GuidePedia


10468091_847265585302113_3070269607541959013_n


بقلم: الجيلالي طهير


الأوراق البنكية لا تمحو الذاكرة. أعطيني معنى كلمة المال في القاموس السياسي، أكتب لك جانبا من تاريخ الرؤساء الثلاثة لبلدية برشيد. الانتخابات ذروة الديمقراطية، لولا عمليات بيع الذمم التي تجعل بعض المنتخبين يتجاهلون المؤسسات ويتعلقون بالأشخاص، فيحملونهم إلى أعلى السماوات، ثم يرمون بهم إلى أسفل سافلين، الواحد تلو الآخر، وكأنهم الصائبة عبدة الكواكب، سبب الشقاء، دون الله الواحد القهار. " فلما أفل قال لا أحب الآفلين، ولما رأى القمر بارزا قال هدا ربي... ولما رأى الشمس بارزة، قال هذا ربي هذا أكبر (...). إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" ( الأنعام).


السيد عبد الله القادري، أول رئيس مجلس بلدي، أراد أن يصبح زعيما وإلى الأبد لمدينة برشيد. هكذا سولت له نفسه، أو هكذا صوروا له الأمر. خطأ الرجل، لم يؤمن بجدلية التاريخ، ولم يقرأ بأن الهاجس الأمني في الفقه البصري يمنع التجدر السياسي في التراب الجماعي . تجلت المشكلة الكبرى للسيد الرئيس في عدم قدرته على الانتقال الذهني من نمط التفكير العسكري إلى نمط التفكير المدني، اللازم لعملية الإدارة السياسية.


كانت القيم الأخلاقية هي السائدة في عهد السيد عبد الله القادري، وحياة الناس عفوية وبسيطة، ولم يكن يوجد بالمدينة اهتمام بالشؤون الدينية يزمر له ويطبل. وقد عاب الشباب المتعاطف مع حزب الإتحاد الاشتراكي انحياز الرئيس القادري لأبناء عمومته، وكانوا يسخرون من كل شخص يناديه بلقب " الشريف". وأما هو، فكان يفاخر بانتمائه لسلالة مولاي عبد القادر الجيلالي، موحيا أنه يطبق قسم هذا القطب الروحي القائل: " وعزة ربي وجلاله، أنا قدمي على مريدي كالسماء على الأرض". لم يكن السيد القادري متدينا ولا زاهدا، وإنما كان متزهدا، وأكثر سخاء من غيره، شوهد كدا مرة يفرق المال ذات اليمين وذات الشمال، وطابور المعوزين ينتظر قدومه إلى القصر البلدي. وما كان يتسنى له ذلك لولا جاذبية رحيق التصوف، والتأثر بالمبدأ الشهير للإمام الجيلاني: " اجعل الدنيا في يدك، وليس في قلبك، فلا تضرك". الإمام الجيلاني كان يربط بين المحبة والفقر، ويردد حديث رسول الله: " حين جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له، يا رسول الله، إني أحبك، فقال: استعد للفقر". ( رواه الترمذي في كتاب الزهد)


يحدثنا الدكتور طه حسين، عن ثورة الزنج، ويطرح السؤال التالي: " ماذا لو انتصرت ثورة الزنج؟ ". ونحن نعيد السؤال على النحو التالي: ماذا لو انتصر الاتحاد الاشتراكي في انتخابات 1976؟ و هل كان سيجد التجاوب التام مع حكومة غير ممثل فيها للقضاء على جزر الصفيح؟


ظلمنا جميعا السيد القادري، ولا بد من التحلي بالنزاهة، ومراجعة الذات إذا كان من ضمير حي، بعد موت الأحزاب. هو "دخل عامر وخرج زاوي"، فأي رأسمالي هذا الذي يغادر المنصب خالي الوفاض، وأي اشتراكي الذي يقول أصحابه فعل العكس؟


رحل الرئيس عبد الله القادري، وجاء بعده الرئيس محمد طربوز، محملا على الأكتاف، من حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1992. تخيل الرجل في لحظة من التاريخ، وهو يلوح للناس في الطرقات بشارة النصر، أنه سيحكم برشيد، وإلى الأبد. فهو لم تكن له خلفية عسكرية مثل سلفه، الذي كان دائم الغياب، كجنرال يأمر من غرفة العمليات، معتقدا أن ضباط الصف سيقومون بتنفيذ الخطة على الجبهة. والصحيح، لم يكن للسيد القادري بالبلدية ضباط صف، وإنما أصحاب مصالح، وفوضويون بدون رؤية، وموظفون ينهبون المال العام، واشتراكيون منقلبون على حزبهم.


ومع ذلك، حكم الرئيس طربوز قومه بعقلية عسكرية، وكانت إدارته السياسية صارمة وبالغة القسوة، لم يعهدها أحد من قبل. وفي غفلة من أمره، لم ينتبه السيد الرئيس أننا لا نحكم على أناس نحبهم، والحب واحد زائد واحد يساوي واحد، كما يقول جان بول سارتر. ففي ولايته الأولى، احتقر خصومه السياسيين واعتبرهم أعداء لا معارضين سياسيين، فنكل بهم وأقصاهم إداريا وثقافيا واجتماعيا. وفي ولايته الثانية، بالغ السيد الرئيس في الإعلاء الوهمي للذات وخاصم رفاق الدرب ، وانقطع عن مشورتهم، ظنا أنه الأذكى، حتى وجد نفسه بين المطرقة والسندان.يقول الشاعر:


ما سمي الإنسان إلا لنسيه          وما سمي القلب إلا لأنه يتقلب.


وبالإمكان تلخيص المشوار السياسي للرئيس محمد طربوز في ثلاثة عنواين: "أسس القطيع، تبعه القطيع، تخلى عنه القطيع". هذه التراجيدية تشبه، ولو بطريقة مختلفة، مراحل الوعي الأول، والوعي الثاني، والوعي الثالث عند نيتشة، في كتابه: " أفول الأصنام"، أصنام العصر.


لماذا سقط الرئيس؟ قالوا عنه أصبح غنيا وصاحب مال. والأمر لا يستقيم في التحليل المنطقي على هذا النحو. الحقيقة، هناك عناصر أخرى متشابكة وجد معقدة، وراء السقوط، بدأت منذ تنظيمه وليمة فخمة دعا لها السماسرة في ركب السيد القادري وكبار المرتشين، بمناسبة تنظيم المهرجان الصيفي للمدينة. الذين أسقطوه كانوا بدورهم فقراء وأصبح لهم مال، وآخرون في المدينة نرى لهم أموال طائلة وكان آباءهم أيضا فقراء. فأين المشكل؟


بعد سقوط الرئيس محمد طربوز جاء الرئيس الحالي. رجل لا يريد زعامة ولا حكما، بل امبراطورية عقارية لم يخلق مثلها في البلاد. رجل مصالحى بالمعنى الضيق للكلمة، يهتم بالحجر قبل البشر، اختار الوقت المناسب، والحزب المناسب، ليصنع لنفسه مائدة مستديرة، جمعت حوله جميع ألوان الطيف، من اليمين إلى اليسار. كان استعمل المال للوصول إلى السياسة، و يستعمل السياسة من أجل الحصول على المال. طوال عشر سنوات، عمر لنفسه أكثر مما عمر للمدينة. وفي رمزية واضحة شاهدة على المرحلة، هذه الأخيرة، سقط شعارها المنتصب أمام مقر العمالة، وكأنها منهزمة في حرب.


بدوره تحول حزب العلامة علال الفاسي من كائن يشبه الوطن، استشهد لأجله الرجال، إلى مخيم للنازحين من شتى الأحزاب، يأوي مرشحين سابقين من الحركة الشعبية الوطنية، والتجمع الوطني للأحرار، والحزب الوطني الديموقراطي، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الخ. الرأسمال لا وطن له، فكيف يكون له حزب قار ؟ الريعيون بطبعهم لا يغامرون في السياسة، ولا يستثمرون في غير المضمون، وفقط يقفزون على الرغيف الساخن.


انتخب حزب الاستقلال مؤخرا مكتبه المحلي، ووضع اسم السيد الرئيس، وآخرين من العيار الوازن ماليا، في ذيل القائمة بصفتهم مستشارين. وأكيد، ستصبح تلك الأسماء على رأس اللائحة الانتخابية المقبلة، والآخرون هم الذيل.


وعلاقة بهؤلاء الأغنياء، الحجاج البررة، كتب طه حسين في " الفتنة الكبرى" عن عبد الرحمان بن عوف، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، أنه كان موفقا في السعي إلى المال وكان يقول عن نفسه: " لقد رأيتني وما رفعت حجرا حتى ظننت أني سأجد تحته ذهبا وفضة". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، ذات مرة: " إنك غني وما أراك تدخل الجنة إلا زحفا. فاقرض الله قرضا حسنا يطلق لك قدميك".


ليست نبوءة، ولكنها قراءة سياسية متواضعة. لقد بنى الرئيس عبد الله القادري الحي الحسني، والحي من دمره. والرئيس طربوز بنى حزب الاتحاد الاشتراكي ، والحزب من دمره. وأما الرئيس الحالي، الذي وحدي أنتقده بكل احترام، فهو بلا شك سيظل معنا لفترة أطول. فهو لم يقم ببناء أي شيء، وأي شيء لا يدمر أي شيء. أعتبر الأمر نوعا من الذكاء السياسي إن حصل بالفعل. لا نرى غير السهام مصوبة نحو الشاب البيضي: بنى فريقا كرويا وملاعب رياضية ورفع الصوت في الجامعة الملكية لكرة القدم. فلصالح من يحملون معاول الهدم؟ أخشى الويل على كل من أحب هذه المدينة بصدق.


صناديق وصناديق، الرؤساء الثلاثة، أطال الله عمرهم جميعا، ينتمون للزمن الميت، غزاة سياسيين جميعهم، يحتلون عصر جيل يغرد بعيدا، في فضاء الشبكات التواصلية، ولا يحمل المشعل. يحدثوننا في الإعلام عن تشبيب الأحزاب، و عن دور المرأة، ويشتكون من عزوف الشباب عن السياسة. الحياة شباب يا أولي الألباب، برشيد تستحق الأفضل.


 

Enregistrer un commentaire

 
Top