرر أسراهم.


 كان الأعوان الذين  يحطبون للباشا من المواطنين يلبسون طرابيش حمراء ويسمونهم المخازنية، أشهرهم: ولد محمود، زيد المال، ولد بوعلي، عمر قم، المحجوب، سي عبدالقادر. وكان أخطرهم  رجلان هما عمرو قم وأحمد ولد زيد المال. كلما أراد أحدهم سلب مخلوق رزقه بالباطل وامتنع عليهم، ذهبوا إلى الباشا ولفقوا له تهمة شتم الجد المقدس، سيدي عمرو بن الحسن، قائلين له: " نعام آس، عير الجد". حكاياتهم لا تعد ولا تحصى، هذه واحدة منها: ذات مرة أراد عمرو قم أن يخطف ديكا روميا من يد صاحبه أتى لبيعه بالسوق، فسبقه الممرض الحاج ادريس  وحيد الذي  ارتمى على الطائر وأذى ثمنه لحساب الدكتور دو لامار،  وقال له: " لامار هو الأول".


لكن في النقطة المتعلقة بالولاء للعائلة المالكة، أبان الباشا عن تسامح كبير تجاه مواطنيه الدين يحبون ملكهم، ولم يسجل عليه التاريخ تواطؤه ضد العرش الملكي. إنه  لم يوقع على عريضة التآمر  ولم يطالب  بخلع السلطان محمد الخامس، مثلما فعل قواد الشاوية  ممن بايعوا محمد بن عرفة، وهم التالية أسماؤهم: محمد بن الحسن قائد حمداوة، و محمد بن عبد السلام قائد مزاب، و محمد ولد الحاجة قائد بن احمد.  فقد ظل الباشا برشيد وفيا للمخزن لأنه ابن المخزن، أبا عن جد، وليس مثل نكرة بالجوار كان يسرق الدجاج وصنعه الفرنسيون للحكم، يحكي السيد عبد القادر زروال مضيفا:  "ومن حسناته أنه لم يكن يتحرش بالوطنيين ولم يسجل عليه يوما أنه مس أحدا منهم بسوء".


يحكى  أن ثلاثة أشخاص كانوا معروفين عند الباشا يجرعون مجتمعين أنهارا من الخمر التي أتى بها الاستعمار، وهم: بناصر ولد حمو بناصر، والمعطي بن الشيخ البكري، ولمعلم عبد الله بن أحمد. ألقت عليهم شرطة الأخلاق القبض بسبب السكر العلني وسجل في حق كل واحد منهم محضر مخالفة، في انتظار المثول أمام الحاكم الفرنسي للبت في أمرهم. صرح الأول  أثناء كتابة المحضر بأن اسمه عمرو بن الخطاب، وقال الثاني اسمي عزرافيل، وقال الثالث  اسمي عيسى بن مريم. وفي اليوم المحدد لحضور  المحاكمة بالسوق الأسبوعي، نودي على المتهمين بالأسماء المدلى بها للشرطة، فلم يظهر لهم أثر.  ضحك الباشا   وقال للحاكم موريس: "  هاد الثلاثة ما يبانو حتى ليوم القيامة"، ولم يكشف له عن الأسماء الحقيقية للمتغيبين عن جلسة الحكم.


إننا نجانب الصواب، وقد نرتكب جناية في حق التاريخ،  لو قبلنا القول بأن الباشا برشيد أو أحد أبنائه كانوا يحمون المقاومة أو يقومون بدور التنسيق بداخل الحركة الوطنية. فعلى سبيل المقارنة، كان الشيخ الوزاني بدوره ورث الحكم بمشيخة تاعلاوت أبا عن جد، وهو أيضا حكم البلاد في ظل الحماية حتى عزله حزب الاستقلال وعوضه بالمقدم علي البالازي الذي كان يعمل تحت إمرته في ظل الحماية. وقبيل عودة الملك بالمنفى، وأثناء تواجده بفرنسا، كان الطلبة المغاربة، وضمنهم أحمد بن الشيخ الوزاني، يترددون على زيارته بمقر إقامته بفرنسا. بعد إعلان  الاستقلال، التحق الطلبة بصفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ورفض  أحمد الوزاني  العمل بوزارة الداخلية تحت إمرة  القائد السابق الحسن اليوسي، أو " الشليح" كما كان يناديه ولي العهد مولاي الحسن، يقول السي أحمد الوزاني. وكذلك رفض عبد السلام برشيد العمل بوزارة الخارجية، في منصب سفير بدولة البرازيل. (بعض  قدماء الطلبة المنتسبين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية وجدناهم أساتذة محامين بمكتب الأستاذ حسن الوزاني).


والحالة هذه، لا يجوز القول أن الشخصين كان لهم دور في المقاومة المسلحة التي أشعلها الفقراء من القرويين أو زعامة الحركة الوطنية التي كانت حكرا على النخبة الحضرية المتعلمة. فقد كان الصراع على أشده بين حزب الاستقلال وقواد وشيوخ البوادي الأوفياء للعرش لما استقال  الحسن اليوسي من وزارة الداخلية وتركها لادريس المحمدي  المنتمي لحزب الاستقلال، في حكومة الوزير الأول البكاي،. كان اليوسي يقول: " إن هذه الأحزاب تنسى أن أغلبية سكان المغرب من البادية وأن أمجاده صنعها أهل البادية، وأنه ليس من مصلحة الشعب أن توكل جميع المسؤوليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى جماعة تتجاهل القبائل والبادية".


بعد رحيل اليوسي عن وزارة الداخلية، جاء الدور على الباشا برشيد الذي أقصاه حزب الاستقلال من الحكم: توجه وفد محلي   باسم حزب الاستقلال للقصر الملكي بالرباط، تحت رعاية وزير الداخلية ادريس المحمدي، وطلب من الملك عزله من المنصب. كان الوفد يتكون من عشرة أفراد، نصفهم يمثل مركز برشيد  والآخرون البادية، وهم شكيب سي الحبيب كاتب الفرع، الحطاب بن ادريس، صالح قديري، عبد القادر بكري، خليد المكي، العائدي الحلوفي، عبد القادر بن بوعزة، الحاج الترغي، العربي الناصري وبوشعيب بلمعلم.


سأل الملك  أولاد حريز عن الدوافع وراء  طلب إبعاد الباشا برشيد عن الحكم فطأطئوا رؤوسهم،  ولم ينبس أحدهم بكلمة. قال لهم، " ما يكون عا الخير"، وتمنى لهم العودة بالسلامة بهذه العبارات المطمئنة:  " راني ما ننعس حتى توصلو سالمين". وقتئذ، كان المغرب يعيش مرحلة سوداء تتخللها التصفيات الجسدية بين الفرقاء السياسيين من أجل احتلال المواقع الأولى في الحكم.  كانت لحظة الوداع متزامنة مع وقت غروب الشمس، فخاف الملك أن يعترض سبيلهم أحد تحت جنح الظلام فيصيبهم مكروه. ولذلك، يقول لنا أحد أفراد الوفد تغمده الله برحمته:  " اتصل  المغفور له محمد الخامس بالهاتف مع الباشا وطلب منه أن يطمئنه علينا  عندما نصل لبرشيد".


وأخيرا، غادر الباشا برشيد المنصب وتم تعيينه من طرف محمد الخامس عضوا بالمجلس الاستشاري، وكان عبارة عن برلمان صغير معين من طرف الملك،  وذلك بصفته ممثلا للفلاحين.


يتبع...

Enregistrer un commentaire

 
Top